https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png


في اثر تفكك الاتحاد السوفياتي في العام 1991، وجدت روسيا نفسها امام تحدي استقلال عملي للجمهوريات التي كانت تخضع لسيطرتها. وكانت التساؤلات تطرح بشأن مستقبل الوجود والنفوذ الروسيين في هذه الجمهورات.
ومما زاد من اهمية هذه الاشكالية ان هناك الكثير من الروابط والاحتياجات بين روسيا والجمهوريات السوفياتية، فضلاً عن ان الاخيرة تشكل مجالاً حيوياً استراتيجياً، باعتبارها كانت تشكل تاريخياً موقعاً متقدماً على التخوم الجنوبية والجنوبية الغربية للامبراطورية الروسية القيصرية، ومن ثم للاتحاد السوفياتي.
لذلك، كان من الطبيعي ان تتسم بعض المواقف الروسية بالحساسية «المفرطة» ازاء ما يجري من تطورات جيوسياسية في تلك الجمهوريات. وانطلاقاً من ذلك، مارست روسيا شتى الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية لجعل هذه الدول تدور في فلكها.
ولعل رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الروسي ي. امبارتسوموف كان واضحاً في مقاربة هذه الفكرة، حين قال في العام 1993 ان المجال السوفياتي السابق يعد «منطقة خاصة للنفوذ الجيوبوليتكي الروسي»، وربما كان كلامه اشارة مفادها ان روسيا ترغب في ان تكون العلاقة مع دول الاتحاد السوفياتي السابق شبيهة بعلاقة الولايات المتحدة بدول أميركا الوسطى والكاريبي.
لم يعد ظهور الحركات الإسلامية أو تأثيرها المباشر على الحياة السياسية والاجتماعية والقومية احتمالا نظريا مجردا، بل تعدت ذلك لتدخل منعطفا جديداً وتحديداً في العام 1992 اذ برزت المشكلة الإسلامية مع الحكومة الروسية مع بعض العناصر المسلمة، فكانت الرغبة للجمهوريات والأقاليم الروسية بالاستقلال أو تكوين كيانات خاصة بها يحكمها التوجه الإسلامي نتيجة الأكثرية الموجودة فيها من الإسلاميين.
وفي ظل انهيار الدولة الروسية في تسعينيات القرن الماضي، وتراجع دورها كدولة عالمية، أضحت روسيا مقصداً لكل المبشرين الإسلاميين أو من يعرفون بناشري الدعوة الإسلامية الذين لقوا ترحاباً من السكان الباحثين عن دعم مادي وأيديولوجي، فتم تأسيس مراكز اجتماعية وثقافية وخيرية، وجوامع ومعاهد لتدريس الدين والشريعة، فحطت القوى المتطرفة رحالها في روسيا، وتكاثر أصحاب «الثورة المستمرة» و«الفكر الأممي الأخضر».
ويشير المحلل في مركز الدراسات التاريخية والاسلامية في موسكو ميخائيل شيتو لـ«السفير» إلى ان «الصوفية في الوسط الاسلامي التي كانت تعم في روسيا ايام القيصر، وفي ما بعد ايام الاتحاد السوفياتي السابق، والتي كانت توصف بكونها التيار الاكثر ليبرالية واعتدالاً، وربما الأقرب الى المذهب الشيعي، تحولت بفضل الاموال العربية والتدريب التركي والبعثات التعليمية، إلى ما يمكن وصفه بأنه التيارات الاكثر تشدداً، وبشكل خاص إلى المذهب الوهابي، الذي اسهم في انتشار الحركات السلفية والتيارات المتطرفة الاخرى».
ويعطي شيتو مثالاً على ذلك ما يحدث في أذربيجان ذات الغالبية الشيعية، والتي «تحول ائمتها بمعظمهم الى الوهابية بتأثير تلك الاموال».
ويضيف «الآن، تنتشر مدارس تعليم اللغة العربية في العديد من الجمهوريات السوفياتية السابقة، وتحت هذا الغطاء، يتم تمرير مناهج التعصب والتطرف». تحاول الحكومة الروسية وحكومات معظم الجمهوريات اغلاق تلك المدارس او الحد من عملية «التبشير» بالافكار المتشددة، وفقاً لشيتو، الذي يشير الى ان السبب في ذلك يعود إلى ان «القائمين على تلك المدارس يحاولون عن قصد اغراء الفتية عبر القراءات المشوهة للقرآن والسيرة النبوية وغيرها من التعاليم الاسلامية».
ويشير شيتو إلى ان «هناك اموالاً طائلة تصل الى ايدي هؤلاء، وهم يحاولون نشر كتبهم ومنشوراتهم التي تدعو الى التعصب والانغلاق والتطرف».
ومن نتائج ذلك، بحسب شيتو، ان «السؤال لم يعد هل انت مسلم؟ بل صار هل انت شيعي ام سني؟(!)»، وهي ظاهرة لم تألفها جمهوريات الاتحاد السوفياتي من قبل.
اليوم، تعتبر مناطق آسيا الوسطى (كازاخستان، اوزبكستان، تركمانستان، قرغيزيا، طاجكستان)، وجنوب القوقاز (ارمينيا، جورجيا، اذربيجان) ذات اهمية بالغة بالنسبة إلى روسيا من حيث امنها، وبخاصة بعد تنامي ظاهرة التطرف الاسلامي وبروز الحركات الراديكالية («حزب التحرير» مثالاً)، حيث بدأت تلك المجموعات بتغيير تكتيكاتها، ولو بشكل موقت، بانتظار ظروف مؤاتية لاعادة طرح برامجها وايجاد سبل لممارسة نشاطها، من هنا يمكن تفسير ابتعادها «الموقت» عما يسمى «الجهاد الاسلامي العالمي».
ومع ذلك، فإنّ تلك الحركات ما زالت تنشط في اوساط الشبيبة الى حد ما، عبر نشاطات ذات طابع اجتماعي تترك اثرها النفسي على السكان، وبخاصة الشبان، بغرض جذبهم الى فكرها المتشدد، في ظل التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في العالم بشكل عام، وبالاخص في العالم العربي، حيث بلغ العمل «الجهادي» مستوى خطيراً.
وتشكل الاوضاع السائدة في العام حافزاً للشباب المسلم في الجمهوريات السوفياتية السابقة، وتحديداً في الجمهوريات ذات الغالبية الإسلامي، وهي ظاهرة تستند في الاساس إلى بروز العامل الديني غداة تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، مع الإشارة الى ان الجمهور الاسلامي في تلك الجمهوريات يعتبر ان الدين الاسلامي كان مقموعاً في ايام السوفيات، ولم يكن من اليسير ممارسة الشعائر الدينية بشكل حر.
ولعلّ موقف روسيا من الانفصاليين الشيشان، ومن ثم في الحرب الأهلية في يوغوسلافيا السابقة، قد ساهم بشكل او بآخر في ايقاظ «مارد» الإسلام السياسي والجهادية السلفية، التي يجري توصيفها في روسيا بـ«الخطر الوهابي السلفي الجهادي».
يذكر ان ظهور حركات التمرد في الشيشان وانسحاب الرئيس الشيشاني آنذاك جوهر دودايف من الاتفاقات الموقعة مع موسكو، فرضا على الرئيس الروسي بوريس يلتسين التدخل العسكري مجدداً فاجتاحت الدبابات الروسية غروزني في شباط العام 1994، وعندها ظهرت ما اطلق على تسميته «المقاومة الإسلامية «العنيفة ضد الروس، ما أدخلهم في حرب مجهولة وقذرة استمرت سنوات عدّة، شهدت سفك الكثير من الدماء والدمار.
ولعل أسوأ ما انعكس على القوات العسكرية الروسية بسبب ما حصل في حرب الشيشان بروز الانخفاض الكبير في مستوى انضباط القوات المسلحة الروسية ودرجة استعداداتها للمواجهة، وعودة شبح التورط السوفياتي في افغانستان ومآسي ذلك التدخل، وهذا ما شكل عامل تردد في الحسم واتخاذ الآليات والقرارات لانهاء النزاع في الشيشان في تلك الفترة.
لكن فترة حكم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شكلت منعطفاً في هذا الإطار، حيث شكلت الازمة الشيشانية رهاناً لنجاح الحفاظ على وحدة روسيا والقضاء على الاصوليين والارهابيين في الشيشان وداغستان ـ بحسب التعبير المتداول في وسائل الاعلام الروسية ـ في تلك الفترة.
وعليه، استفادت روسيا، كغيرها من دول العالم، مما حدث بعد هجمات الحادي عشر من ايلول العام 2001 في الولايات المتحدة، حيث اعتبر بوتين آنذاك أن روسيا والولايات المتحدة تقفان معاً في وجه ما سماه الارهاب، وكان الشعار الروسي وقتها: «هؤلاء ارهابيون ونحن في تحالف دولي لمكافحة الارهاب».
لكن الظروف السائدة اليوم تبدو مختلفة، فالحرب الاميركية على الارهاب تجري في ظل حرب موازية يخوضها الغربيون ضد روسيا نفسها، سواء في اوكرانيا او في سوريا. ولعل استعار هذه الحرب الباردة يدفع روسيا اليوم الى مقاربة قضية الارهاب من منظار مختلف، يقوم أساساً على الاستقلالية في التحرك، خصوصاً ان القيادة الروسية تدرك جيداً ان الحملة الجارية في سوريا والعراق تنطوي على اجندات غربية تمس مصالح روسيا نفسها.

السفير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube