https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

.

االمؤلف جون بيرلي:

استغلت الصين التحولات الاقتصادية العالمية التي عرفتها المعمورة خلال القرن العشرين للانخراط في العولمة والاستفادة منها في الدفع بعجلة تطورها ونمائها مستفيدةً من قوتها العَاملة الضخمة والرخيصة، ورؤيتها التي اعتمدت على جذب رؤوس الأموال، والتكنولوجيات المتطورة، والخبرات الدولية.

مَكّنت هذه الظروف الصين من النمو بوتيرة أصبحت معها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر دولة في تجارة الاستيراد والتصدير؛ وكل هذا بفضل رؤية اقتصادية استطاعت من خلالها الاستفادة من الفرص التي أوجدتها عولمة القرن العشرين، وما وفرته من موارد وسوق دولية مفتوحين وظفتهما بذكاء في دعم ما يخدم تطوير اقتصادها الوطني.

وتندرج مُبادرة الحزام والطريق في هذا السياق الطَّمُوح الذي تسعى من خلاله الصين إلى تحقيق تَمْكِين اقتصادي أكبر لها تُعزز به ليس فقط مكانتها وموقعها الاقتصادي الدولي، بل وكذلك ما يُمكِنها من تحقيق انسجامٍ وتَماهٍ أكبر مع الاقتصاد العالمي تُعزز به مسيرة تحولها الاقتصادي، وتساعد به مُحيطها الحيوي على النماء والازدهار.

ضمن هذا السياق، تأتي أهمية كتاب “العولمة الصينية ومبادرة الحزام والطريق”، الصادر حديثاً عن دار نشر بَلَجريف مَاكْمِيلَان للكاتب جون بيرلي (Jean A. Berlie)، والذي يشرح أهمية العولمة ومبادرة الحزام والطريق، ويحاول رصد موقع الصين الجيوسياسي العالمي في علاقته بهذه المبادرة وإنجاح تنفيذها.

مبادرة الحزام والطريق

تُشكل مبادرة الحزام والطريق التي أعلنت عنها الصين عام 2013 مشروعًا ضخمًا بكل المقاييس، غير أنها ورُغم رُؤيتها العالمية يصعب فيها بسبب تداخل عدد من المُتغيرات والمُحددات وضع اليد على معنى واضح لمَاهية المقصود بالحزام والطريق رغم وجود العديد من المذكرات المُوقعة بين الصين ودول أخرى أطراف في هذه المبادرة.

وبسبب ضخامتها وأهميتها، شكلت هذه المبادرة مصدرًا ومبعثًا لمخاوف دولية جعلت المجتمع الدولي ينظر إليها باعتبارها محاولة من الصين لإرساء أسس “نظام عالمي جديد” في تجاهل تام للجوانب الإيجابية التي ينطوي عليها هذا المشروع الذي ينكب الكتاب عليها بالبحث والتحليل باعتبارها موضوعه المحوري.

أبعاد مبادرة عالمية

يحاول الكتاب استقراء أبعاد مبادرة الحزام والطريق من خلال النظر في التفاعلات بين جميع الأطراف والعوامل المتدخلة فيها، بما فيها اعتبارات البنية التحتية، ودور دول آسيا الوسطى، وهونغ كونغ وماكاو، وطريق الحرير البحري، وبحر الصين الجنوبي، وبلدان الآسيان بما فيها إندونيسيا وماليزيا، إضافة إلى منطقة الخليج الكبرى التي تضم كل من منطقة غوانزو، ومدن مقاطعة غوانغدونغ التسع، ومنطقتين إداريتين خاصتين (SARs)، ومنطقتين اقتصاديتين خاصتين (SEZs).

كما خصص الكتاب فصلين للحديث عن مبادرة الحزام والطريق في علاقتها مع أفريقيا؛ وكل هذه الموضوعات تم تناولها من منظور قيمة مبادرة الحزام والطريق المضافة بالنسبة لجميع الأطراف المعنية بها، وبما يؤكد أن مفهوم العولمة الذي يقترن بهذا المشروع، لا يَربط قُوة العولمة بمعناها الصيني بقوة العولمة بمعناها الغربي.

وتحقيقًا لهذه الغاية الاستقرائية وَقَع كتاب “العولمة الصينية ومبادرة الحزام والطريق” في إحدى عشر فصلًا، جاء أولها في شكل أشبه بالمقدمة التي عرض فيها المحرر والكاتب جون بيرلي لأهم الأفكار التي سيتناولها الكتاب بالتحليل من خلال جوانب عدة؛ فيما قدم الفصل الثاني الذي جاء تحت عنوان “طريق الحرير الجديد”، شرحًا لمبادرة الحزام والطريق التي وصفها الكاتب جون بيرلي بأنها تشكل بطبيعتها “عولمة بنكهة اشتراكية ذات خصائص صينية بفلسفة كونفشيوسية”.

وأبرز هذا الفصل الارتباطات التاريخية لمبادرة الحزام والطريق بطريق الحرير القديم وتَمَظهُرات هذه الفكرة المُعولمَة التي نجحت الإمبراطوريات الغربية الاستعمارية في مراحل سابقة في تطويرها وفق نسق عزز المبادلات التجارية، والاقتصادية، والثقافية، والمعرفية.

ففكرة العولمة الراسخة في عالم اليوم – كما يوضح ذلك الكاتب – تربطها بِكِين ضمنيًا بمبادرة الحزام والطريق، ويحتل فيها الاقتصاد، والجغرافيا السياسية، والتجارة العالمية حيزًا مهمًا إلى جانب عمليات تطوير البنى التحتية المرتبطة بها، والتي تحتاج لإنجازها تطوير آليات جديدة تكفل حل الخلافات التي تقف حجرة عثرة أمامها.

ويكشف هذا الفصل في هذا الصدد، الدور الذي تضطلع به غرفة التجارة الدوليّة لطريق الحرير بوصفها حلقة وصل تعمل على تذليل هذه الصِّعاب بإرساء علاقات جيدة بين الشركات والحكومات، وتوفر منصة تعاونية فعالة إلى جانب ما تقوم به من أنشطة ترويجية للمبادرة التي تحتاج إلى دعم عالمي يساعد في حل المشكلات العالقة.

كما تناول هذا الفصل أيضًا أهداف مشروعات البنية التحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق الرامية إلى ربط مناطق جغرافية مختلفة ببنية تحتية متكاملة تصل الصين ببقية العالم بطرق متنوعة بما فيها الربط المادي بطرق برية/بحرية أو الربط المالي بمؤسسات مالية/مصرفية أو الربط الاجتماعي بمشروعات سياحية أو ثقافية تحقق منافع مستدامة لجميع الأطراف.

وفي الفصل الثالث من الكتاب الذي جاء تحت عنوان: “مقاطعة سنجان ومحور آسيا الوسطى التاريخي وأهميتهما لمبادرة الحزام والطريق”، يلقي الكاتب الضوء على أهمية مقاطعة سنجان ومجموعة دول آسيا الوسطى باعتبارهما القلب النابض لمبادرة الحزام والطريق، وأهمية التوازن الذي يحققانه لها بين قوة الامتدادات البرية والبحرية.

وناقش بيرلي في هذا الفصل التفاعلات الجيوسياسية والاقتصادية والتاريخية إقليميًا ودوليًا التي تؤثر أو سيكون لها تأثير على مستقبل مبادرة الحزام والطريق؛ فتاريخيًا بدأ اهتمام الصين بـ مقاطعة سنجان منذ أكتوبر 1949 مباشرة بعد الثورة الثقافية (1966-1976) من خلال برامج تنموية شاملة لتطويرها مهدت لتحقيق التكامل بينها وبين اقتصادات دول آسيا الوسطى.

ويؤكد هذا الفصل على أهمية مقاطعة سنجان ودول آسيا الوسطى منذ أن أحكم المَغُول سيطرتهم على هذه المناطق وأرسوا فيها نظامًا سياسيًا واقتصاديًا مرنًا مكنها من تحقيق ازدهار غير مسبوق، وتبرز أهمية هذه المناطق التاريخية أيضًا بالنظر إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي سيمكن الصين من الوصول إلى مصادر الطاقة من النفط والغاز الطبيعي.

 البنية التحتية ومبادرة الحزام والطريق

يشكل المجال الإقليمي المباشر عاملًا حاسمًا في تحقيق نجاح مبادرة الحزام والطريق بالنسبة للصين، ولذا أولته بِكين أهمية كبرى لإدراكها التام بأن إنجاز هذه المبادرة وخروجها إلى الوجود لن يتم إلا من خلال رؤية متكاملة ومستدامة تضمن لجميع الأطراف قيمة مضافة تخدم مصالحها؛ وهذا ما أفرد له الكتاب خمسة فصول لبيانه.

ففي الفصل الرابع الذي جاء تحت عنوان: “البنية التحتية ومبادرة الحزام والطريق” لكاتبه مانويل بينارد (Manuel Benard)، أوضح هذا الأخير أهمية البنية التحتية بالنسبة لمبادرة الحزام والطريق التي تسعى الصين بها إلى ربط مناطق جغرافية مختلفة بنسيج بنية تحتية متكامل ومتنوع يضمن تحقيق منافع اقتصادية واجتماعية مستدامة لجميع الدول التي يعبرها المشروع.

وتشير، في هذا الصدد، التقديرات التي أوردها الكاتب إلى أن الصين رصدت بين عامي 2016 و2017 لتطوير مشروعات البنية التحتية في بلدان جنوب شرق آسيا، وأفريقيا، وأوروبا الشرقية البالغ عددها 80 بلدًا موازنة تجاوزت 320 مليار دولار في بلدان يبلغ عدد سكانها نصف سكان العالم، وتساهم بربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي[1].

وتناول هذا الفصل أيضًا الأمور والقضايا التجارية الخلافية التي تشكل عقبة أمام تحقيق مخرجات برامج ومشروعات البنية التحتية الأمر الذي تنبهت إليه الصين وعملت من أجله على إرساء مؤسسات ذات طابع دولي لحل هذه النزاعات ما يعكس رغبتها في وضع قواعد مؤسسات دولية تعكس مصالحها وتعيد تشكيل توازنات علاقاتها الدولية.

ويلقي الفصل الخامس بعنوان: “منطقة الخليج الكبرى ودور منطقة هونغ كونغ وماكاو في مبادرة الحزام والطريق”، الذي كتبه كل من ستيفن هونغ (Steven Hung) وجون بيرلي، الضوء على الجانب العملي لإنجاز هذه المبادرة ويناقش أهمية دور منطقة الخليج الكبرى وتطويرها وفق منظور جديد، ومنطلقات اقتصادية عالمية تعزز دورها ضمن نطاق مبادرة الحزام والطريق.

ويشير هذا الفصل إلى أهمية خطط تطوير منطقة الخليج الكبرى التي تربط هذه المنطقة بأطول جسر بحري في العالم. كما يؤكد على ضرورة تضافر جهود السلطات المحلية لكل من مقاطعة غوانغدونغ – خاصة غوانزو – وهونغ كونغ وماكاو على الرغم من اختلاف أنظمتها القانونية لضمان نجاح مشروع تطوير منطقة الخليج الكبرى.

وتنبع أهمية تطوير منطقة الخليج الكبرى بالنسبة لمبادرة الحزام والطريق، في سياقها المرتبط بمنطقة هونغ كونغ وماكاو، من كونها تتمتع بمساحتها الجغرافية الشاسعة وكثافتها السكانية العالية التي تشمل سكان كل من غوانزو، ومدن مقاطعة غوانغدونغ التسع، ومنطقتين إداريتين خاصتين (SARs)، ومنطقتين اقتصاديتين خاصتين (SEZs).

ويُتابع الفصل السادس بعنوان “تطوير الصين للسلع والخدمات في جزر بحر الصين الجنوبي” لكاتبه تشانغ مينغ-ليانغ (Zhang Mingliang) بيان الاحتياجات التطويرية الخاصة بالبنى التحتية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، ويلقي الضوء بصورة خاصة على جزر بحر الصين الجنوبي وطموح الصين إلى تعزيز موقعها فيها بتوفير خدمات ملاحية متكاملة تغطي خدمات البحث والإنقاذ البحري، والسلامة الملاحية، وعلوم المحيطات والبحوث المرتبطة بها وغيرها من الخدمات الأخرى التي تعاني جزر بحر الصين الجنوبي من نقصٍ فيها.

ويناقش هذا الفصل التوجه الصيني في هذه المنطقة بغرض بيان شيئين مهمين أولهما جهود الصين الرامية إلى دعم مشروعات البنية التحتية التي تخدم مبادرة الحزام والطريق، وثانيهما – وربما الأهم – سعيها إلى امتلاك قدرة على التحكم أكثر في النزاعات الحدودية في هذه المنطقة والتي تشكل أو قد تشكل عائقًا محتملا أمام اكتمال إنجاز مشروع الصين الطموح.

ويتابع الكتاب في الفصلين السابع والثامن وإلقاء الضوء على ردود الأفعال والتفاعلات المختلفة المترتبة عن الاحتياجات التطويرية لمبادرة الحزام والطريق، حيث يناقش الفصل السابع الذي جاء تحت عنوان: “عولمة الصين ومشروع الحزام والطريق: حالة إندونيسيا وماليزيا “، لكاتبه جيفري جان (Geoffrey C. Gunn) أهمية موقع محور إندونيسيا وماليزيا الواقعين بين البر الرئيسي ومنطقة جنوب شرق آسيا البحرية؛ ويُبرز هذا الفصل أهمية تطور مستويات العلاقات الاقتصادية والإستراتيجية بين هذه الدول منذ ثمانينيات القرن الماضي.

 ويلاحظ الكاتب هنا أهمية تطورات العلاقات الاقتصادية بين الصين ومحور إندونيسيا وماليزيا حتى قبل الإعلان عن مبادرة الحزام والطريق، إذ أنها شهدت تطورًا مطردًا؛ ففي عام 2010 وقعت إندونيسيا مع الصين أكثر من 20 اتفاقية تعاون غطت مجالات البنية التحية، وصناعة الحديد، والزراعة، والتقنيات المتطورة، والصناعات المبتكرة، وحماية الملكية الثقافة.

كما عرف حجم المبادلات التجارية بينهما تطورًا لافتًا إذ قفز من نحو 1.80 مليار دولار عام 1990 إلى نحو 31.5 مليار دولار عام 2008. وقد تعززت علاقاتهما أيضا عام 2018 بتوقيع خمس عقود بقيمة 23.3 مليار دولار غطت عددًا من مشاريع البنية التحتية من بينها محطات لتوليد الطاقة الكهرومائية بقيمة 20 مليار دولار، ومشروع مصنع للحديد بقيمة 1.2 مليار دولار.

كما عرفت العلاقات بين الصين وماليزيا تطورات مهمة أبرزها تصدر الصين لقائمة الدول التي توفر استثمارات خارجية مباشرة في ماليزيا التي تحتل بدورها المرتبة الرابعة كأكبر مستثمر خارجي في الصين؛ ومن خلال هذه العلاقات التجارية/الاستثمارية المتميزة بين البلدين أصبحت ماليزيا مُلتَزمَة بنحو 10 مليار دولار من حجم الاستثمارات الكبرى المرتبطة بمشروع الحزام والطريق[2].

ويحاول هذا الفصل، عمومًا، بيان نظرة محور إندونيسيا وماليزيا لمبادرة الحزام والطريق التي لا ينظران إليها باعتبارها تشكل تهديدًا، بل على العكس من ذلك يعتبرانها فرصة للعمل المشترك مع الصين وخصوصا على مستوى تطوير البنية التحتية فيهما وتعزيز حجم الاستثمارات والمبادلات التجارية.

أما الفصل الثامن لكاتبيه بيتر مورفي (Peter Murphy) وجون بيرلي، والذي جاء بعنوان: “تيمور – ليشتي ومعاهدة أستراليا في شأن الحدود البحرية وآثارها على مبادرة الحزام والطريق”، فينظر إلى مبادرة الحزام والطريق من زاوية أخرى باعتبارها آلية يمكنها الإسهام بشكل أو بآخر في حل النزاعات. كما يلقي الضوء على قدرة الصين على الاضطلاع بدور مباشر في قطاع النفط والغاز في تيمور – ليشتي وخصوصا في ما يتعلق ببناء خط الأنابيب، ومحطة لإنتاج الغاز المسال، ومحطة لتوليد الطاقة.

وتفصيلا تناول هذا الفصل دور الصين غير المباشر في قضية النزاع على الحدود البحرية بين كل من دولة تيمور – ليشتي الديمقراطية وأستراليا التي تم حلها بعد توقيع طرفاها على اتفاقية بتاريخ 8 مارس 2018 في نيويورك تم بمقتضاها ترسيم الحدود البحرية بينهما، غير أن توصل الدولتين إلى اتفاق حول حدودهما البحرية لم يمكنها من التوصل إلى اتفاق حول السبيل الأمثل الذي يمكنهما من تحديد الكيفية التي تُمكنهما من العمل على تطوير حقول غاز غريتر سان رايز Greater Sunrise، وبناء محطة تيمورية لإنتاج الغاز المسال.

ويحاول الكاتبان في هذا الفصل بيان مدى قدرة الصين على حل النزاع بين دولة تيمور – ليشتي الديمقراطية وأستراليا من خلال مشروع مبادرة الحزام والطريق التي يمكن أن تقرب وجهات النظر بين البلدين من خلال مقاربة استثمارية وتشاركية تمكن كل الأطراف من تحقيق قيمة مضافة تساعدها على بلوغ أهدافها التنموية وفق منطق رابح – رابح.

مبادرة الحزام والطريق والعلاقات الصينية – الأفريقية

سعت الصين دائمًا ضمن خططها الطموحة في مبادرة الحزام والطريق إلى تعميق علاقاتها متعددة الأبعاد ليس فقط مع محيطها الحيوي، بل وحتى مع محيطها الإقليمي غير المباشر من منطلقات تسعى إلى تحقيق المنافع المتبادلة، ومن الأمثلة على ذلك جهود بكين لتطوير علاقاتها مع القارة السمراء؛ هذه العلاقات التي ألقى عليها الكتاب الضوء من خلال تخصيص فصلين كاملين لها.

أولهما الفصل التاسع لكاتبه ريموند كون سون لاو (Raymond Kwun-Sun Lau) تحت عنوان: “العلاقات الأفريقية الصينية في سياق مبادرة الحزام والطريق: تحقيق الأحلام الصينية – الأفريقية للتنمية المشتركة؟” الذي تناول دور أفريقيا في مبادرة الحزام والطريق. معتبراً أن ما يحرك سياسة الصين تجاه إفريقيا في عهد الرئيس شي جين بينغ هو ثقة بكين وإيمانها بقدرتها على تقديم نموذج صيني للتنمية الاقتصادية كبديل للنموذج الغربي في القارة السمراء.

ويلقي هذا الفصل الضوء على ضرورة فهم أن ما تبذله بكين من مجهودات تصب في اتجاه الترويج لمبادرة الحزام والطريق في أفريقيا. كما يجب فهمها في سياق جهودها الرامية إلى إضفاء الطابع المؤسسي والرسمي على علاقاتها مع أفريقيا، والذي جاء تجسيده الفعلي والعملي مع “منتدى التعاون الصيني-الأفريقي” (FOCAC) عام 2000.

كما يُبرز هذا الفصل الأهمية التي تضطلع بها أفريقيا وعلى وجه الخصوص على مستوى تحديد خريطة طريق تطوير البنية التحتية الخاصة بمبادرة الحزام والطريق ورؤية الرئيس شي جين بينغ للتنمية العالمية.

ويتابع الكتاب في الفصل العاشر لكاتبه لي كي (Li Ke) تحت عنوان: “تقاطعات ثقافية صينية-أفريقية حول حل الخلافات المتصلة بمبادرة الحزام والطريق: التحديات والمخاطر التي تواجه المستثمرين الصينيين” إلقاء الضوء على مستقبل تطور هذه العلاقات من منظور منهجية حل الخلافات التي تدور في فلك إنجاز مشروع الصين الطموح.

ويبرز  هذا الفصل مستوى إدراك الصين للأهمية التي يكتسيها حل خلافاتها مع أفريقيا، غير أنها في الوقت نفسه لم ترق (أي الصين) بعد إلى المستوى الذي يجعلها تقبل بالتحكيم الدولي، باعتبار أن التحكيم وعلى خلاف التفاوض والوساطة يتبعه قرار ملزِم، عادة على أساس القوانين الدولية.

ومع هذا فإن إمكانية اللجوء إلى اعتماد أسلوب الوساطة يظل واردًا كوسيلة قابلة للتطبيق لحل الخلافات التجارية طالما استمر تأثير الثقافة والتقاليد قويًا في المجتمع الصيني وممارساته التجارية في مقابل القوى أو الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة التي تستخدم بشكل عام أجندة جامدة؛ فصين القرن 21 الحديثة ليست “استعمارية”، وتفضل القوة الناعمة على حد تعبير الكاتب.

ويُلخص الكتاب في الفصل الحادي عشر والأخير لكاتبه جون بيرلي تحت عنوان “خاتمة” الأفكار الرئيسية التي تم تناولها، والتي تمحورت حول مبادرة الحزام والطريق، وهي:

    اعتبار المبادرة خريطة طريق لعولمة من نوع آخر.

    استعراض التوقعات والمخاطر والفرص التي تطرحها هذه المبادرة.

    إلقاء الضوء على أهمية عمليات تطوير البنية التحتية ومشروعاتها.

    استعراض الاستجابات الإقليمية المختلفة في آسيا وأفريقيا ومواقفها تجاه المبادرة.

خلاصات

سعى كتاب: “العولمة الصينية ومبادرة الحزام والطريق” بشكل رئيس إلى إلقاء الضوء على الإمكانيات التي تنطوي عليها مبادرة الحزام والطريق الصينية باعتبارها نموذجًا للتنمية الاقتصادية الشاملة والمتكاملة يمكن استخدامها كبديل للنموذج الغربي، مع بيان أن الصين لا يمكنها المضي قدما في إنجاح تنفيذ هذه المبادرة إلا من خلال حل جميع المشكلات الخلافية بينها وبين الدول التي يمر منها المشروع.

كما حاول الكتاب المقارنة بين العولمة الغربية والعولمة بمعناها الصيني، ويذهب في هذا الصدد إلى اقتراح أن كلا النموذجين ينطويان على مخاطر مُعينة؛ غير أنه في جانب من جوانبه يركز أكثر، وبشكل ضمني على استدامة النموذج الصيني باعتباره عمليًا، ولا يذهب إلى طرح مقارنة النموذجين من منطلق اعتبار الأول عولمة رأسمالية والثاني عولمة اشتراكية.

جانب آخر ألقى الكتاب عليه الضوء يرتبط بموضوع المرونة الصينية ودورها المهم في ضمان تطوير مشروع مبادرة الحزام والطريق، وأبرز أن هذه المرونة من شأنها أن تضمن تسوية جميع القضايا والخلافات التي قد تقف في طريق إنجاز هذا المشروع، وشأنها في هذا شأن الأهمية التي يكتسيها التحكيم والتفاوض باعتبارهما ضروريان لضمان نجاح المبادرة ككل.

كما يؤكد الكتاب إمكانية توظيف هذه المبادرة كآلية لحل خلافات ونزاعات الصين شريطة تبنيها ممارسة تتسم بالشفافية في علاقاتها الثنائية؛ وسيمكن هذا النهج الصين من لعب أدوار تسهم بها في الدفع بعجلة التنمية الاقتصادية الشاملة والمتكاملة على غرار  ما تمكنت من القيام به من خلال المشروعات التنموية وآثارها الإيجابية في دول آسيان وأفريقيا.

موضوع آخر تواتر في الكتاب ارتبط بدور تطوير البنية التحتية الخاصة بهذه المبادرة والتحديات التي تواجه الدول المعنية به والصين؛ وما تحظى به هذه المبادرة من شعبية بين البلدان النامية في أفريقيا وآسيا؛ إذ تنظر إليها هذه الدول باعتبارها رافعة تنموية يمكنها أن تمكن بلدان المنطقة من سد فجوة النقص في البنية التحتية وتعزز نموها الاقتصادي.

وتُفسر أهمية مشروعات البنية التحتية التي تنطوي عليها مبادرة الحزام والطريق انخراط البلدان الأفريقية فيها بهدف تحقيق التنمية والتخفيف من حدة فقرها. وقد خصص الكتاب في هذا الصدد حيزًا كبيرا تحدث فيه عن العلاقات الصينية – الأفريقية وخلص من خلاله إلى ضرورة تضافر جهود الجميع من أجل تحقيق أهداف النمو المشترك والمستدام في العالم.

[1] تشير التقديرات إلى أن الصين بحاجة إلى موازنة تقدر بأكثر من تريليون دولار أميركي لاستكمال إنجاز مبادرة الحزام والطريق (كتاب “العولمة الصينية ومبادرة الحزام والطريق” – ص 58 – الفقرة الثانية). [2] تشمل الالتزامات الماليزية-الصين تجاه مبادرة الحزام والطريق إنجاز مشروع خط السكة الحديدية على الساحل الشرقي البالغ طوله 688 كلم بقيمة 80 مليار دولار  .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube