https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

سامي عمارة كاتب وصحافي

عادت التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأميركي جو بايدن لقناة “أي بي سي” الأميركية وتضمنت كثيراً من الإساءة إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، ومثلها إلى الزعيم الصيني شي جين بينغ، لتضفي الكثير من الإثارة على العلاقات الروسية- الصينية، وما يتعلق بماضيها وحاضرها ومستقبلها، إلى جانب ما قد يجعل الولايات المتحدة قاسماً مشتركاً في علاقات البلدين روسيا والصين من جانب، وعلاقاتها مع كل منهما على حدة من جانب آخر.

وإذا كانت الإدارات الأميركية المتعاقبة جعلت الصين هي العدو الأكبر والحلم المؤجل، فإن ما أعلنه جو بايدن وسلفاه باراك أوباما ودونالد ترمب من تصريحات بهذا الصدد، يبدو اليوم أكثر إثارة من ذي قبل، على ضوء ما نشهده من تقارب وشراكة استراتيجية بين الجارين الآسيوي أي الصين، وروسيا الاتحادية بشقيها الأوروبي والآسيوي، في الوقت الذي يرتبطان فيه بالكثير من أواصر تنظيمية تتمثل في عضويتهما المشتركة في العديد من التنظيمات الدولية والإقليمية ومنها “منظمة بلدان مجموعة شنغهاي” ومنظمة “بريكس”.

وقد جاءت الزيارة الأخيرة التي قام بها سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي لبكين ومباحثاته مع نظيره الصيني وانغ يي، في أعقاب مباحثات ألاسكا التي أجريت بين الجانبين الصيني والأميركي بموجب آلية “2+2″، لتقول إن كلاً من بكين وموسكو تعيان جيداً ما يتهددهما من أخطار، بما يدفعهما إلى المزيد من التنسيق في مواجهة ما يحيق بهما من مكائد ليست بخافية عليهما. وكانت صحيفة “غلوبال تايمز” الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني استبقت زيارة الوزير الروسي، بمقال قالت فيه “إن الولايات المتحدة تريد تغيير الأنظمة في الصين وروسيا من خلال الثورات الملونة. لذلك، يحتاج كلا البلدين إلى العمل معاً لمحاربة الهيمنة الأميركية وإحداث تحول عادل في النظام السياسي الدولي”.

وفي المقابل نقلت صحيفة “نيزافيسيمايا جازيتا” الروسية ما قاله أليكسي ماسلوف القائم بأعمال مدير معهد دراسات الشرق الأقصى التابع لأكاديمية العلوم الروسية، حول أن “خطط وزارتي خارجية البلدين (روسيا والصين) تتضمن مواضيع للتشاور، ومنها التعاون في التغلب على عواقب الوباء، والتفاعل من أجل استعادة الاقتصاد العالمي. لكن مسألة جديدة طفت على السطح. اقتنعت الصين بأن سياسات بايدن ستكون أكثر صرامة من سياسات ترمب، وأن الصين كانت تأمل في أن يتصرف بايدن بشكل أكثر عقلانية من ترمب. لكن هذه الأوهام لم تتحقق”.

التكتيك والاستراتيجية

وفي هذا الصدد، فإن الاتهامات الموجهة للولايات المتحدة بأنها مع شركائها في الناتو والاتحاد الأوروبي تسعى لتدبير “ثورات ملونة” لتغيير الأنظمة، لم تكن بعيدة عن دائرة رؤى البلدين بطبيعة الحال، على ضوء ما قام ويقوم به الرئيس بايدن من اتصالات مع قيادات اليابان وأستراليا والهند، إلى جانب زيارات واتصالات وزير الخارجية الأميركي الجديد أنطوني بلينكن مع بلدان الاتحاد الأوروبي والناتو.

ولعل التاريخ سواء القريب منه أو البعيد، وما يتعلق منه بعلاقات موسكو وبكين، يحمل بين طياته الكثير من الدروس والعبر التي تظل ماثلة أمام أنظار قيادتي البلدين، بكل ما تضمنه من عثرات وكبوات، يبدو واضحاً حرص العاصمتين على تدارك ما فيه من سلبيات، والبناء على ما شمله من إيجابيات.

وإذا كان هناك من يحار أمام طبيعة العلاقة الحالية بين روسيا والصين، ومدى اعتبارها علاقات شراكة استراتيجية، أم أنها يمكن أن تميل إلى التكتيك أكثر، فإن هناك ما يشير إلى أن طبيعة هذه العلاقة تتراوح بين التكتيك والاستراتيجية، في الوقت الذي لا أحد يمكن أن يستبعد مدى واحتمالات تطور علاقات البلدين في أي من الاتجاهين، لأسباب لا تتوقف فقط على طبيعة المصالح، بل وأيضاً على مدى احتمالات استمرار كل من الزعيمين الحاليين في موقعيهما، وهما اللذان استهلا فترتي حكمهما بالعمل على تصفية رواسب الماضي والتوجه إلى المستقبل في إطار علاقات مغايرة عن ذي قبل.

بدايات شيوعية

وبعيداً من الغوص في الماضي السحيق، وقريباً من الماضي الحديث، يتوقف المراقبون عند بدايات التقارب مع أولى لحظات انتصارات الشيوعيين الصينيين، والإعلان عن قيام الصين الشعبية في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1949 التي كان الاتحاد السوفياتي أول من اعترف بها. ولم يمض من الزمن سوى أشهر معدودات حتى عقد البلدان “معاهدة الصداقة والتعاون” التي حددا مدة فعاليتها بثلاثين عاماً، وإن لم تصمد في سنواتها الأولى أمام الخلافات التي نشبت بين الجانبين لأسباب عقائدية من جانب، وجيوسياسية من جانب آخر، على رغم أن البدايات كانت تبشر بخير كثير، ومنه ما نصت عليه الكثير من الاتفاقيات الثنائية التي جرى توقيعها وحددت ملامح التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي بين البلدين.

وكان الاتحاد السوفياتي أسهم بموجب تلك الاتفاقيات في دعم قيام قاعدة صناعية متميزة سرعان ما وضعت أسس قيام صناعات عسكرية استندت الصين إليها ولا تزال، في ما حققته من طفرة تكنولوجية قامت لاحقاً بتطويرها لتحصد ثمارها على مدى عقود طويلة، بما في ذلك في مجال الفضاء والطاقة النووية. غير أن ما نشب بين قيادتي البلدين من خلافات عقائدية اتسمت بالكثير من الحدة في أعقاب وفاة الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، وانقلاب رفاقه عليه وإعلان “الثورة على عبادة الفرد”، كانت مقدمة لسنوات عجاف شهدت خلالها علاقات البلدين الكثير من الصدامات الفكرية، بل والعسكرية كما حدث في عام 1969. وكان ذلك بسبب خلافات حول الحدود في منطقة جزيرة دامانسكي.

الاتفاق والخلاف

ويذكر مراقبون روس أن الدوائر الأميركية كانت وراء تغذية الصراعات والشقاق بين البلدين في ذلك الحين. وبهذا الصدد كتبت سفيتلانا غومزيكوفا في “سفوبودنايا بريسا”، تقول إن موسكو لا تستبعد احتمالات عودة الولايات المتحدة إلى محاولات مماثلة قد تستند فيها إلى ما يتردد بين الفينة والأخرى حول “منافسة” حتى لا نقول “صراع غير معلن”، بين القطبين الآسيويين “من أجل الهيمنة في آسيا الوسطى أو في مجال استخراج الثروات الطبيعية في مناطق القطب الشمالي”. غير أن ما نشهده اليوم من علاقات واتصالات يقول بصعوبة ذلك، وهو ما أكده ليونيد كروتاكوف الخبير في شؤون العلاقات الروسية- الصينية، الذي قال باستحالة مثل تلك الصراعات في ظل “الهيكل الحالي للسلطة في روسيا”.

وعزا ذلك إلى أن قيادات البلدين روسيا والصين تدرك جيداً مآرب الولايات المتحدة وما تستهدفه من عقوبات ضد كل من البلدين، إلى جانب محاولاتها الانفراد بالقرار الدولي من دون أي حساب لمصالح أي من هذين البلدين. وقال إن “هذا هو ما تدركه موسكو وبكين بوضوح. ولذلك، ربطتا استراتيجياً، برامجهما الأمنية والاقتصادية وبرامج الطاقة”.

غير أن هناك في موسكو أيضاً من يظل يتذكر ما احتدم من خلافات عقائدية بين البلدين تزايدت وتيرتها بعد وفاة ستالين، وهي الخلافات التي حاولت الولايات المتحدة اللعب على أوتارها. وفي هذا الصدد يعيد المراقبون إلى الأذهان زيارة الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف إلى بكين على رأس وفد حزبي كبير للمشاركة في الذكرى الخامسة لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، وهي الزيارة التي جرى خلالها توقيع عدد من الاتفاقيات، التي ثمة من قال إن بعضها لم يكن “يتفق” كثيراً مع المصالح السوفياتية، ومنها ما كان يتعلق “بما حصلت عليه الصين من امتيازات في مجال المشروعات المشتركة لاستخراج المعادن غير الحديدية والنادرة، والتنقيب عن النفط، وبناء وإصلاح السفن، وتنظيم وتشغيل الطيران المدني، إلى جانب انسحاب الوحدات العسكرية السوفياتية من القاعدة البحرية الصينية المشتركة في مدينة بورت آرثر ونقل تبعية هذه القاعدة بالكامل إلى جمهورية الصين الشعبية”.

لكن ذلك لم يكن مؤثراً بالقدر الذي احتدم فيه الصراع الحزبي وما كالته الصين من اتهامات إلى القيادة السوفياتية بالتحريفية والتراجع عن المعتقدات الماركسية اللينينية، ورفض وإدانة الجانب الصيني لما أعلنه المؤتمر العشرون حول “إدانة عبادة الفرد”. وكان ماوتسي تونغ أعلن ذلك صراحة في موسكو في مؤتمر ممثلي العمال والأحزاب الشيوعية 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 1957، في الذكرى الأربعين لثورة أكتوبر الاشتراكية، حين اتهم القيادة الحزبية السوفياتية بالسير في ركاب الغرب تحت شعار “التعايش السلمي” الذي قال إنه لا يتفق مع النظرية اللينينية.

شراكة كاملة

ومن ذلك الماضي الذي يظل ماثلاً أمام أذهان الكثيرين من رموز الحاضر، تستمد قيادات البلدين روسيا الاتحادية والصين الشعبية ما تريد أن يكون أساساً لعلاقات مستقبلية حديثة تصفها هذه القيادات بأنها “علاقات شراكة شاملة وتفاعل استراتيجي تنعكس مبادئها الأساسية واتجاهات التنمية في معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بين الاتحاد الروسي وجمهورية الصين الشعبية بتاريخ 16 يوليو (تموز) 2001”. وتقول وثائق وزارة الخارجية الروسية إن “تعميق العلاقات مع الصين من أولويات السياسة الخارجية الروسية”، وأنها “ذات طبيعة مستقرة وطويلة الأمد، تلبي مهام تعزيز علاقات حسن الجوار وضمان تنمية كلا البلدين”.

وتؤكد الخارجية الروسية أن هذه العلاقات “تستند في مجملها إلى أكثر من 300 معاهدة واتفاقية حكومية في شتى مجالات التعاون تقريباً”، ومنها التعاون في مجالات الفضاء والطاقة والتجارة والاقتصاد إلى جانب التعاون العسكري والتنسيق في الساحتين الإقليمية والدولية. وبهذا الصدد نشير إلى أن الرئيس بوتين كان بادر بتصحيح الكثير من سياسات أسلافه في الكرملين، حين استهل فترة ولايته الأولى في مطلع القرن الحادي والعشرين بتسوية الكثير من مشكلات الحدود العالقة بين البلدين لعقود طويلة، انطلاقاً من أسس ثمة من يقول إنها أعلت المصالح المشتركة، ومراعاة متطلبات الواقع الراهن، وإن اعتبرها البعض في عدد من جوانبها ونصوصها، تنازلاً من جانب بوتين عن أراضٍ اعتبرها أسلافه من حق الاتحاد السوفياتي السابق، أمراً ينال من حقوق روسيا التاريخية. وكان بوتين أعلن آنذاك أن ما توصل إليه من اتفاقيات تتسق ومستقبل العلاقات بين البلدين ومواجهتهما المشتركة لعالم “القطب الواحد”، ما عاد وأودعه خطابه الشهير في مؤتمر الأمن الأوروبي في فبراير (شباط) 2007، الذي أعلن فيه رفض بلاده لانفراد قوة بعينها بالقرار الدولي. ومن المرتقب ان يُقْدِم البلدان على تجديد معاهدة الصداقة والتعاون بين البلدين التي تنتهي في عام 2021، والتي تستند إلى ما سبق ووقعاه من معاهدات، فضلاً عن “مراعاة تطوير الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومبادرة “الحزام والطريق”، إلى جانب كونها فرصة لتأكيد استعداد موسكو وبكين للعمل كضامنين للأمن الإقليمي، وبناء بنية أمنية جديدة لبلدان منطقة آسيا والمحيط الهادي في مواجهة “نظام المحاور الذي تمارسه الولايات المتحدة”، على حد التعبير الذي تجتمع على تبنيه معظم وسائل الإعلام الروسية والصينية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube