https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

العلاقـات الصينيـة الاسرائيـليـة:
الحسابات الباردة

تأليف : محمد خير الوادي :
صدر الكتاب عن دار نشر الفارابي – بيروت عام 2010

-2-
التسلل عبر الثغرة العسكرية

تقدم العلاقات الصينية الاسرائيلية الدليل الملموس على البراغماتية وإحلال مبدأ المصالح مكان العقائد في السياسة الصينية منذ نهاية سبعينات القرن الماضي. فمنذ أن بدأت بكين في تطبيق سياسة الانفتاح على الخارج والإصلاح في الداخل أواخر سبعينات القرن العشرين، تراجع التشدد الإيديولوجي الذي ميز عهد الرئيس ماو، وأعيد توجيه السياسة الخارجية الصينية نحو الغرب للاستفادة من تقدمه ورؤوس أمواله للنهوض بالاقتصاد الصيني ، الذي أنهكته تجارب ماو ابتداء من القفزة العظمى مرورا بالكمونات وانتهاء بالثورة الثقافية الكبرى ،التي هزت الصين على امتداد عقد من الزمان .وبان واحد، خف الحماس الصيني نحو الدول النامية وتراجعت رغبة بكين في تبني قضايا العالم الثالث . وبات شعار المرحلة الجديدة الذي أطلقه دينغ شياو بينغ هو : ليس المهم اللون السياسي للشريك الأجنبي ، المهم أن يقدم شيئا ملموسا للصين.
و في هذا الجو المتحول ، بدأت إسرائيل أولى خطواتها العملية لتحقيق حلمها القديم، وهو العثور على ثغرة في جدار الصين والتسلل عبرها. ولا بد من القول إن التطورات السياسية التي حصلت نهاية السبعينات في القرن الماضي ،وفرت لإسرائيل أكثر من ثغرة.فسياسة الإصلاح والانفتاح التي جئنا على ذكرها للتو، فتحت الباب على مصراعيه أمام تحسن العلاقات الصينية الأمريكية . وللدقة نقول ، إن الجليد الذي جٌمد العلاقات بين بكين وواشنطن منذ قيام الصين الشعبية عام 1949، بدأ بالذوبان في السنوات الأخيرة من حكم ماو، وتحديدا مع الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى بكين عام 972 ،والتي انتهت بنتيجتين: أولاهما تصفية الخلافات حول تايوان من خلال توقيع ا بيان شنغهاي والتي تمسكت بموجبه واشنطن بسياسة الصين الواحدة ، أي أن تايوان هي جزء من الصين وتتعهد بعدم تشجيع النزعات الانفصالية في الجزيرة المتمردة وعدم تقديم أسلحة متطورة لها. والثانية، تعزيز التحالف الصيني الأمريكي ضد الاتحاد السوفيتي آنذاك. وبذلك زال من أمام اسرائيل اكبر عائق اعترض بناء علاقات متطورة مع الصين ،وهو الرفض الأمريكي المستمر لبناء أية جسور بين الصين وإسرائيل.ثم إن النهج الجديد الذي قاده دينغ شياو بينغ والقائم على نزع صفة العدو عن الغرب ، غير النظرة التقليدية الصينية لإسرائيل والتي كانت تعتبرها بكين رأس حربة للامبريالية في الشرق الأوسط.وهكذا تم إيجاد أول عنصر للتقارب الصيني الإسرائيلي ، وهو تحسن العلاقات مع الغرب عامة ومع أمريكا والدول السائرة في فلكها، وإسرائيل في طليعة هذه الدول. والعنصر المشترك الثاني الذي خدم التقرب الإسرائيلي مع الصين، تمثل في العداء الصيني الإسرائيلي المشترك لسياسة الاتحاد السوفيتي.لقد أدى تدهور العلاقات الصينية السوفيتية المستمر منذ ستينات القرن الماضي ،إلى اشتعال الصراع بين الدولتين الشيوعيتين عمليا على كل الجبهات وفي كل المناطق ، بما في ذلك الشرق الأوسط ،الذي كانت موسكو تتمتع فيه بنفوذ قوي. وقد أدركت بكين إن احد أهم الوظائف التي أوكلت لإسرائيل، كانت مكافحة المد السوفيتي وإضعاف علاقات موسكو مع الدول العربية. وفي هذا المجال التقت المصالح الصينية مع اسرائيل ، حيث رأت بكين في الكيان الإسرائيلي حليفا محتملا لإضعاف الاتحاد السوفيتي ،الذي كان غارقا آنذاك في المستنقع الأفغاني.
لكن عناصر التقارب هذه كلها كانت معنوية ونظرية ، وبقيت كذلك إلى أن حدث تطور قلب كل المعادلات النظرية في العلاقات بين الصين وإسرائيل، واقصد بذلك الصدامات العسكرية الواسعة التي جرت بين فيتنام والصين في سنة 1978، حيث تدهورت العلاقات بين الجارين الشيوعيين والحليفين السابقين بسبب اتهامات كالتها الحكومة الصينية لجارتها الجنوبية ، باضطهاد مواطنين من أصل صيني يعيشون في فيتنام. وكان وراء هذه الاتهامات غضب صيني من تنامي النفوذ السوفيتي في فيتنام ورغبة دفينة وقديمة في إجراء تغييرات على الحدود المشتركة. وسرعان ما نشبت بين الدولتين معارك شرسة، واحتلت القوات الصينية عددا من القرى والمواقع الفيتنامية .ولم تكن حالة الجيش الصيني آنذاك على ما يرام. وفي بداية سنة 1979 وصلت المواجهة العسكرية بين الصين وفيتنام إلى ذروتها مكتسبةً أبعاد حرب حقيقية. و أرسلت الصين مئات الآلاف من جنودها وألف طائرة إلى المعارك مع الجيش الفيتنامي.صحيح أن الصين قد توغلت داخل فيتنام وبقيت قواتها هناك لمدة شهر تقريبا، لكن الصحيح أيضا أن الفيتناميين صمدوا والحقوا خسائر فادحة جدا بالقوات الصينية .لقد كشفت الصدامات مع الفيتناميين الخلل الكبير الذي يعاني منه الجيش الصيني، والمتمثل بتخلف الأسلحة والعتاد القتالي القديم أمام العتاد السوفيتي الحديث، الذي كان في حيازة الفيتناميين. وقد حثت نتائج الحرب القيادة الصينية على خلع أقفال المحرمات السابقة ، وفتح الأبواب الموصدة والاستعانة بأية جهات خارجية على إعادة تأهيل قواتها.وفي حقيقة الأمر ، فان نتائج الحرب مع الفيتناميين أدخلت تغييرا جوهريا على التفكير العسكري الصيني ودفعته للانتقال من نظرية الحرب الشعبية التي روج لها ماو ، إلى مبدأ تأسيس جيش عصري محترف ،مجهز باحث صنوف الأسلحة وأنظمة القيادة . وفي تلك اللحظة الحرجة من تاريخ الصين المعاصر ظهرت اسرائيل التي أبدت استعدادا للمساعدة. وليس من باب المصادفة إن نبدأ الحديث عن العلاقات الصينية الإسرائيلية من باب التعاون العسكري. فهذا التعاون كان الجسر التي عبرت عليه اسرائيل إلى الصين ، والباب الذي دخلت من خلاله مجالات التعاون الأخرى بين الجانبين.
ويبدو أن الطرفين قد اتفقا منذ البداية على إبقاء تفصيلات العلاقات العسكرية بينهما طي الكتمان. ولكل اسبابه. فالصين التي ارتبطت تاريخيا بعلاقات طيبة مع العرب وأيدت قضاياهم ، لاسيما القضية الفلسطينية ، لم ترغب في ان يؤثر تعاونها العسكري على صداقتها مع العرب . واسرائيل التي حصلت في البداية على ضوء اخضر امريكي للعلاقة مع الصين ، فضلت ابقاء تفصيلات الصفقات العسكرية الكبرى التي قدمتها للصين سرية ،وذلك خشية من إغضاب الحليف الامريكي الذي يمدها بكل اسباب الاستمرار. وهنا لابد من التوقف قليلا عند الموقف الامريكي ازاء التسليح الاسرائيلي للصين.فواشنطن لم تعارض في البداية عندما فاتحها الاسرائيليون برغبتهم في بيع اسلحة للصين ، وذلك لان الصفقات الاولى قد تركزت على تحديث الاسلحة السوفياتية القديمة الموجودة لدى الجيش الصيني ولم تتضمن تلك الصفقات اية تقنيات متقدمة يمكن ان تهدد الامن الامريكي او القوات الامريكية في منطقتي جنوب شرقي اسيا والمحيط الهندي. اضافة لذلك ، فان الاسلحة الصينية لم تستخدم ضد امريكا ، بل ضد اعدائها . ففي نهاية الستينات حدثت صدامات عسكرية واسعة بين الجشين الصيني والسوفياتي حول جزيرة دامانسك المتنازع عليها انذاك، وقبل ذلك بسنوات اندلعت حرب حقيقية على الحدود الصينية الهندية ( وكانت الهند انذاك لا تتوافق مع السياسة الامريكية) بالاضافة الى الصدامات التي وقعت على الحدود الصينية الفيتنامية . ومعروف ان فيتنام كانت من ألد أعداء الولايات المتحدة.
وحتى الان ، فان الصين لا تتحدث علنا عن تعاونها العسكري مع اسرائيل.ولهذا السبب فاننا سنتوجه الى المصادر الاسرائيلية التي نشرت بعض المعلومات اليسيرة عن العلاقات العسكرية مع الصين قبل فترة من الزمن . وبكين الرسمية لم تنف تلك المعلومات التي تضمنتها المصادر الاسرائيلية ، ثم انه باعتقادنا ، فان الاسرائيليين لن يختلقوا معلومات غير موجودة حول تعاونهم العسكري مع بكين ، وبذلك يغامروا بعلاقاتهم مع الصين .
وسنعرض لبداية التعاون العسكري بين الصين واسرائيل كما وردت في كتاب “اختراق سور الصين قصة العلاقات الدفاعية لـ اسرائيل مع الصين” لمؤلفه آمنون بارزيلاي المحرر الصحافي بجريدة “هآرتس” ”الإسرائيلية” والذي صدر في أوائل العام 1999. ورغم مرور نحو عقد من الزمان على نشر هذه المعلومات ، الا ان احدا من الصين او اسرائيل لم ينف هذه المعلومات . وحسب الكتاب، بدأت العلاقات الامنية بين الصين واسرائيل قبل عشرين عاما في 22 فبراير 1979 ، وفي الساعة الثامنة صباحا انطلقت طائرة بوينج 707 غير محددة الهوية من مسار جانبي في مطار بن جوريون ، ولم يمر “الاسرائيليون ” الثلاثون الذين حملتهم الطائرة بإجراءات التفتيش المعتادة. لقد كان مطلوبا ان تظل هويتم سرية، إذ جرى استبعاد كل ما يشير إلى “إسرائيل” ، كما منعوا من الافصاح للمقربين منهم ولأسرهم عن هدف رحلتهم. وطارت الطائرة باتجاه الشرق وكانت الطائرة لرجل الاعمال الاسرائيلي شاؤول آيزنبرج . وكان المسافرون على متنها أعضاء وفد وزارة الدفاعالاسرائيلية ، وكانت وجهة الرحلة الصين الشعبية. وفي مساء اليوم نفسه وصلت الطائرة الى بكين. لكن عملية الهبوط في المطار العسكري بضواحي العاصمة الصينية توقفت. فقد أورد برج المراقبة ان ظروفا جوية صعبة تسود العاصمة الصينية ،حيث وصلت فيها درجة الحرارة على الأرض 17 درجة تحت الصفر، وأدى الجليد الذي غطى المدرج إلى صعوبة إتمام عملية الهبوط. وعلى مدى ساعة كاملة حلقت الطائرة فوق المطار بعدها تلقت إذنا بالهبوط. وكانت مجموعة من الصينيين تنتظر عند عجلات الطائرة، صعد أحدهم وقدم نفسه كمندوب لإحدى شركات التصدير والاستيراد ، وقدم آيزنبرج بدوره له رئيس الوفد جبرائيل جيدور. واستقبل الصينيون “الاسرائيليين” بوجوه صارمة. وباختصار صدرت التوجيهات وتم ترجمتها، إذ توجه اعضاء الوفد إلى حافلتين بينما توجه رئيسا الوفدين إلى السيارتين السوداوين المنتظرتين باحد جوانب الطريق . وفي غضون ساعة واحدة ابتلع الظلام قافلة السيارات. وكما خرجوا سرا من “إسرائيل” دخلوا الصين سرا. ولم يمر اعضاء الوفد الإسرائيلي بأية وحدات تفتيش حدودية او جمركية ، اسرعت القافلة الصغيرة في طريقها الى العاصمة في سرعة بالغة باتجاه بيت الضيافة الرسمي للحكومة الصينية. وهكذا بدأت اولى خطوات العلاقات الدفاعية السرية بين الصين و “إسرائيل”. ويمضي الصحفي الاسرائيلي قائلا:
كانت هذه الزيارة حصيلة لجهد كبير بدأه آيزنبرج قبل ذلك بخمسة شهور ، ففي مطلع 1978 ، بادر رجل الاعمال الاسرائيلي آيزنبرج بالذهاب لمقابلة وزير الدفاع الاسرائيلي وايزمان في مكتبه ، واعلن هناك: “يمكنني ان افتح امام وزارة الدفاع الباب إلى الصين، وانني مستعد لوضع طائرتي الخاصة تحت تصرف”إسرائيل”. حدث ذلك بعد اكثر من عام على موت الزعيم الصيني ماوتسي تونج. وكانت الزعامة الجديدة برئاسة دينج سيانج بينج ، اكثر براجماتية ،وكانت مستعدة للحصول على استثمارات وتقنية متقدمة من دول كانت تعتبر حتى ذلك الحين في مصاف الاعداء. كانت لآيزنبرج آنذاك علاقات عمل متعددة في معظم دول شرق آسيا، و كانت غالبية أعماله في تايوان و لم يهتم بالصين. وقد اسفر التقارب بين الولايات المتحدة والصين في السبعينات، ليس عن تغيير الخريطة السياسية فحسب ، بل ايضا الخريطة الاقتصادية . وقبل موت ماو تعرف آيزنبرج على فرص الاستثمار الجديدة في الصين ، ولكي يتغلب على معوقات التقارب (لم تكن شركات الطيران الغربية تطير الى الصين بعد) اشترى في النمسا عام 1975، طائرة بوينج 707، وقامت فرقة الصيانة بالصناعات الجوية بتحويلها الى طائرة ادارية فاخرة.
  طلب وزير الدفاع وايزمان من بيجن- رئيس الوزراء عقد اجتماع لمجلس الوزراء المصغر، الذي ضم ايضا وزير الخارجية موشيه ديان . وجرى الاجتماع بعد عدة ايام من لقاء وايزمان وآيزنبرج. وعرض وزير الدفاع ما قاله آيزنبرج من ان حكومة الصين الشعبية ، مهتمة باقامة علاقات أمنية مع “إسرائيل” . وكان وايزمان متحمسا، وقد روى لمقربيه انه منذ الخمسينات يتذكر ما قاله دافيد بن جوريون في اجتماع كبار ضباط الجيش الاسرائيلي عن “اهمية قيام علاقات بين الشعبين العريقين في التاريخ الانساني، الشعب اليهودي والشعب الصيني ثقافيا واقتصادياً ، وبأن هذا الحلم قريب التحقق.
وقبل ذلك بسبعة اشهر، وتحديدا في 18 مايو 1978 – كما يروي الكتاب – كان   بيجن قد فاجأ الجميع بحديثه عن الانفتاح على الصين ، لدى زيارته لشركة الصناعات الجوية في اللد. وكان في صحبته ايضا وزير الدفاع عزرا وايزمان ونائبه موردخاي تسبوري والقادة العسكريون، العميد افرايم بوران والعقيد آيلان تهيلا. وفي حجرة الطعام بمبنى الادارة ،التقى بيجن ورفاقه بمدير عام شركة الصناعات الجوية جبرائيل جيدور ورئيس مجلس الادارة اسرائيل سحروف . واستعرض جيدور أمام الضيوف إنجازات الشركة واختراق منتجاتها لأكثر من اربعين دولة. استمع بيجن باهتمام ثم علق قائلا: “سيد جيدور” ما قلته رائع، والنتائج التي حققتها باهرة ومؤثرة ولكن لو كنت تستطيع ادخال الصناعة الجوية الاسرائيلية إلى الصين”.
   وعمت الدهشة اعضاء الادارة المصغرة للصناعات الجوية . فالصين كانت حتى الان – تعتبر خارج نطاق الحسابات “الإسرائيلية” ، لكونها على القائمة السوداء لدول محظور بيع اسلحة لها. وهي القائمة التي وضعتها وزارتا الخارجية والدفاع،. وكان المعيار الرئيسي في تشكيل هذه القائمة هو مدى الخطر الذي سيعود على “إسرائيل” نفسها مع بيع السلاح والمعلومات والتقنية المتقدمة. وحتى ذلك اليوم كان واضحا للصناعات الجوية ان الصين تقع تقريبا على رأس القائمة السوداء. لقد كانت الصين صديقة للدول العربية واحدى زعامات العالم الثالث، وكان خطابها الرسمي في تعريف “إسرائيل” انها “الكلب النابح للإمبريالية الاميركية”. اضف إلى ذلك انه لم تقدم أية دولة غربية على بيع سلاح للصين. وفكرة ان تخترق “إسرائيل” هذا الحظر غير المكتوب، كانت تبدو مزعجة ، ولذا كان من الصعب على مسؤولي الصناعات الجوية ايضا ان يتفهموا ان تأتي الفكرة من رئيس حكومة يعتبر مناوئا ومتشددا تجاه الشيوعية . وزاد من وقعها ايضا تدخل وزير الدفاع وايزمان، الذي عرف جيدور منذ فترة خدمته في سلاح الجو قائلا.. “جدفي، أنت بالطبع فخور بما فعلته في الشركة ، لكنني اوصيك بان تدخلنا الصين”.
  وطلب جيدور من بيجن ووايزمان ، ان يستخدم معلومات معينة لكي يسارع بدفع الاتصالات مع الصين ، وكان له شرط واحد لقاء ذلك: هو ان يكون على رأس الوفد الذي سيتوجه للصين. وصدر الاذن وعين جيدور نائب مدير عام الشركة للتسويق، وموشيه كيرت رئيسا لمشروع الصين. أما رئيس شعبة القوى البشرية في الادارة الإلكترونية للشركة يوسي كنتي ، فقد تولى مسؤولية التخطيط. وفي نطاق الصناعات الجوية باللد تم تخصيص مبنى خاص للمشروع “هنجي رقم 15” . واحيط بسياج من السلك ، وتم تركيب ابواب جديدة ذات مدخل يعمل بشفرات خاصة ، ووضعت عليه حراسة مشددة.
بعد زيارة بيجن للصناعات الجوية ،اتصل مدير عام الشركة جيدور بثلاثة عناصر متعددة لها صلة بالصين. وكان احدهم آيزنبرج وهو الذي ابرم الصفقة المشتركة الأولى مع الصناعات الجوية لدول في شرقي اسيا عام 1971. وبعد نجاح هذه الصفقة اقترح آيزنبرج ان يتولى إدارة اعمال الصناعات الجوية في منطقة شرق آسيا بفضل علاقاته الجيدة بدولها، وكان بذلك وكيل اسلحة الصناعات الجوية في الشرق الاقصى. وفتحت علاقاته الخاصة بالفعل امام الشركة اسواقا جديدة، وتحديدا في الفلبين وتايوان. ولكن كانت هناك مشكلة واحدة خيمت على العلاقات التعاقدية، وهي تصميم آيزنبرج على ان يحضى باحتكارالعلاقات مع دول شرقي اسيا كلها ،وطلب عمولة بنسبة تتراوح بين 17% الى 20 % من اجمالي المبيعات.
  وقد دهش رئيس الحكومة اسحاق رابين الذي تولى منصبه بعد بيغن من النسبة التي يطلبها آيزنبرج الذي تعنت وتمسك بمطالبه المادية. ولأنه لم يكن هناك قناة اتصال اخرى مع الشرق الاقصى، اضطرت وزارت الدفاع الخضوع لشروطه. لقد عرف بيجن وديان آيزنبرج جيداً ، فقد عرفه ديان عندما كان يشغل منصب وزير الدفاع ، وكان أول من وافق على شروط الصفقات التي ابرمها ، كذلك عرف المليونير اليهودي الطريق الى بيجن واستضافه اكثر من مرة في منزله الريفي. غير ان النسبة العالية التي تمسك بها آيزنبرج ادهشتهم ايضا. ولهذه الاسباب لم يتحمس، على ما يبدو بيجن وديان لإسناد مهمة اختراق السوق الصيني لآيزنبرج. وبعد عدة اسابيع ظهر في الصورة رجل اعمال آخر ، وهو يكوتال فيدرمان صاحب سلسلة فنادق دان.وقد علم فيدرمان صاحب مصنع “إل . أوف” لإنتاج انظمة الكترو ـ بصرية عسكرية ،ان الصين مهتمة بالعلوم والتقنية العسكرية التي تطورها “إسرائيل”. وكان مصدر هذه المعلومات رجل الاعمال السويدي ماكس شميدت ،شريكه في احد المشروعات. وقد اوضح شميدت لفيدرمان ان الجيش الصيني مزود باسلحة قديمة وأنه باستطاعته ان يضعه على اتصال بإحد زعماء الصين.
وبهدوء ، ادار آيزنبرج مفاوضات شاقة مع وزارة الدفاع ليحظى بإطلاق يده واحتكار المشروع. إذ التزم بإيجاد علاقة مع الصينيين خلال أربعة او خمسة شهور. وقال آيزنبرج لوايزمان.. إذا لم انفذ ذلك اعطوا الموضوع لشخص آخر. وكان وايزمان متمسكا بمنح احتكار العلاقات مع الصين لآيزنبرج، إذ كان على قناعة كبيرة استمرت حتى اليوم أن آيزنبرج فقط هو المؤهل لاختراق الصين.
وفي هذه الاثناء زار آيزنبرج الصين مرتين على الاقل ، ليقف على احتياجاتها الامنية. واتضح من المعلومات التي وصلته ان الحقيقة مذهلة. فبسبب الغاء اتفاقية المساعدات السوفيتية عام 1968، وانعزالها عن الدول الغربية سقطت الصين في انحدار عسكري في التجهيزات والتقنية، وبسبب المواجهة العسكرية مع فيتنام والاتحاد السوفياتي والتهديد من الشمال ، اصبحت الامور الامنية على رأس أولويات الزعامة الصينية الجديدة. وكانت أهم رسالة نقلها آيزنبرج ان “إسرائيل” هي الدولة الوحيدة في العالم التي يمكنها في ذلك الوقت ان تساعد الصين في إعادة بناء جيشها والرد على التحدي الذي تجده في جيش فيتنام.
نعود الان الى الوفد، وقد جرى اسكان الوفد الإسرائيلي في شقق كل شقة مكونة من حجرتين ، وكان الشرط الاساسي للصينيين الا يفصح اعضاء الوفد عن هويتهم ”الإسرائيلية” وأن يبقى هذا الامر سرا. وفي ختام جلسة قصيرة ارتسمت على وجه رجل الاتصال الصيني ملامح الجدية وقال رئيس الوفد الصيني : “محظور عليكم أن تذكروا انكم اسرائيليون.. ” اعترض جيدور وادعى انهم ربما يتعرضون لاسئلة لا مفر منها، لكن الصيني تمسك بما قاله.. “لن يسألكم احد ، يجب ان تقدموا ما وعدتم به السلاح السوفييتي المتقدم والاستراتيجية”. وبعد ان استدعوا للنوم هذه الليلة ،أراد جيدور ان يستشير كبار اعضاء الوفد، بن يوسف شبيرا، وقمحي وكرمان. ولخوفه من التنصت طلب محادثتهم خارج المبنى قال لهم.. أنني أنوي أن اصعد الى المنصة غدا واقول إننا اسرائيليون، ما رأيكم؟” ارتبك الجميع واختاروا ان يتركوا القرار في يد جيدور. وفي النهاية كما خرجوا سراً ، عاد اعضاء الوفد سرا إلى “إسرائيل” ومع عودة الوفد وفي حوزته المعلومات من مصدرها الاصلي حول الاحتياجات العسكرية للصين، رتبت وزارة الدفاع لإرسال وفد ثان خرجت بعده وفود اخرى تضم خبراء من صناعات السلاح ”الإسرائيلية” وكبار الضباط بالجيش. كما توجه إلى الصين المديرون العامون لوزارات الدفاع والمالية، يوسف معيان ويعقوف بيئمان.
وكان المضمون الرئيسي للتعاون بين الجانبين هو تحديث ترسانة الاسلحة الوجودة لدى الجيش الصين ، وهي في معظمها سوفياتية . وكان تدهور العلاقات بين بكين وموسكو الذي بدأ منذ ستينات القرن الماضي وتصاعد الى حد الصدام العسكري ، قد دفع الاتجاد السوفياتي الى فرض حظر شامل على توريد السلاح وقطع الغيار الى الصين. وفي الوقت ذاته ، فقد اثمرت حروب الاعوام 1967 و1973 بين العرب واسرائيل عن اكتساب هذه الاخيرة خبرة كبيرة في التعامل مع الاسلحة السوفياتية سواء عبر الجواسيس وسرقة المعلومات ،او من خلال غنائم هذه الاسلحة في تلك الحروب. فقد سقطت في أيدي الاسرائيليين ابان حرب اكتوبر- وخاصة على الجبهة المصرية – اسلحة سوفييتية احدث مما كانت مستخدمة في الجيش الصيني، واستولت اسرائيل على عشرات الدبابات الروسية من طرازات متقدمة آنذاك، مثل طرازات ت55 ـ ت 62ـ . وقد اضافت إليها “إسرائيل” أجهزة مراقبة النيران وأجهزة رؤية خاصة، وحسنت قدرتها والحقتها بالخدمة في وحداتها. كما طورت “إسرائيل” ايضا الاساليب القتالية ضد الصواريخ أرض ـ جو السوفييتية من نظام سام 6 الاكثر تقدما، التي تسببت في اضرار بالغة لسلاح الجو الإسرائيلي . كما جرى ايضا تطوير أجهزة قتالية اليكترونية ،و أجهزة رادار ارضية واجهزة رادار محمولة على مقاتلات جوية. هذه الانظمة الجوية التي طورتها الصناعات الامنية كانت موجهة ضد المقاتلات السوفييتية، وهي نفس الطائرات التي كانت تهدد الصين آنذاك سواء من جانب الاتحاد السوفياتي او فيتنام او الهند. لقد كانت الصين إذن في اشد الحاجة للتقنية والعلم العسكري الإسرائيلي . ثم ان امريكا قد وضعت بتصرف المؤسسات العسكرية الاسرائيلية كل معلوماتها الاستخبارية عن الاسلحة السوفياتية.ولذلك اقبل الصينيون على التعاون مع اسرائيل .
وفي الوقت نفسه، فان انهيار نظام الشاه في ايران والنظام العنصري في جنوب افريقيا قد حرم الصناعات العسكرية الاسرائيلية من اكبر زبونين للمشتريات العسكرية من اسرائيل. ولذلك فان المجمع العسكري في اسرائيل بشركاته الخاصة والعامة، وجد في السوق الصينية اللامتناهية فرصة تاريخية لا يمكن تفويتها.وهذا يفسر سبب تمسك القيادة الاسرائيلية انذاك بتقديم كل التسهيلات للتعاون مع بكين، سواء من حيث الاسعار والخدمات وحتى النوعية . طبعا هناك اهداف استرتيجية اخري لاقبال اسرائيل على الصين سنعرض لها لاحقا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube