https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

كثرت في الآونة الأخيرة التكهنات حول مستقبل العلاقات الروسية – الإسرائيلية. ورجح كثيرون من المعلقين، بمن في ذلك بعض المعلقينالإسرائيليين، أن تتجه هذه العلاقات إلى تحسن متزايد وتنسيق متصاعد. واستندت هذه الترجيحات إلى عوامل متعددة منها العوامل الثلاثة التالية: أولاً، التقارب في مواقف روسيا وإسرائيل تجاه إدارة الرئيس الأميركي باراكأوباما. ثانياً، التراجع الملحوظ في الصراع العربي- الإسرائيلي. ثالثاً،العامل الشخصي الذي يتمحور بالدرجة الأولى حول شخصية الرئيس الروسي بوتينوحول نظرته إلى «المسألة اليهودية». على صعيد العامل الأول، أي الموقف تجاه الرئيس الأميركي الذي يندرج في إطارالعلاقات الدولية، من الملاحظ أنه هناك بعض التطابق في عدد من المواقفوالقضايا الدولية الهامة والتي تستأثر باهتمام الإدارة الأميركية والتيتعتبر واشنطن الموقف تجاهها مؤشراً على الموقف تجاه المصالح الأميركية. ويحتل الموقف تجاه القضية الأوكرانية، كما هو معروف، مرتبة عالية من اهتمامواشنطن وحساباتها. وعندما أعلنت موسكو ضم شبه جزيرة القرم، وعندما بحثتالأمم المتحدة مشروع قرار بإدانة هذا العمل، توقعت إدارة أوباما أن تتضامنسائر الدول الصديقة -ومن بينها إسرائيل- مع الولايات المتحدة في تأييدمشروع القرار. ولكن إدارة أوباما فوجئت بامتناع إسرائيل عن التصويت علىالقرار، وهو ما اعتبر في واشنطن بمثابة تصويت ضده. ولم تكتم الإدارةالأميركية غضبها تجاه الموقف الإسرائيلي المحابي لموسكو، فأصدرت الخارجيةالأميركية بياناً جاء فيه استغرابها «لاستنكاف إسرائيل عن الانضمام إلىالأكثرية الواسعة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي أعربت عن دعمهاوحدة الأراضي الأوكرانية». وبمقدار ما كان للموقف الإسرائيلي من أصداء سلبية في واشنطن، كانت له أصداءإيجابية في موسكو. وبهذا المقدار، أدى الموقف الإسرائيلي إلى تعزيزالتوقعات حول «صحوة في العلاقات الروسية- الإسرائيلية» تنقلها إلى مستوى لميكن معهوداً في السابق. وترافق الموقف الإسرائيلي تجاه المسألة الأوكرانيةمع مواقف إسرائيلية متعددة تعمدت فيها إسرائيل توجيه إهانات مباشرة وغيرمباشرة إلى الإدارة الأميركية لأنها اتخذت في بعض الأحيان سياسات لا تتقيدتماما بالمواقف الإسرائيلية تجاه الصراع العربي- الإسرائيلي والقضيةالفلسطينية. وهذا ما جعل البعض يربط بين نمو العلاقات الروسية- الإسرائيليةمن جهة، وبين العامل الثاني الذي أدى إلى رواج التوقعات حول حجم ومدىالتقارب بين الجانبين في المستقبل. على هذا الصعيد الثاني، أي صعيد العلاقات الإقليمية، فقد اتجه البعض إلىالاعتقاد بأن احتدام الصراع الإقليمي بين إيران ودول المجموعة العربيةوخاصة في الخليج العربي يدخل عنصراً جديداً على مسرح العلاقات الإقليميةالدولية. فالدول التي كانت تمتنع عن التعاون مع إسرائيل إكراماً للعربوللفلسطينيين، وتضامناً معهم في وجه التوسع الصهيوني، لم تعد في حاجة إلىالتقيد بموجبات هذه السياسة. فهناك فرق كبير بين عام 1967 حينما تضامنتموسكو وباريس مع العرب ضد العدوان الإسرائيلي، فاتخذت الأولى قراراً بقطععلاقاتها مع إسرائيل، وبين الوضع الراهن، حيث يبدو أن التركيز العربي انتقلبكليته إلى الصراع العربي- الإيراني. هذا المتغير يوفر، في رأي متوقعيالتطور في العلاقات الروسية- الإسرائيلية، للدول الصديقة للعرب أن تعززعلاقاتها مع إسرائيل من دون أن يؤدي هذا المتغير الأخير إلى تراجع علاقاتهامع الدول العربية. وهذا ما يدفع البعض إلى الإكثار من الحديث عن أهميةالصعيد الثالث الذي يبرز احتمالات نمو العلاقات الروسية- الإسرائيلية. على الصعيد الثالث، تبرز أهمية العامل الشخصي في التأثير على العلاقاتالدولية والإقليمية. وتتمحور الكثير من التقديرات حول دور الرئيس الروسيبوتين وموقفه الشخصي من اليهود ومن اليهودية كدين. فهو في نظر بعضالإسرائيليين الذين يؤيدون تعزيز العلاقات مع موسكو «أقرب رئيس روسي إلىإسرائيل بين سائر الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم في روسيا بما في ذلكبوريس يلتسين». ويقدم هؤلاء دليلاً على ذلك حرصه على إبقاء خطوط التواصلمفتوحة وناشطة بينه وبين الإسرائيليين والزعماء الصهاينة، فقد زار إسرائيلعدة مرات وأكثر من أي رئيس روسي سابق. ويقرظ إسرائيليون بوتين لأنه يقف ضدالإرهاب ولأنه ساهم من ماله الخاص في تمويل المتحف اليهودي ومركز التسامحالديني في موسكو. فضلاً عن ذلك، فإن بوتين لم يكف في لقاءاته مع الزعماءاليهود والإسرائيليين عن التأكيد على أن روسيا سوف تبقى ملاذاً آمناًلليهود خلافاً لبقية المجتمعات الأوروبية التي تشهد صعود النزعة اللاسامية. ويقدم بوتين في تأكيداته هذه أدلة حية على صواب ما يقول، مستمدة من واقعالأقلية اليهودية في روسيا التي يبلغ عددها حوالى 200 ألف، إذ يؤكد أنهؤلاء يعيشون بأمان وطمأنينة يفتقدهما أقرانهم في أصقاع أخرى من القارةالأوروبية. إن الموقف تجاه بوتين يساهم في خلق مناخ مناسب في إسرائيل للدعوة إلى تنميةالعلاقات مع روسيا، وبالتالي في إضفاء بعض المصداقية على التوقعات بصددقيام علاقات وثيقة وراسخة بين روسيا وإسرائيل. ففي استطلاع نظم بطلب منصحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية حول شخصية العام الفائت، فاز بوتينبالنصيب الأكبر من التأييد، إذ بلغت نسبة الذين اختاروه 29 في المئة، بينمالم يتجاوز التأييد للمستشارة الألمانية أنغيلا مركل التي حلت في المرتبةالثانية بعده، نسبة 16 في المئة. إلى جانب هذه الوقائع والمعطيات التي توحي بإمكان تطوير العلاقات الروسية- الإسرائيلية، هناك وقائع كثيرة أخرى تؤكد صواب هذه التوقعات، ولكن هذا لايعني أن الطريق مفتوح أمام تحالف روسي- إسرائيلي، فكثير من هذه الوقائعوالعوامل عائد إلى الأوضاع السائدة في المنطقة العربية. وهذه الأوضاع تفسحفي المجال، كما قلنا أعلاه، أمام الدول الصديقة للعرب لإعادة النظر فيعلاقتها بإسرائيل. في غياب موقف عربي متماسك ومشترك تجاه إسرائيل، فإن من الصعب ومن غيرالمنطقي أن يتوقع المرء استمرار التضامن الدولي مع الدول العربية ومع شعبفلسطين في مستواه السابق. وعندما يحتدم الصراع بين الأطراف العربية، وعندمايحتدم الصراع بين العرب وجيرانهم، وعندما تؤدي مشاريع التدخل الخارجي فيالمنطقة العربية إلى تعطيل قدرة العرب على التحرك الهادف والمؤثر علىالمسرح الدولي، فإن من الطبيعي أن يستفيد الإسرائيليون من هذه الفرصة لكييعززوا مواقعهم الدولية على حساب العرب وعلى حساب قضايا إنسانية عادلة مثلالقضية الفلسطينية. ولكن هل تبقى الصراعات العربية- العربية إلى الأبد؟ هليبقى الصراع مع الدول المجاورة، سواء كانت إيران أم تركيا أم غيرهما، إلىالأبد؟إن الذين يتوقعون نجاح إسرائيل في بناء جسور قوية مع دول كبرى عرفتبصداقتها للعرب مثل روسيا، يبنون مثل هذه التوقعات على الاعتقاد بأن الوضعالعربي الراهن مرشح إما للتدهور أو للبقاء على حاله إلى ما لا نهاية. وهذهالتوقعات ليست في محلها، لأنها تنطلق من تجاهل غير مبرر للجهود المكثفةالتي تبذل من أجل وقف الحروب والصراعات المسلحة في المنطقة العربية، ولأنهاتستبعد كلياً احتمال نجاح هذه المساعي. هذا الموقف يندرج في إطار النظرةالرغائبية المخالفة للعلم وللواقع، إلا إذا اقتنعنا بوهم «الخصوصيةالعربية» بمعناها البائس والعنصري المغرق في التشاؤم، الذي يحكم على العرببالعيش في محرقة دائمة ومتفاقمة.

الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube