https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

“لقد عادت الصين إلى الأمم المتحدة محمولة على أعناق الإخوة الأفارقة” يتذكر دبلوماسي العالم هذه العبارة التي أطلقها الزعيم الصيني «ماو تسي تونج» الذي قال لن ننسى أبدا أن الممثلين الأفارقة صفقوا ورقصوا في قاعة اجتماع الدورة ال26 للجمعية العامة الأممية في عام 1971 تعبيرا عن فرحهم لاستعادة جمهورية الصين الشعبية مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة.

منذ قرون طويلة منذ كلاسيكيات ابن بطوطة وانتهاء ب»ماو تسي تونج» الذي رأى في أفريقيا حالة تستحق الدراسة عندما أمر عدد من الباحثين بتوفير معلومات حول تاريخ أفريقيا وجغرافيتها وعن استعمارها ومقاومتها للإمبريالية، دعمت الصين نضال إفريقيا في مواجهة ذلك فرفضت التواصل الدبلوماسي مع فرنسا بسبب الجزائر وتضامنت مع مصر عندما أممت قناة السويس، وواصلت مواقفها الداعمة فدفعت بثقلها لبناء سكة الحديد بين تنزانيا وزامبيا التي راح ضحيت تشييدها عشرات الصينيين.

انطلقت بكين نحو هذه القارة بقوة وشكّل عام 2000 انطلاقة حقيقة مع انطلاق منتدى العلاقات الأفريقية الصينية حيث كان حجم التبادل التجاري في ذلك العام 10 مليارات دولار، وفي غضون عشرة سنين قفز هذا الرقم إلى 115 مليار دولار، ولعل هذا الرقم سيلقي بكثير من التساؤلات حول مستقبل وشكل العلاقة بين العملاق الأصفر الذي شكل تواجده في القارة السمراء هاجس للدول الغربية وأميركا.

لقد طرح الزخم والتواجد الصيني في قارة أفريقيا الكثير من الاستفهامات ووضع على كاهل الصين العديد من الاستحقاقات والتحديات مقابل ونظير ما تستثمره بكين في هذا الجزء المهمل من العالم، حيث وجهت انتقادات بشأن ما سمي استغلالاً واستعمارا اقتصادياً، وخلال هذا التقرير نستعرض مع عدد من المختصين أبعاد التواجد الصيني في أفريقيا.

يواجه أحد مسؤولي ملف الاستثمار الأفريقي الانتقادات الموجهة للصين فيقول أمين عام دول الكوميسا (تجمع السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا) سينديسو نغوينيا ل»الرياض»: «ليس هناك جوانب سلبية للتعاون مع الصين»، ويمضي قائلاً نعلم بوجود انتقادات في هذا الشأن.. وأعلم ان هناك من ينتقد الاستثمارات الصينية في إفريقيا ويصفها بأنها غير جيدة، ولكن تلك مسؤولية الحكومات الأفريقية التي يجب أن تؤكد على ضرورة التزام هؤلاء المستثمرون بالنظم والقوانين المتبعة في البلد، ويضيف: الاقتصاد الصيني لم يتأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية وشهيته مفتوحة وكبيرة للسلع وهناك حجم طلب كبير في الصين، وقد أضاف الصينيون قيمة للمواد الأولية بتصنيعها.. وقد أقامت الصين مناطق اقتصادية خاصة بها في خمس دول افريقية.
الوجود الصيني في أفريقيا.. استثمار بتهمة الاستعمار!!

أما وزير الخارجية الجيبوتي محمود علي يوسف فيرى أن الاستثمار الصيني جاء ليملأ فراغ الدول العربية في السابق التي لم تعد تهتم بالأسواق الأفريقية لأسباب مختلفة .
ويضيف ل»الرياض»: الصين والهند تهتمان بالأسواق لدينا والسكان هناك يرحبون بهذه الاستثمارات التي تخلق فرص عمل وثروة. لقد دخلت الصين بقوة في هذه الأسواق وهذا واقع جعل دول الاتحاد الأوروبي تستشعر الخطر على الأسواق التي كانوا يعتبرون أنها محمية بحكم التاريخ الاستعماري.

ويمضي وزير الخارجية الجيبوتي محمود يوسف قائلاً: الصين دخلت من باب الشراكة اما الدول الأوروبية والغربية عموماً فهي تحاول ان تستغل الموارد الطبيعية للدول الإفريقية دون ان تولي الاستثمار الاجتماعي.

لكن مديرة الدراسات الأسيوية في مجلس العلاقات الخارجية الدكتورة اليزابيث ايكونومي ترى ان هناك ضعفا في ممارسات الشركات الصينية فيما يتعلق بالمسؤولية الاجتماعية لتلك الشركات.

وحول التحديات أو الصعوبات التي تقع على عاتق الصين من خلال تواجدها في القارة الإفريقية، تشير الدكتورة ايكونومي لذلك قائلة: بكين لديها اهتمام قليل بتشكيل التطورات السياسية في أفريقيا باستثناء ما يعزز علاقات الصداقة مع الصين، السياسة المقررة للصين هي عدم الخلط بين التجارة والسياسة.. وبالأحرى فإن الصين تستثمر في موارد أفريقيا من معادن ونفط وغاز والأرض لرفد نمو الاقتصاد الصيني.

وتضيف ل»الرياض»: توفر بكين التمويل لمشاريع استخراج الموارد مع البني التحتية لدعم التجارة الفعالة والمنتجة بين الصين وأفريقيا، مؤكدة ظهور تحديات في الوقت نفسه ظهرت وتتجلى بشكل أكبر في صورة الصين الإيجابية بشكل عام نتيجة لتصدير مئات الآلاف من العمال الصينيين إلى أفريقيا.

أما الدكتور سفين جيرم مدير مركز الدراسات الصينية بجامعة ستلبوش في جنوب أفريقيا، فيرى أن موقف الصين المتمثل في عدم التدخل في شؤون الغير لا يمكن أن يعني عدم الانخراط والمشاركة، ويوضح في حديثه ل»الرياض» قائلاً: يجلب الانخراط والمشاركة في بيئة خارجية بتحديات للصين، وكشأن أي ممثل خارجي كان لابد للمسؤولين الصينيين من مواكبة الأحداث الجارية ومراقبتها وتفسيرها والتجاوب معها، على سبيل المثال كان التصويت على انفصال جنوب السودان مناسبة تطلبت التجاوب بالقدر اللازم من المرونة، إن التغييرات في نظام الحكم بالسودان سوف تفضي أيضاً إلى فرض تحديات على أي ممثل خارجي ويشمل ذلك الصين ، كما أن شمال أفريقيا يدل على أن هذا هو خيار حقيقي إذا الشعب أراد التغيير. ويضيف: كلما ارتفعت معدلات الاستثمار للشركات الصينية وعدد المواطنين الصينيين الذين يعيشون في أفريقيا يتسع نطاق النشاط الدبلوماسي الصيني تبعا لذلك.

أما الدكتور ستيفن تشان أستاذ الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن فيرى ان الصين تكسب العديد من الأصدقاء من حيث الدعم من الدول الأفريقية والزعماء الأفارقة لأن الصينيين أسخياء جداً.

لافتاً إلى أنه ومع ذلك فإن العديد من رجال الأعمال الصينيين يتصرفون بطريقة عنصرية جداً.. لذا والحديث هنا – للدكتور تشان – فإن العديد من المواطنين الأفريقيين العاديين يشعرون بالاستلاب والحنق من الحضور الصيني. مضيفاً في هذا الشأن : تحتاج الحكومة الصينية لتوعية رجال الأعمال الصينيين بصورة أكثر ونصحهم بعدم التعامل بطريقة متغطرسة ومتعجرفة.

وحول ما إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية فقدت سيطرتها على أفريقيا بسبب سياسات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر فيجيب الدكتور سفين جيرم بالنفي قائلاً لم تفقد أميركا أفريقيا، ولا تزال تمثل لاعباً مهماً على مستوى الحكومة والشركات الأميركية على حد سواء، إلا أنه وكشأن الدول الغربية الأخرى فإن الاهتمام الرئيسي للولايات المتحدة في تسعينات القرن الماضي كان منصباً حول الأحداث السياسية في مناطق أخرى ليس أقلها الثورات في شرق أوروبا وروسيا، مشيراً إلى أن إفريقيا كانت تحتل مقعداً خلفياً في سياسات الولايات المتحدة مما ألحق الضرر بسمعتها في إفريقيا لدرجة ما. لافتاً إلى أن هذا الانعدام بالإهتمام من قبل الولايات المتحدة تغير مرة أخرى في عام 2000 فما بعد، ويعود ذلك في المقام الأول إلى احتياجات الولايات المتحدة للموارد وثانياً لفهم محدد للموقف المناوئ للإرهاب وثالثاً للتنافس مع الصين.
الوجود الصيني في أفريقيا.. استثمار بتهمة الاستعمار.

ويتفق مع ذلك الدكتور ستيفن تشان الذي يؤكد في حديثه ل»الرياض» أن هناك منافسة في أفريقيا بين الصين والولايات المتحدة وأن الأخيرة لم تفقد شيئا، ويضيف تشان في الوقت الحالي لم يفقد أي من الطرفين بصورة واضحة لصالح الطرف الآخر. فتركيز الولايات المتحدة على الديمقراطية لا يزال قوياً كما أن الثقافة الأميركية لا تزال تحظى بالإعجاب.. والرئيس أوباما كرجل أسود لديه العديد من المعجبين في أفريقيا، ومع هذا فإن السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه أفريقيا كما هي تجاه أي مكان آخر قد تكون خرقاء بصورة مثيرة للدهشة.

أما الدكتورة إليزابيث ايكونومي مديرة مركز الدراسات الآسيوية فهي أيضاً تتفق مع وجهات النظر السابقة إلا أنها ترى أن ليس للعمل العسكري الذي قامت به في افغانستان صلة كبيرة بعلاقات الولايات المتحدة مع أفريقيا على المدى البعيد، وتضيف منذ أن تعرضت أمريكا للهجوم في الحادي عشر من سبتمبر، فإني لا أعتقد أن المجتمع الدولي يحكم على الولايات المتحدة بصورة سلبية لإقدامها على اتخاذ إجراءات في أفغانستان (أما احتلال العراق فهو بالطبع قصة مختلفة). مشيرة إلى أن الأساس في الذي سيتم الاستناد عليه في الحكم على علاقات الولايات المتحدة مع أفريقيا يكون في كيفية تعامل أميركا مع القارة السمراء في مجال التجارة والاستثمار والمساعدات… والجدير ذكره وربما يكون مثيراً للدهشة – والحديث لإليزابيث – أن الولايات المتحدة قدمت مساعدة صحية لأفريقيا في عهد الرئيس جورج بوش أكثر من أي وقت مضى كما أن الرئيس أوباما خلق انطباعاً طيبا جداً في عدد من الدول الأفريقية.

سئلت الدكتورة ايكونومي ما هو الوصف الذي يمكن أن نطلقه على الدور الصيني في أفريقيا فأجابت الاستعماري الاقتصادي.

ويختلف مع هذه النظرة أمين دول الكوميسا سينديسو نغوينيا الذي أجاب قائلاً : الصين لم تستعمر أي دولة افريقية ولهذا لا نضعها في مقارنات مع أحد .. الصين ليس لديها أطماع استعمارية مثلما كان الاستعمار البريطاني أو الفرنسي لأفريقيا.

أما الدكتور سفن جريم فيعتقد انه لا يوجد وصف « سهل « ودقيق للحضور الصيني في أفريقيا. مشيراً إلى أن مشاركة الصينيين تأتي لأسباب اقتصادية وسياسية، كما أن المصالح ليست على نسق واحد … ففي أفريقيا كغيرها من المناطق توجد شركات مملوكة للدولة وقطاع خاص وأفراد ومقاطعات صينية والحكومة الصينية المركزية. هذه جميعها تمثل «الصين» ولكننا نحتاج لأن ننظر إليها عن كثب لكي نحقق فهماً أفضل للدوافع والقوى المحركة للسياسات وهذه بطبيعة الحال هي مهمة المراكز الأكاديمية.

أما ستيفن تشان أستاذ العلاقات الدولية في جامعة لندن فيؤكد أنه في نهاية المطاف لأفريقيا نفسها خياراتها الخاصة بها فبإمكانها اختيار الصين أو الغرب أو الاختيار من بين العديد من الدول الأخرى لعقد شراكات معها. فوجود الخيارات يمثل عاملاً رئيسياً لحرية الإرادة وقد ساعدت الصين أفريقيا في هذا الخصوص.

يتضح من ذلك أن الصين تاريخاً وجغرافيا لم تمارس دوراً امبريالياً في محيطها الجغرافي فضلاً عن ممارستها خارج الحدود، واستطاعت الصين بفضل هذه الخلفية التاريخية من الولوج إلى العمق الأفريقي والتواصل مع المجتمعات الأفريقية التي عانت من ويلات المستعمر الفرنسي والانكليزي والغربي بشكل عام واستطاع الصينيون من خلال التركيز على الجانب الاقتصادي من فرض تواجدهم هناك وحيازة الثقة عن طريق المشاريع الاجتماعية وتشغيل الأيادي العاملة هناك، لكن السؤال هل يمكن أن يتطور الحضور الصيني هناك ليصبح سياسي مع العلم أن الصين في تعاطيها مع الواقع السياسي الداخلي الأفريقي تقف جانب الحياد لكنها ترفض في نفس الوقت فرض الأجندة الغربية على هذه البقعة الجغرافية خوفاً على إستراتيجيتها واستثماراتها.

أفريقيا التي تشهد نموا بطيئاً على واقع اضطراب سياسي هناك وهناك ينتظر إن تكون المحرك الرئيسي للإقتصاد العالمي خلال عقدين من الزمن ، سيكون للصين بلاشك أثر في هذه النقلة التاريخية عن طريق التنمية والمشاريع الاجتماعية والتعليمية هناك ، فهل تقود الصين أفريقيا لقيادة العالم أم تكون أفريقيا آخر ساحات الحرب الباردة .

الرياض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube