https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

أنتجت عملية روسيا في أوكرانيا مأزقا استراتيجيا للصين، فمن ناحية، عطل الصراع التجارة الصينية التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، وزاد من حدة التوترات في شرق آسيا، وعمق الاستقطاب السياسي داخل الصين من خلال تقسيم الناس إلى معسكرات مؤيدة ومناهضة لروسيا.

ومن ناحية أخرى، تلقي الصين باللوم على الولايات المتحدة في استفزاز روسيا بدعمها لتوسيع حلف شمال الأطلسي، وتخشى أن تسعى واشنطن إلى إطالة أمد الصراع في أوكرانيا من أجل إغراق روسيا. ولا ترى بكين الكثير لتكسبه من الانضمام إلى المجموعة الدولية التي تدين موسكو.

وتقول مجلة Foreign Affairs الأميركية إنه بغض النظر عما تقوله الصين أو تفعله ردا على قرار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشن حرب في أوكرانيا، فمن غير المرجح أن تخفف واشنطن من استراتيجيتها للاحتواء تجاه بكين.

وباعتبارها أكبر جار للصين وأكثرها قدرة عسكريا، فإن روسيا ليست قوة ترغب بكين في استعدائها، لذلك سعى صناع السياسة الصينيون إلى تجنب استفزاز أي من القوتين المتنافستين دون داع – من خلال الامتناع عن التصويت لإدانة روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة واختيار بياناتها الرسمية حول الحرب بعناية.

وتقول المجلة إن استراتيجية التوازن هذه لا تخلو من التكاليف، حيث أدى رفض إدانة روسيا إلى توتر علاقات الصين مع بعض جيرانها ونأى ببكين عن العديد من الدول النامية التي اصطفت ضد حرب روسيا في أوكرانيا.

كما تكبدت تكاليف اقتصادية ناجمة عن حرب روسيا التي يمكن أن تستمر لفترة طويلة في المستقبل، ومع ذلك، ومن أجل تقليل خسائرها الاستراتيجية، من المرجح أن تلتزم الصين بهذا المسار الأوسط حتى تنتهي الحرب في أوكرانيا.
الصين تلوم الولايات المتحدة، وليس روسيا، على تأجيج الوضع في أوكرانيا
الصين تلوم الولايات المتحدة، وليس روسيا، على تأجيج الوضع في أوكرانيا

وتضييف المجلة أن الشيء الوحيد الذي قد يغير حسابات بكين ويدفعها إلى الوقوف إلى جانب روسيا هو إذا قدمت الولايات المتحدة دعما عسكريا لإعلان تايوان استقلالها القانوني، لكن وباستثناء ذلك، من المرجح أن تواصل بكين عملها المتوازن، لأن سياسة الاحتواء التي تنتهجها واشنطن تجاه الصين تجعل من الصعب جدا على بكين الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب في أوكرانيا.

ومنذ بداية الصراع، اتهمت القوى الغربية الصين بدعم سلبي أو حتى نشط للأعمال العسكرية الروسية في أوكرانيا.

وفي مارس، على سبيل المثال، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” مزاعم لم يتم التحقق منها بأن روسيا شاركت خططها الحربية مع الصين قبل الصراع.

ولكن كما أشار، تشين قانغ، سفير الصين لدى الولايات المتحدة، في مقال رأي نشر في 15 مارس في صحيفة واشنطن بوست، كان لدى الصين الكثير لتخسره من تصرفات روسيا.

وقال السفير “كان هناك أكثر من 6000 مواطن صيني في أوكرانيا، والصين هي أكبر شريك تجاري لكل من روسيا وأوكرانيا، وأكبر مستورد للنفط الخام والغاز الطبيعي في العالم”

وأضاف أن الصراع بين روسيا وأوكرانيا لا يفيد الصين، مؤكدا “لو كانت الصين على علم بالأزمة الوشيكة، لكنا بذلنا قصارى جهدنا لمنعها”.

وأدى الصراع إلى خسائر بمليارات الدولارات للشركات الصينية، فعلى سبيل المثال، خسرت مجموعة النيكل الصينية العملاقة تسينغشان القابضة 8 مليارات دولار من الصفقات السيئة التوقيت بعد أن تسببت الحرب بشكل كبير في ارتفاع سعر النيكل.

كما أدت الاضطرابات المرتبطة بالحرب إلى إلغاء طلبات التصدير الصينية على نطاق واسع وإضعاف الإنتاجية الصناعية الصينية.

ووفقا للمكتب الوطني للإحصاء، انخفض مؤشر مديري المشتريات الصناعي الصيني – الذي يتتبع النشاط الاقتصادي في قطاع الصناعات التحويلية – بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وهو أداء أسوأ بكثير مما توقعه محللو السوق وأول انكماش شهري منذ أغسطس 2021.
تعقيد في الخارج والداخل

وزادت الحرب من حدة التوترات بين الصين وبعض جيرانها، ومع اشتداد التنافس بين واشنطن وبكين، تبنت العديد من دول شرق آسيا استراتيجيات تحوط لتحقيق التوازن بين العلاقات مع كلتا القوتين.

لكن الصراع في أوكرانيا دفع بعض هذه الدول إلى الميل بشكل أكبر نحو الولايات المتحدة، بالإضافة إلى ذلك، أعطى الصراع واشنطن ذريعة للموافقة على 95 مليون دولار أخرى من المساعدات العسكرية لتايوان – وهي ثالث حزمة أسلحة أميركية تتلقاها تايبيه منذ تولي الرئيس الأميركي جو بايدن منصبه.

ولم تكن علاقات الصين مع جيرانها وحدها هي التي تعاني، ففي مارس، صوت ثلثا الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لصالح إدانة روسيا في قرارين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في حين صوت خمسة فقط بالرفض، وامتنعت 35 دولة عن التصويت، من ضمنها الصين.
توصي مجلة ناشيونال انترست بمواجهة الصين في ملفات الاقتصاد وحقوق الإنسان
زاد التوتر بين الصين والمعسكر الغربي بسبب أوكرانيا

ومما زاد الطين بلة أن الحرب زادت من توتر العلاقات بين الصين من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى.

وقالت استراليا وكندا واليابان والمملكة المتحدة إنها ستنضم إلى الولايات المتحدة في فرض عقوبات ثانوية على الشركات الصينية التي تواصل القيام بأعمال تجارية كالمعتاد مع روسيا.

وأخيرا، أدت الحرب في أوكرانيا إلى تعميق الاستقطاب السياسي داخل الصين نفسها، حيث اندمج المواطنون الصينيون في معسكرات متعارضة مع روسيا وضدها.

وبعد فترة وجيزة من بدء الصراع، بدأ بعض مستخدمي الإنترنت الصينيين المناهضين لروسيا في إعادة الحديث عن عدم عدالة معاهدة أيجون لعام 1858، التي تنازلت عما يقرب من 230 ألف ميل مربع من الأراضي الصينية لروسيا.

وقد جعلت الحساسية السياسية لهذا الحدث التاريخي بكين في الماضي حذرة من دعم أي جهود روسية للتوسع الإقليمي.
بكين ليست مستعدة

وعلى الرغم من الآثار السلبية للحرب على الصين، إلا أن بكين ليست مستعدة لقبول نهج واشنطن تجاه الصراع.

وتروج الحكومة الصينية لرواية تقول إن الولايات المتحدة استفزت روسيا من خلال الضغط من أجل توسع حلف شمال الأطلسي شرقا.

وترى بكين أن واشنطن تتعمد تصعيد الحرب من أجل إدامتها، وبالتالي إضعاف كل من روسيا والصين.

وفي مكالمة افتراضية في 5 مارس، أبلغ وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أن الصين تعارض أي تحركات “تضيف الوقود إلى النيران” في أوكرانيا.

ومنذ ذلك الحين، كرر القادة والصحفيون الصينيون هذه العبارة، مما يؤكد عدم ثقة بكين في نوايا واشنطن.
المسار الأوسط

وهذه ليست المرة الأولى، بحسب المجلة، التي تجد فيها بكين نفسها عالقة بين قوى متنافسة كبرى.

وبين عامي 1958 و 1971، واجهت جمهورية الصين الشعبية أكثر الظروف الدولية عدائية في تاريخها القريب، حيث كان عليها خلال هذه الفترة، مواجهة التهديدات الاستراتيجية من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في وقت واحد.

وردا على ذلك، كرست الحكومة الصينية كل مواردها الاقتصادية للتحضير لحرب واسعة النطاق ضد إحدى القوتين، ولحماية قاعدتها الصناعية بشكل أفضل من الهجوم، نقلت العديد من المصانع من مناطق أكثر تطورا في شرق الصين إلى مناطق غربية متخلفة وجبلية، وأخفتها في كهوف اصطناعية.
الجيش الأميركي يحتاج إلى إجراء تقييمات أفضل للأضرار الجانبية المحتملة
لا ترغب الصين بالتورط في صراع عسكري مع الولايات المتحدة

وقد أغرقت عملية إعادة التنظيم الصناعي الواسعة النطاق هذه الصين في مصاعب اقتصادية كبيرة، مما تسبب في نقص حاد في السلع الأساسية وانتشار الفقر على نطاق واسع.

وتقول المجلة إن هذه الذكرى عززت التزام بكين بتجنب التورط بين واشنطن وموسكو مرة أخرى، خاصة بسبب التفاوت العسكري الكبير بينها وبين الولايات المتحدة.

وباختيارها طريقا وسطا بشأن أوكرانيا، امتنعت الصين عن تقديم مساعدات عسكرية لموسكو، لكنها حافظت على علاقات تجارية طبيعية مع روسيا، وهو قرار اتخذته دول أخرى أيضا، منها الهند.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube