https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

 كتب محمد خير الوادي :

هناك بعض المؤشرات التي بدأت تعلن عن نفسها في الصدام الدبلوماسي المستعر اليوم بين روسيا والغرب .

منها ،ان ما يجري اليوم حول اوكرانيا  ، يماثل – بشكل ما- ما اقدمت عليه الصين في السنوات القليلة الماضية  . فبعد ان اكتنزت  الصين فائضا من القوة الاقتصادية والعسكرية ، تخلت  بكين  عن  سياسة المهادنة التي استمرت عشرات السنين ، وقررت اعتماد نهج هجومي  في جنوب شرقي آسيا ، بما في ذلك ازاء مسألة الجزر المختلف عليها في بحر الصين الجنوبي .

والامر نفسه يحدث اليوم مع القيادة الروسية  التي هادنت الغرب طيلة ربع قرن .فموسكو  تشعر اليوم انها باتت تملك فائضا من القوة العسكرية ، يتيح لها ان ترفع صوتها ويدها في وجه الغرب ، وان تطالب  بشطب  التطورات التي جرت في اوربا عقب زوال الاتحاد السوفياتي .

الصين تطمح الى اعادة صياغة العالم بما ينهي الهيمنة الامريكية ويفسح المجال لبكين الحلول مكان واشنطن  على عرش العالم  ، والقيادة الروسية تريد اعادة صياغة الامن في اوربا ـ بما يفضي الى اضعاف الوجود العسكري الامريكي ، وتعزيز النفوذ الروسي في اوربا .

لكن بكين لم  تتقدم كثيرا في مشروعها العالمي .لقد راهنت القيادة الصينية على قوتها الاقتصادية  اولا ، وحاولت استغلال ارتباط الغرب بالاقتصاد الصيني . والشيء الثابت ، ان  طموحات الصين واوراق ضغطها الاقتصادية ،اصطدت بحرب تجارية طاحنة ،نتج عنها عقوبات  غربية لا حصر لها  وتوجه غربي  لانهاء التبعية الغربية  الاقتصادية للصين .وفي الوقت نفسه ،  اشتدت  الاشتباكات  السياسية والاعلامية ،وزادت امريكا من وجودها العسكري في  جنوب شرقي آسيا ، وضاعفت الاحلاف العسكرية الاقليمية ضد بكين  .

وبشكل ما ، فان الامر يتكرر-ولو بصيغ اخرى – في المواجهة الروسية الغربية المحتدمة اليوم .لقد بات واضحا للعيان ان الهدف الاساسي من هذه المواجهة هو اوربا : موسكو تريد استغلال نفوذها التي بنته خلال السنوات الماضية في اوربا من اجل اعادة صياغة الوضع الجيو- سياسي هناك .

وفي الوقع ، فان الدبلوماسة الروسية حققت نجاحات  كبيرة في هذا المجال . فقد تمكنت موسكو من تعزيز اعتماد اوربا على الغاز الروسي المنخفض السعر ، كما شجعت كثيرا من الشركات الاوربية للقدوم الى روسيا ، وفتحت لها الابواب. وفي الوقت نفسه عززت موسكو علاقاتها مع الحركات والانظمة اليمينية الاوربية،وزادت من روابطها الدينية مع المنظمات الارثوذكسية الاوربية في اليونان وقبرص-باستثناء اوكرانيا -، وكذلك في بعض دول البلقان ، وبدأ بالظهور  في الخطاب الروسي اصطلاح العالم السلافي والعالم الروسي .

هذه الخطوات كلها جرت بهدوء وسلاسة . واعتقدَ المخططون الروس، ان لحظة الهجوم قد حانت . ولما لا : فهناك قوة عسكرية روسية لا تضاهيها اية قوة اوربية ، وحلف الناتو  بات ضحية مشكلات  وجودية  لا حصر لها ،والقارة العجوز تعاني من تفكك سياسي وازمة اقتصادية  واجتماعية  فاقمتها جائحة كورونا ، وامريكا تلملم ذيول انسحابها المهين من افغانستان ، وهي غارقة في انقساماتها  الداخلية ،ومشغولة  بمواجهة الصين .

ولذلك تحركت موسكو  ورفعت من سقف مطالبها الامنية، بما في ذلك  الحصول على تعهد امريكي بعدم تمدد الناتو الى كل من اوكرانيا وجورجيا ، وازالة وجوده في دول المعسكر الاشتراكي السابقة ، واقامة نظام امني شامل ومتكافيء جديد  في اوربا ، ينهي كل الانجازات التي حصل عليها الغرب اثر انهيار الاتحاد السوفياتي .

وكما حدث مع الطموحات الصينية ، فان اندفاع  موسكوهذا قد ارتطم بعقبات كبيرة هي ،  الموقف الامريكي المعارض بصلابة ، واحتضان الغرب لأوكرانيا ودعمها عسكريا وسياسيا ، والتهديد بفرض عقوبات غير مسبوقة على روسيا .

والسؤال الذي ينهض هنا : في ظل هذه المعطيات ، الى اين تسير الازمة حول اوكرانيا ؟

في البداية   ، وكجزء من الاجابة على هذا السؤال ،لا بد – كما ارى  – من ايراد  الحقائق التالية:

اولا، ان امريكا ليست في وارد  تسليم اوربا لروسيا.

وثانيا ، ان هذه الازمة قد فتحت عيون امريكا واوربا على الاخطار التي تعتقد انها تهددها من الشرق ، وحصرا من روسيا .

 والحقيقة الثالثة ، ان هذه الازمة لن تنتهي حتى ولو انسحبت القوات الروسية من حدود اوكرانيا . فامريكا باتت  تخطط لمرحلة بعيدة ،وتدفع لاتخاذ اجراءات ستؤثر كثيرا على مستقبل القارة الاوربية . من هذه الاجراءات ،  انهاء الاعتما د الاوربي على الغاز الروسي ، والعمل على ابطال سلاح الطاقة الذي تستخدمه موسكو اليوم  عبر توفير مصادر بديلة للغاز الروسي  .ولذلك استدعت واشنطن امير  قطر – اكبر منتج للغاز المسال في العالم ، واعلن البيت الابيض  انه  يبحث عن مصادر طاقة اخرى لتزويد الاقتصاد الاوربي  ، اضافة الى ارسال عشرات الناقلات الامريكية المحملة بالغاز الامريكي الى اوربا .والاجراء الامريكي الآخر يتمثل ،في زيادة الوجود العسكري الامريكي في اوربا وارغام الدول الاوربية على زيادة نفقاتها العسكرية ومساهماتها في حلف الناتو .والخطوة الثالثة ، هي  العمل مستقبلا على تحويل اوكرانيا الى شوكة قوية دائمة مغروسة في خاصرة روسيا .والاجراء الرابع هو اشعال  حملة تخويف وعداء لروسيا ، بهدف تخريب اي تقارب مستقبلي بين الاوربيين والروس .

وفيما يتعلق بروسيا ، اظن ان موسكو تدرك  هذه الخطط الامريكية،وستعمل على مواجهتها . لكن هناك ثغرتين تعترضان  هذه المواجهة ،هما  الصعوبات  التي يعاني منها  الاقتصاد الروسي  سواء من حيث الحجم او التركيبة  ، والثانية عدم وجود حلفاء دوليين قادرين وراغبين في  دعم موسكو فعليا . فالصين- مثلا – لن تذهب الى ابعد  من المساندة السياسية  لروسيا ، ولن ترسل قوات  لمحاربة امريكا في اوربا . فامريكا موجودة في جنوب شرق آسيا ، والقواعد  والاحلاف الامريكية  تحيط بالصين من كل الجوانب .والاهم من ذلك كله ، ان انني اعتقد،انه لا توجد رغبة  صينية  بمواجهة امريكا  واشعال حرب باردة كبرى مع واشنطن.فالصين  لا تزال تقول بالنهوض السلمي،وترفع شعار السلام والتنمية ، وهي لا تحبذ الانجرار الى مواجهات كارثية مع الغرب ، لا سيما مع امريكا .

لهذه الاسباب ، باتت موسكو تبحث عن مخارج سياسية للازمة ، وهي تعلن يوميا ـ انها لا تخطط لغزو اوكرانيا . لكن هذه الموقف الروسي لا يقابل بترحاب في امريكا  التي تسعى الى تأجيج الاوضاع حول اوكرانيا وتنصب فخا لروسيا عبر اغرائها بالتدخل العسكري هناك .واظن ان موسكو واعية لهذا الفخ . ومع ذلك ،  تبقى الازمة الاوكرانية مفتوحة على كل الاحتمالات ، بما في ذلك الاحتمال العسكري ، الذي سيكون كارثيا بالمعنى الكامل للكلمة.

2/2/2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube