https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

.محمد الأمين موسى

إن التغييرات الجذرية التي أحدثتها ثورة الإنترنت في بنية التواصل الإنساني منذ أواخر القرن الماضي، انعكست على العمل الإعلامي في تمظهراته المهنية الاحترافية، وفي بنية مكوناته والعلاقات التي تجمع بينها؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور الصحافة الإلكترونية كبديل محتمل للصحافة الورقية التي وجدت نفسها محاصرة بمجموعة من البدائل التي تفوقها من حيث الاقتصاديات والشمول والقدرة التواصلية.

استفادت الصحافة الإلكترونية من الدعم غير المحدود الذي تقدمه لها شبكة الويب باعتبارها الفضاء التواصلي والمعرفي الأكثر رحابة في عالم اليوم وفي المستقبل، لتصبح الأكثر أهلية لحمل راية الإعلام من الصحافة الورقية التي يعود لها الفضل في ترسيخ التواصل الإعلامي طيلة قرون مضت. والحديث عن مستقبل الصحافة الإلكترونية، يقود بالضرورة إلى قدرتها على مواكبة تطور التكنولوجيات الرقمية وإدماجها في العمل الإعلامي بكيفية تنافس شبكات التواصل الاجتماعي التي غيَّرت العديد من الأسس النظرية المفاهيمية للممارسة الإعلامية (كمفهوم الإلقاء والتلقي والجمهور والتغذية الراجعة…)؛ إذ لم تعد الصحافة الإلكترونية تتعاطى مع جمهور يتلقى الرسائل التواصلية ويتفاعل معها -إن شاء- من خلال تغذية راجعة، بل مع مستخدم رقمي يمتلك كافة الوسائل والمهارات التي تؤهله لإنتاج المحتوى الإعلامي ونشره وإدارته على نطاق عالمي/كوني. مستخدم يتوفر على نطاق واسع من الوسائط التواصلية ومنصات النشر المخصوصة التي تستطيع أن تجذب أية فئة من فئات المجتمع المُتعولِم.

وفي هذا السياق، تهدف هذه الدراسة إلى بحث الآفاق التي تلوح للصحافة الورقية (المتحوِّلة إلى إلكترونية)، والتي تؤهلها للسير قدمًا بالتواصل الإعلامي، معززة أدوارَه وجاعلته أكثر فعالية، من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي الذي ارتقى باقتصاديات شبكات التواصل الاجتماعي حتى صارت تتصدر اقتصاديات المعرفة، وترسم ملامح مستقبل التواصل الإنساني. فلم يعد الذكاء الاصطناعي ترفًا تكنولوجيًّا، بل ضرورة وظيفية وبنيوية تقتضيها فعالية التواصل وسهولة الاستخدام والمردودية الاقتصادية. وعلينا أن نأخذ في الاعتبار التحول المتزايد نحو الرقمنة؛ إذ تشير التقديرات لعام 2025 إلى احتمال وجود 50 مليار جهاز رقمي تستطيع جمع البيانات من حوالي خمسة مليارات مستخدم متصل بشبكة الإنترنت(1).

هناك تزايد لرقمنة المعرفة لدرجة تجعل كافة المعرفة الإنسانية تكاد تكون رقمية، يمكن الوصول إليها بكيفية ما، وهذا يعطي الذكاء الاصطناعي الرقمي امتيازًا دائمًا، خاصة أن الذكاء الاصطناعي ما هو إلا امتداد للذكاء البشري، والذي يتعاظم بفضل التفاعل والتكامل بينهما.

فقد حولت الرقمنة جماهير قرَّاء الصحافة إلى مستخدمين يتعاطون مع الأجهزة الرقمية من أجل تلقي المحتوى الإعلامي والتفاعل معه، وإثرائه من خلال ممارسة هواية صحافة المواطنة القائمة على استخدام التقنيات التي توفرها الأجهزة الرقمية الذكية بكيفية شعبية تجعلها في متناول العامة. وهذا ما أدى إلى إحداث تغيير في مفهوم التلقي القائم على السلبية أو التفاعل المحدود مع المحتوى الإعلامي.

وتخلص الدراسة إلى أبرز التحديات التي تواجه الصحافة الإلكترونية العربية في تشكيل البديل للصحافة التقليدية، ومواكبة نظيراتها في المجتمعات التي سارعت في التكيف مع الثورة الرقمية وسعت للمحافظة على روح تقاليد التواصل الإعلامي في الوقت ذاته. فالوتيرة المتسارعة للرقمنة لا تدع مجالًا للتردد والتخلف عن الركب، في الوقت الذي تتوافر فيه المبررات والمقومات لإيجاد صحافة إلكترونية عربية تنهض بأدوارها المستقبلية.

1. الإطار المنهجي والنظري للدراسة

أ- إشكالية الدراسة

يمكن النظر للصحافة الإلكترونية على أنها نتاج تكيُّف الصحافة المطبوعة مع ثورة الرقمنة وما قدَّمت من منصات للنشر قادرة على الاستغناء عن كافة الوسائل التناظرية (كالورق والأشرطة الممغنطة). فقد نشأت الصحافة الإلكترونية من رحم شبكة الويب واتصفت بصفاتها واستفادت من خدماتها، وبدأت تجني ثمار التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي الذي جعل فضاءات الويب ملاذًا كريمًا لكل من يبحث عن المعرفة ويسعى لجمعها وتحليلها وتحريرها ونشرها.

إن الإشكالية التي تسعى الدراسة إلى تناولها تتجسد في غموض المسارات المستقبلية التي يمكن للصحافة الإلكترونية أن تسلكها في ظل التسارع نحو تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتشابك بين العوامل البشرية والتكنولوجية المتفاعلة معًا في ظل رقمنة شاملة تجذب نحوها كافة الأنشطة الإنسانية.

ويقترن النظر في غموض مسارات الصحافة الإلكترونية باستشراف مستقبل الصحافة الإلكترونية في ظل تنامي توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في كافة مجالات الرقمنة، ومن بينها مجالات الكتابة والتحرير والنشر الإعلامي في بيئة متعولِمة تسعى جاهدة لإحداث قطيعة مع الماضي التناظري الذي أرسى تقاليده عبر قرون من ممارسة العمل الصحافي. وتتجلى الإشكالية، كذلك، في أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصحافة الإلكترونية قادت إلى تغيير جذري في مفهوم المتلقي/القارئ إلى مفهوم المستخدم الرقمي الذي يمارس الإلقاء والتلقي بالكفاءة ذاتها؛ ذلك أن الذكاء الاصطناعي الرقمي ينحو منحى الحلول محل العنصر البشري فيما يتعلق بالقدرة على تنفيذ العمليات الحسابية السريعة، وتخزين كمٍّ هائل من البيانات والمعلومات، وفرز المعلومات وتصنيفها وتحليلها وجعلها صالحة للاستخدام، فضلًا عن تحريرها ونشرها.

فهل تسير الصحافة الإلكترونية في اتجاه الأتمتة وسحب البساط من تحت الصحافي الذي يكتب الأخبار (ومختلف الفنون التحريرية) ويحررها، بفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي؟ وما انعكاسات إدماج الذكاء الاصطناعي في الممارسات الإعلامية على فنون التحرير الصحافي، وعلى مختلف المهن التي تشكِّل التواصل الإعلامي؟

ب- منهج الدراسة

يستند البحث إلى تطبيق المنهج الوصفي التحليلي من خلال تقاطعاته مع مناهج الدراسات المستقبلية، وبالأخص تقنية التنبؤ التكنولوجي التي تفترض أن التكنولوجيا أحد أهم محدثات التغيير في البنيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتفوق في تأثيرها أغلب المتغيرات الأخرى المسؤولة عن التغيير(2). فمن خلال وصف تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي اقتحمت مجال الصحافة الإلكترونية، خاصة ما يتعلق بالجانب التحريري بصفة خاصة والإنتاجي بصفة عامة، يمكن التنبؤ بمستقبل الصحافة مقرونًا بمستقبل كافة الأنشطة الإنسانية التي تأثرت بالرقمنة وتغيرت من حيث الشكل والمحتوى.

ج- مدخل نظري

أولًا: مفهوم الذكاء الاصطناعي

إن الذكاء الاصطناعي ملازم لمسيرة الإنسان على كوكب الأرض، منذ أن بدأ في استخدام الآلات لكي تُعِينه في تنفيذ أعماله. هكذا يمكن القول: إن الذكاء الاصطناعي كامن في أية آلة صنعها الإنسان؛ حيث تتم إعارة جزء من الذكاء الطبيعي للآلة حتى تستطيع أن تنوب عن الإنسان في جانب مخصوص وتصبح امتدادًا لقدراته الذاتية، أو تطويرًا لها، أو بديلًا عنها.

انطلاقًا من هذا الفهم الشامل للذكاء الاصطناعي، أتى تعريف مارفن مينسكي (Marvin Minsky) للذكاء الاصطناعي باعتباره “علمًا جعل الآلة تقوم بالأشياء التي تتطلب ذكاء عندما يقوم بها الإنسان”(3). ومع ظهور الرقمنة في منتصف القرن العشرين، أصبحت الآلة المتضمنة للذكاء الاصطناعي تميل نحو التمظهر في شكل عتاد ملموس (جهاز) وبرمجيات (عتاد ناعم).

ويعود ظهور مصطلح “الذكاء الاصطناعي” إلى مؤتمر دارتموث في الولايات المتحدة الأميركية، الذي تم تنظيمه من قِبَل مارفن مينسكي وجون مكارثي (John McCarthy) وكلود شانون (Claude Shannon) وناثان روشستر (Nathaniel Rochester)، عام 1956؛ حيث تنبَّأ المشاركون بقدرة الآلات على اكتساب المزيد من السلوك الذكي المصطنع(4).

وهناك من يُعرِّف الذكاء الاصطناعي بأنه “علم التعامل مع بناء الأجهزة (الحواسيب) التي تهدف إلى تنفيذ إجراءات الحوسبة واتخاذ القرارات كبديل للذكاء البشري. وتُستمد قوة الخوارزميات الذكية من قدرتها على دراسة المواقف المعقدة مع العديد من المتغيرات، مع مراعاة مستويات مختلفة من عدم اليقين”(5).

هكذا، يمكن القول: إن الذكاء الاصطناعي هو مسعى أبدي للإنسان نحو تطوير ذكائه الطبيعي وجعله أكثر قوة وفعالية وإثمارًا، من خلال تقليص عيوبه الفطرية أو الثقافية أو البيولوجية كالنسيان والانفعال والإعياء والانتقائية والمرض، لأن تمرير الذكاء الفردي والجمعي لبني الإنسان وإكسابه للآلة يأتي بنتائج مذهلة تعفي الإنسان من القيام بالعديد من الأعمال -خاصة الروتينية منها- ويسهم في التطور.

ثانيًا: الذكاء الاصطناعي والمستخدم الرقمي

إن الحضور الطاغي للرقمنة في الفضاءات الإعلامية أدى إلى تحول المتلقين للرسائل التواصلية الإعلامية من مجرد أفراد جمهور مخصوص (قرَّاء، مستمعين، مشاهدين) إلى مستخدمين لهم القدرة على التفاعل مع المحتوى واستخدامه من خلال نسخه وتخزينه ومعالجته وإعادة استخدامه في إعداد رسائل أخرى. ولم تقتصر أدوارهم على التلقي والتفاعل بإبداء الرأي والتعبير عن الموقف والاتجاه، بل تعدته إلى القيام بأدوار الإلقاء وتقديم المحتوى الإعلامي الذي يضاهي ما يقدمه المحترفون. ويتعزز هذا التحول من خلال تنامي تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف أنواع التواصل الإنساني، وعلى رأسها التواصل الاجتماعي الرقمي والتواصل الإعلامي. وهذا ما يدفعنا للبحث عن خصائص المستخدم الرقمي وحاجياته التي يسعى الذكاء الاصطناعي لتلبيتها.

أ- خصائص المستخدم الرقمي

يتمايز المستخدم الرقمي عن متلقي الإعلام التقليدي بما يوفره له الذكاء الاصطناعي من فعالية في الوصول إلى المعرفة والتعاطي معها، مصحوبًا بالخصائص التالية:

1. القدرة على الاستفادة من الإمكانيات التواصلية الهائلة التي توفرها شبكة الإنترنت، ممثلة في: التراسل عبر البريد الإلكتروني، وتصفح مواقع الويب، والاشتراك في شبكات التواصل الاجتماعي، والتخاطب والتحادث عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات المكالمات الصوتية والفيديوية، والبحث الشامل عن المعرفة باستخدام محركات البحث عبر شبكة الويب أو في وسائل التخزين المدمجة في الأجهزة أو الملحقة بها.

2. وفرة البرمجيات سهلة الاستخدام، والتي تمكِّن المستخدم الرقمي من معالجة الوسائط التواصلية وتصميمها وإنتاجها ونشرها عبر مختلف المنصات والبيئات الرقمية.

3. القدرة العالية على التفاعل انطلاقًا مما توفره شبكة الويب لمنتجي المحتوى من فرص تمكين المستخدم من الإدلاء بدلوه فيما يتلقاه. وبفضل محركات البحث التي قطعت شوطًا طويلًا في استخدام الذكاء الاصطناعي، لا يعجز المستخدم عن إيجاد المحتوى الملائم للتعبير به عن تفاعله من خلال النسخ/اللصق أو التمرير أو الإحالة باستخدام الروابط المتشعبة.

4. إمكانية التحقق من المحتوى واختبار مصداقية مصادر المحتوى وكشف الزيف. فالطبيعة العالمية والشعبية لشبكة الويب تجعل المحتوى الهائل الذي يتم تداوله عبرها متضمنًا للغثِّ والسمين، وقابلًا للتزييف من لدن المحترفين (أصحاب التزييف العميق) والهواة؛ الأمر الذي يستدعي عدم الوثوق فيما يتم تداوله قبل التحقق من الصدقية بالمضاهاة بما يرد في وسائل الإعلام التقليدية (كتب وصحف وإذاعات وقنوات تلفزية) أو في مواقعها عبر الويب، بالإضافة إلى مواقع الويب الرسمية لجهات موثوقة.

5. أصبح المستخدم الرقمي غير مضطر لتلقي ما توفَّر من محتوى، بسبب غزارة المحتوى الرقمي لدرجة تفوق قدرة المستخدم على التلقي بالكيفية التقليدية (قراءة النصوص كاملة ومشاهدة البث الإذاعي والتلفزي لساعات متواصلة). ففضلًا عن كثرة الوسائل التي قد تعرض المحتوى ذاته، يتسم المحتوى الرقمي بمرونة التلقي التي تتكيف مع ظروف المستخدم. كما أن الذكاء الاصطناعي المستخدم في محركات البحث كفيل بجعل المحتوى الذي يندرج ضمن اهتمامات المتلقي في متناول يده ولسان حالها يقول: (سَلْ تجد).

ب- حاجيات المستخدم الرقمي

تتمثَّل حاجيات المستخدم الرقمي في الفعالية الشاملة المؤدية لاستثمار الوقت وتقليل التكاليف والوصول إلى المعرفة والاستفادة منها بكيفية سهلة تجعلها في متناول الجميع، وهذا يتأتى من خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجالات المعرفية المختلفة وعلى رأسها مجالات التواصل الإعلامي. فالمستخدم الرقمي المعاصر لا يرغب في هدر وقته في البحث عن المعلومات ذات العلاقة باهتمامه، بل يفضِّل أن تأتيه وتصبح في متناول يديه. وهذا ما تقوم به تطبيقات الذكاء الاصطناعي في محركات البحث والمحتوى الإعلامي المرتبط بروابط متشعبة وكلمات مفتاحية ومواضيع شبيهة، والتي تُمكِّن المستخدم من الوصول إلى ما يرغب فيه من معلومات وأكثر، وتجعل استثماره لما بين يديه من معرفة رهينًا بإرادته دون شرط الكفاءة الاحترافية والتكلفة المادية الكبيرة من خلال توافر المصادر المفتوحة والنسخ التجريبية المجانية.

إن حاجات المستخدم المعاصر للمحتوى الإعلامي تتجاوز ما توفره وسائل الإعلام التقليدية من معلومات قابلة للتلقي والاستهلاك إلى المساعدة والتمكين بتوفير أدوات تنفعه في إنتاج المحتوى ومشاركته مع الآخرين، فضلًا عن التفاعل وتقديم التغذية الراجعة تجاوبًا مع ما تقدمه وسائل الإعلام الجديد، وعلى رأسها الصحف الإلكترونية.

2. تحديات الصحافة الإلكترونية

تواجه الصحافة الإلكترونية جملة من التحديات الناتجة عن الانتقال غير السلس من البيئة التناظرية إلى البيئة الرقمية، خاصة في جوانب الاقتصاديات ومطلوبات العنصر البشري وتحديات إنتاج المحتوى. فالفضاءات الرقمية تتجاوز العديد من الممارسات التي اعتادت عليها الصحافة التقليدية في مجالات إنتاج المحتوى الإعلامي ونشره، انطلاقًا من خصائص الويب التي أحدثت ثورة في التعاطي مع بُعدي، الزمان والمكان، وفي وجود المحتوى الإعلامي وصلاحيته للتلقي والانتشار عبر محركات البحث.

إن أبرز التحديات التي تواجه الصحافة الإلكترونية تتمثَّل في الآتي:

أولًا: تحقيق مداخيل مالية في بيئة اكتسبت شعبيتها من توفير المعرفة المجانية وشبه المجانية بسبب قلَّة التكلفة وتشجيع الهواة وتعزيز الحضور العالمي. فما تنفرد به الصحيفة الورقية ويجعلها تستحق ثمن شرائها، يمكن الحصول عليه بكيفية ما في فضاءات الويب المفتوحة والتي تنتشر فيها المعلومات بسرعة الضوء. ولا سبيل لتجاوز هذا التحدي إلا من خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تجذب أصحاب الإعلانات التجارية وتغريهم بفعالية استهداف الزبائن الفعليين؛ وتلك التي تمكِّن الصحف الإلكترونية من إنتاج محتوى نوعي يستحق الشراء.

ثانيًا: التوفيق بين مجاراة خصائص الويب القائمة على السرعة والفورية وبين تجويد المحتوى الإعلامي الذي دأبت عليه الصحافة الورقية وقد أرست تقاليد عريقة في إعداد المحتوى الجيد الذي أهَّلها للقب “السلطة الرابعة”. ذلك أن الصحافة الإلكترونية مجبرة على مجاراة سرعة النشر عبر الويب التي لا تتيح المجال للتحقق من مصادر المعلومات والتدقيق اللغوي والمعرفي دون فقدان ميزة السبق الصحافي. كما أن كثرة اعتماد الصحافة الإلكترونية على المصادر المتوافرة عبر الويب يعرضها لمخاطر نشر محتوى تعرَّض للتزييف العميق المستند إلى سهولة استخدام البرمجيات في معالجة الوسائط وتزييف محتواها وشكلها لدرجة يصعب كشفها إلا من لدن المحترفين المسلحين بالبرمجيات والعتاد اللازمين.

ثالثًا: تحوُّل بعض الصحافيين من البيئة التقليدية الورقية إلى البيئة الرقمية دون التعرُّف على خصائص الصحافة الإلكترونية المستمدة من خصائص الويب، وما يقتضيه ذلك من أساليب جديدة في الكتابة وضرورة إيجاد فنون تحريرية جديدة متناغمة مع التواصل عبر الشاشات المرتبطة بالإنترنت والويب. فالاستمرار في الكتابة وفقًا للأساليب القديمة يُفقِد الصحافة الإلكترونية فعاليتها وقدرتها على إنتاج محتوى قادر على مجاراة المحتوى الرائج عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والذي تهيمن فيه الوسائط المتعددة وسهولة التلقي وجاذبية التفاعل وإمكانية التمرير وإعادة الاستخدام.

رابعًا: الاستعداد للسير في دروب الذكاء الاصطناعي الذي يُهدِّد بحلول الآلة محلَّ الإنسان، أو على الأقل الإنابة عنه في الأعمال القائمة على السرعة والإحاطة والحفظ والانتقاء والدقة والقدرة الفائقة على الاسترجاع من الذاكرة. إن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال الصحافي تُهدِّد بنزع القدسية الإبداعية التي تدثَّرت بها الصحافة لقرون؛ الأمر الذي يجيز الاستغناء عمن يقتصر عملهم الصحافي على كتابة الأخبار الراتبة التي تكون مصادرها، كذلك، رقمية ومعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

3. تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصحافة الإلكترونية

لم تقتصر تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الصحافة الإلكترونية على تقديم الدعم للبيئة الرقمية التي تعمل فيها الصحافة الإلكترونية، بعدما تعدَّته إلى الدخول في الصميم والتأثير المباشر في صناعة المحتوى. ذلك أن الذكاء الاصطناعي الذي يستهدف حلول الآلة محلَّ الإنسان، تجاوز العمل الروتيني (مثل الرد التلقائي على الرسائل الإلكترونية واقتراح المواضيع الأكثر قربًا من المتلقين-المستخدمين…) إلى كتابة الأخبار وترك هامش للمحررين لتعديلها واتخاذ القرار بنشرها، أو تحريرها ونشرها تلقائيًّا. فقد بدأت تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالاستحواذ على العمل البسيط الذي كان يقوم به الصحفيون سابقًا؛ حيث أصبحت كتابة البيانات الصحفية والأخبار الترفيهية وأخبار خدمات الطوارئ مؤتمتة(6).

لقد أدى تدخل تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال الصحافي إلى ظهور مفهوم “الصحافة المؤتمتة” (Automated Journalism)، والتي يعرِّفها مات كارلسون (Matt Carlson) بـ”العمليات الخوارزمية التي تحوِّل البيانات إلى نصوص إخبارية سردية مع انعدام التدخل البشري ما عدا التدخل البرمجي الأولي” (عندما يقوم المبرمجون بكتابة الأكواد)(7).

وتتراوح تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الصحافة بين الأكواد الخوارزمية البسيطة التي تستخلص الأرقام من قواعد البيانات وتضعها في خانات ضمن قالب إخباري معد سلفًا إلى المقاربات الأكثر تطورًا في معالجة البيانات للحصول على المزيد من الرؤى وكتابة قصص إخبارية أكثر إقناعًا(8). هنا، لابد من التنويه إلى أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي لا تتعاطى مع الواقع الفعلي الذي تدور فيه الأحداث، وإنما مع البيانات المرمَّزة رقميًّا؛ حيث يعمل الذكاء الاصطناعي ليحل محلَّ القدرات المعرفية للصحافي ويرمِّزها خوارزميًّا؛ ويقوم بوضع قواعد البيانات، ويوجِد مبادئ بناء الخوارزميات، فضلًا عن الكشف عن تورط الروبوتات في إمكانية توليد أخبار مزيفة(9).

لقد قادت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الصحافة إلى ظهور ما يسمى بـ”صحافة الروبوت” (Robo-journalism)، وتعود إلى تجربة غوغل عندما طوَّرت محررًا آليًّا ضمن مشروعها: “خدمة أخبار غوغل” (Google News Service)، والتي تم إطلاقها عام 2002، حيث لا يتدخل الإنسان في عملية التحرير(10). وهي صحافة -انطلاقًا من تسميتها- تستهدف الوجود البشري في العمل الصحافي والحلول محلَّه، على الأقل، ضمن الوظائف التالية(11):

    التنقيب عن البيانات.

    إدارة التعليقات على المحتوى المنشور.

    اختيار المواضيع.

    كتابة الأخبار.

وهنا يبرز التساؤل: ماذا تبقى للصحافة من امتياز في إنتاج الرسائل التواصلية، خاصة أن شبكات التواصل الاجتماعي -بدعمها لكافة الوسائط التواصلية مسنودة بالصناعات الرقمية التي وفرت الأجهزة وجعلتها في متناول اليد- برزت كمستودعات غير محدودة للبيانات والمعلومات الواردة من ملايير المستخدمين، والتي لا يستطيع الصحافي أن يجاري تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنقيب عنها وفرز الصالح من الطالح؟ وإذا علمنا أن الفلسفة التي يستند إليها الذكاء الاصطناعي تدعو إلى تعلُّم الآلة بكيفية مستمرة ومستدامة (أي تطوِّر ذكاءها)، فإن قدرة هذه التطبيقات على التفوق على الصحافيين واردة، على الأقل في الوظائف الأربعة المذكورة أعلاه. ومن بين الأدلة على مزاحمة خوارزميات الذكاء الاصطناعي للصحافيين في مجال كتابة الأخبار وتحريرها، دراسة أُجريت على جمهور من المتلقين لمعرفة قدرتهم على التمييز بين الأخبار المحرَّرة من قِبَل تطبيقات الذكاء الاصطناعي مقارنة بالأخبار التي حررها الصحافيون. فقد أوضحت النتائج عدم وجود فروق ملموسة في التمييز بين نوعي الأخبار؛ حيث بدت الأخبار المؤتمتة أجود من نظيرتها التقليدية، أو تصنيف هذه الأخيرة بأنها أضعف، أو تصنيفهما معًا ضمن الجودة أو الضعف(12). ويكمن التفسير المنطقي لهذه النتيجة في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي المختصة في الكتابة والتحرير الصحافي مُنبنية على أفضل الممارسات البشرية في مجال الصحافة من حيث القيم الإخبارية وفنون الكتابة.

وثمة من يوسِّع دائرة الانتفاع من خلال تدعيم الذكاء الاصطناعي لغرف الأخبار بالآتي(13):

    تسهيل سير العمل الإعلامي، من خلال مساعدة الصحافيين في التركيز على ما يتقنون عمله، ألا وهو التحرير.

    أتمتة المهام العادية (التي لا تحتاج إلى قدرات إبداعية)، مثل تتبع آخر الأخبار ورصدها.

    طبخ المزيد من البيانات والمعلومات.

    استكشاف الرؤى الإعلامية من خلال إيجاد الروابط بين المعلومات المتفرقة.

    القضاء على الأخبار الكاذبة.

    توليد الأخبار من المادة الخام.

وفي تقرير عن أتمتة الأخبار من حيث واقع الفوائد والمخاطر، وردت مجموعة من استخدامات الذكاء الاصطناعي في المجال الصحافي، أبرزها(14):

    أولى مميزات أتمتة الأخبار: الاهتمام بالأخبار المحلية، وسرعة النشر، وتحرير كمٍّ هائل من المحتوى.

    الاهتمام بقيمة الأخبار عوضًا عن الاهتمام بزاوية المعالجة التي تعتبر مهمة للجميع.

    جودة الكتابة التي تجعل القصة الخبرية صالحة للنشر الفوري (باعتبار أن الخوارزميات مستندة إلى أجود الممارسات البشرية في مجال الكتابة والتحرير الصحافي).

    قدرة الأتمتة على إنتاج محتوى جديد قادر على جذب مجموعة من المعلنين؛ الأمر الذي يجعل تلقي المحتوى مدفوع الثمن بطريقة غير مباشرة.

    تحث الأتمتة على إعادة التفكير في الاستفادة من الصحافيين.

    تستطيع الأنظمة المؤتمتة إرسال إنذارات للصحافيين بمستجدات الأحداث؛ ذلك أن الخوارزميات معدَّة بحيث تصبح أكثر قدرة على التنبؤ بالعلاقات الخفية بين المعلومات.

    امتياز الأتمتة من ناحية الشفافية في التعاطي مع البيانات والمعلومات.

وبما أن مصدر الذكاء الاصطناعي هو الذكاء البشري، فإن الحاجة إلى تعاونهما معًا تبقى قائمة، مثلما بقي التكامل بين الإنسان الآلة -أو على الأقل إشراف الإنسان على الآلة- قائمًا في كافة المجالات، بحيث يبقى التأثير السلبي على المهام العضلية والروتينية والمرتبطة بدقة التنفيذ. هكذا يظل التعاون بين الصحافيين والذكاء الاصطناعي يسير جنبًا إلى جنب من أجل محتوى إعلامي أكثر تطورًا؛ الأمر الذي يقتضي أن يتطور الصحافي في مجال تحسين مهاراته المتعلقة بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي وتوظيفه توظيفًا فعالًا، فضلًا عن مهارات نقل المعلومات(15).

لقد أصبحت كبريات وسائل الإعلام العالمية تستعين بتقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، وعلى رأسها: صحيفة “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” و”وكالة الأسوشيتد برس” و”وكالة رويتر” وموقع “ياهو” الإخباري. ولم يقتصر الأمر على الكتابة الإخبارية، بل تعداه إلى الكتابة الإبداعية مثل كتابة الشعر والروايات(16). وعلى سبيل المثال، فإن رابطة الصحافة البريطانية (وهي من المؤمنين بأن الذكاء الاصطناعي سيسد الفجوة الناتجة عن الاستغناء عن المكاتب الصحافية وفائض الصحافيين) تستخدم الذكاء الاصطناعي في إنتاج أكثر من 30 ألف قصة خبرية شهريًّا(17).

ويقتضي معرفة حضور تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصحافة الرقمية، استعراض بعض النماذج التي أثبتت نجاحها، وهي لا تزال في أول الطريق، الأمر الذي جعل البعض يتنبَّأ باضمحلال مهنة “صحافي” أو تصبح من نصيب الراسخين في علوم الرقمنة والذكاء الاصطناعي. وهنا، نستعرض بعض نجاحات برمجية “ووردسميث” (WordSmith) و”كويكبوت” (Quakebot) و”كورال بروجكت” (Coral Project) و”كويل” (Quill) و(Story Discovery Engine).

أولًا: ووردسميث (WordSmith)

تُعد برمجية ووردسميث (صانع الكلمات) من أشهر تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تم استخدامها في المجال الصحافي من أجل كتابة الأخبار. وقد طورتها شركة (Automated Insights) -المختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتعلق بتوليد اللغات الطبيعية- لكتابة الأخبار بكيفية تلقائية عبر تحليل البيانات ووضعها في سرد متماسك ضمن أنماط قابلة للتعديل(18).

وتعود تجارب صناعة الكلمات إلى مجهودات اللسانيين في مجال ما يسمى بـ”توليد اللغة الطبيعية” (NLG) مثل مايك سكوت (Mike Scott) من جامعة ليفربول الذي طوَّر أدوات صناعة الكلمات، عام 1996(19).

ووردسميث هو نظام ذكاء اصطناعي يستخدم كمًّا هائلًا من البيانات ويُجري لها تحليلًا كميًّا، ويطبق عليها بعض القواعد الخاصة بالأسلوب والكتابة الجيدة لإخراج مئات الملايين من القصص الإخبارية كل عام(20)؛ حيث استطاع ووردسميث أن يكتب حوالي 1.5 مليار قصة خبرية(21). وقد استفاد العديد من كبريات وسائل الإعلام العالمية من خدمات ووردسميث، مثل “وكالة الأسوشيتد برس” التي بدأت استخدامه عام 2014، حيث تمكنت من زيادة التوليد التلقائي لتقارير أرباح الشركات من 300 إلى 4000 تقرير في سنة واحدة(22).

كان الهدف الأول من استخدام “وكالة الأسوشيتد برس” لخوارزمية ووردسميث، هو أن يركز الصحافيون على الفروق الدقيقة بين القصص الإخبارية ويتركوا التعاطي مع الأرقام للبرمجية؛ مما يوفر قيمة أكبر للمؤسسات الإخبارية التي تتعامل معها الوكالة كل يوم. وذلك ما أدى إلى إنتاج عشرات الآلاف من القصص الإخبارية؛ وتمكنت برمجية ووردسميث من توفير 20% من وقت الصحافيين(23). لقد بدأ استخدام الوكالة للذكاء الاصطناعي بالتركيز على الأخبار المالية والرياضية،؛حيث يسهل على الخوارزميات الإجابة عن أسئلة مثل: كم حققت الشركة من أرباح؟ وهل هذه الأرباح أكثر من المتوقع أم أقل؟ ومن ربح المباراة؟ ومن سجَّل الأهداف؟ ومتى؟(24).

وترى “وكالة الأسوشيتد برس” أنها حققت فوائد جمة من أتمتة العمل الصحافي بواسطة تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فبالإضافة إلى زيادة المحتوى ونطاق التغطية والسرعة، حققت مكاسب في مجال الدقة؛ إذ تقلَّصت الأخطاء بالرغم من زيادة حجم الإنتاج بأكثر من عشرة أضعاف، لأن الخوارزميات لا تخطئ بل يكون الخطأ في أصل البيانات التي تم التعاطي معها(25).

ثانيًا: كويكبوت (Quakebot)

تمَّ تطوير برمجية “كويكبوت” بواسطة صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” للإبلاغ عن الزلازل التي تحدث في أسرع وقت ممكن، حيث تقوم البرمجية بمراجعة إشعارات الزلازل الصادرة عن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، وإذا استوفت معايير معينة، تقوم تلقائيًّا بكتابة مسودة قصة إخبارية، ومن ثم يتم تنبيه غرفة الأخبار، فإذا قرر محرر الصحيفة أن الخبر يستحق النشر، يتم نشره. تُدار البرمجية من قِبَل كيسي ميلر (Casey Miller)، الصحافي في قسم البيانات والرسومات في الصحيفة(26). وتدل تسمية البرمجية على أنها مختصة في تغطية أخبار الزلازل.

يعتمد “كويكبوت” على أجهزة استشعار للزلازل مراقَبة من قِبَل هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، عندما ترصد الهيئة زلزالًا تبلغ قوته 1.0 أو أعلى، ترسل إشعارًا للبرنامج. وأي خطأ في تقدير الزلزال يكون مصدره هيئة المسح -وهذا نادر- وليس “كويكبوت”(27). فعلى سبيل المثال، في عام 2017، أرسلت الهيئة عن طريق الخطأ إشعارًا بأن زلزالًا بقوة 6.8 ريختر وقع في سانتا بربارا، وذلك أثناء تحديث البيانات الخاصة بتاريخ الزلازل. التقط “كويكبوت” الإشعار وتم نشره في تغريدة ضمن حساب الصحيفة وكأنه حدث قبل قليل؛ الأمر الذي أدى إلى استغراب سكان سانتا بربارا، لتضطر الصحيفة لحذف التغريدة، واضطرت هيئة المسح الجيولوجي للاعتذار عن الخطأ(28).

ثالثًا: كورال بروجكت (Coral Project)

إن العمل الصحافي، في ظل الرقمنة التي أنتجت الصحافة الإلكترونية، لا يقتصر على الكتابة والتحرير الصحافيين، بل يشمل التفاعلية التي تُعد أحد أهم أركان التواصل الإعلامي الرقمي. وتتيح التفاعلية -التي هي من خصائص شبكة الويب- للمستخدمين/القرَّاء أن يعلقوا على المحتوى المنشور بكيفية تجعلهم يظهرون كمنتجي محتوى؛ الأمر الذي يحتم إدارة هذه التعليقات وجعلها متناغمة مع شروط النشر في المؤسسة، وملتزمة بحرية التعبير المسؤولة.

من هنا، أتى “كورال بروجكت” كبرمجية معززة بالذكاء الاصطناعي تساعد المؤسسات الصحافية على إدارة التعليقات التي ترد إليها بأعداد هائلة كلما تم نشر محتوى إعلامي جديد. يقوم “كورال بروجكت” بإدارة التعليقات لما يقرب من 50 غرفة أخبار تابعة لمؤسسات إعلامية في 11 دولة، بما في ذلك صحيفة “وول ستريت جورنال”، و”واشنطن بوست”، و”ذا إنترسيبت”، و”ذا غلوب آند ميل”. كما يتعاون مع الأكاديميين والتقنيين، في الأحداث الجارية والعمل مع الباحثين لتقليل المضايقات عبر الويب(29).

بدأ “كورال بروجكت” عام 2013 كمشروع لإدارة التعليقات على المحتوى ضمن شراكة بين مؤسسة “موزيلا” (Mozilla) وصحيفتي “واشنطن بوست” و”نيويورك تايمز”. وأثمرت الشراكة عن إنتاج برمجية مفتوحة المصدر ومجانية لإدارة التعليقات المباشرة على القصص الإخبارية المنشورة. وتهدف البرمجية إلى تبيان نوعية التعليقات التي ترغب فيها الصحيفة، من خلال طرح محاور بعينها والسماح للمستخدمين بالتعليق عليها، وذلك ما يسمح بالحصول على تعليقات نوعية وبعيدة عن المهاترات(30).

يقدم “كورال بروجكت” خدماته للمستخدمين المعلِّقين وللصحافيين والناشرين. فبالنسبة للمعلقين، يمكِّنهم من تحديد صحافيين بعينهم للتحاور معهم، وتحييد المعلقين المزعجين، والمشاركة في النقاشات، وتلقي الإخطارات، ورؤية تنبيهات التعليقات الجديدة على الفور. أما فيما يتعلق بالصحافيين المشرفين على التعليقات، فيزودهم بالأدوات اللازمة للتعرف على المعلقين الذين يسعون لتخريب العمليات التواصلية التي تدور ضمن التفاعل باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهي أدوات سهلة الاستخدام وفعالة. وفيما يخص الناشرين، فإنه يزيد الولاء لموقع الصحيفة والمشاركة، مما يمنح الناشر تحكمًا كاملًا في التفاعلات والبيانات، دون إدراج أي إعلانات أو أدوات تعقب على الموقع، كما أن البرمجية تعمل بشكل فعال على الهاتف المحمول(31).

رابعًا: كويل (Quill)

تعتبر برمجية “كويل” منصة متقدمة لتوليد اللغة الطبيعية تمَّ تطويرها من قِبَل شركة “نيرتف سينس” (Narrative Science)، تستطيع تحويل البيانات إلى قصص إخبارية. وتكمن قوة “كويل” في تحويل البيانات الرقمية إلى أخبار قابلة للفهم والنشر، وما على الصحافي إلا أن يحدد الجدول أو الرسمة البيانية، وفي غضون ثوان تتحول إلى قصة خبرية(32).

ويستطيع كويل تحويل البيانات المنتجة بواسطة مختلف أدوات تمثيل البيانات إلى قصص إخبارية، ومن ثم إدراجها تلقائيًّا في لوحة البيانات (Dashboard) القابلة للتلقي. ويمتاز بتوفير الوقت وتعزيز إدماج البيانات كمعلومات ضمن قصص إخبارية. وبعد أن يتم نشر القصة الإخبارية، يمكِّن كويل المستخدمين من اكتشاف المزيد من الأفكار المتعلقة بالقصة، فضلًا عن التحديث المستمر للبيانات(33).

خامسًا: محرك اكتشاف القصص الإخبارية (Story Discovery Engine)

هذا المحرك عبارة عن برمجية طورتها ميردث بروسارد (Meredith Broussard)، أستاذة صحافة البيانات بجامعة تمبل، لتستخدم من قِبَل المحررين في التسريع من عملية إيجاد الأفكار التي تصلح لإجراء تحقيقات استقصائية في المجالات العامة (كالتعليم والصحة والمواصلات…). ويستطيع هذا المحرك أن يشكِّل عشرات من الرسوم المعلوماتية والجداول التي تصلح لكتابة عشرات التحقيقات المرتبطة بالمجال المعني(34).

لقد تم إطلاق النموذج الأولي لمحرك اكتشاف القصص عبر الويب في شكل مشروع يسمى “Stacked Up” يتكون من جزأين: أداة لإعداد التقارير ونظام عرض للقصص التي تمت كتابتها باستخدام أداة إعداد التقارير. ويوفر نظام العرض للمستخدم مجموعة من القصص الاستقصائية وبعض النصوص التوضيحية حول المشروع. أما أداة إعداد التقارير فهي عبارة عن مجموعة من البيانات المرئية الديناميكية التي تتعلق بكتابة القصص الاستقصائية، بحيث تكون الإحصائيات والبيانات التي تدعم كل قصة أصلية، ومستمدة من تحليل البيانات الناتج عن استخدام الخوارزمية التي تشكِّل العمود الفقري للمشروع(35).

إن محرك اكتشاف القصة يُحدث نقلة نوعية في أثر الذكاء الاصطناعي على العمل الصحافي. ذلك أن الصحافة الاستقصائية تمثِّل قمة العمل الإعلامي، وهي الأقرب إلى ممارسة البحث العلمي؛ الأمر الذي يجعل الذكاء الاصطناعي يخطو خطوات كبيرة في أتمتة العمل الصحافي. وثمة فوائد جمة للصحافة الاستقصائية من استخدام هذه الخوارزمية، على رأسها تقليص الوقت المستغرق في عمليات الاستقصاء والتنقيب عن البيانات ومضاهاتها واستخلاص المعلومات والقرائن منها، بالإضافة إلى الدقة في جمع البيانات، وتبيان كافة الأوجه التي من خلالها يمكن النظر إلى البيانات.

بالإضافة إلى البرمجيات أعلاه، هناك البوتات (Bots)، وهي عبارة عن برمجيات حاسوبية تحاكي المحادثة مع المستخدم، مثل: “سيري” (Siri) من شركة آبل، و”أليكسا” (Alexa) من أمازون، و”فيف” (Viv) من سامسونغ، و”كورتانا” (Cortana) من مايكروسوفت؛ بالإضافة إلى مساعد بحث غوغل (Google’s Search Assistant)(36). ومصطلح “بوت” هو اختصار لـ”روبوت”، ويمكن اعتباره روبوتًا غير مجسد، لأنه يوجد افتراضيًّا كبرمجية قادرة على التفاعل مع البشر(37). وحسب بول برادشو (Paul Bradshaw)، من جامعة برمنجهام سيتي، هناك ثلاثة أنواع من البوتات: أولًا: البوتات القادرة على تحديث الأخبار عبر منصات التواصل الاجتماعي عندما تتلقى معلومات جديدة من مصدر إخباري، ثانيًا: تلك التي تجيب عن أسئلة المستخدمين، ثالثًا: البوتات التي تقترح مقالات استنادًا إلى تساؤلات المستخدمين(38).

4. مستقبل الصحافة الإلكترونية مع الذكاء الاصطناعي

إن الحضور المتعاظم للذكاء الاصطناعي في قاعات تحرير الصحف الإلكترونية والورقية ينبئ بمستقبل رقمي للصحافة الإلكترونية لا مجال فيه للصحافيين التقليديين الذين يقضون جل أوقاتهم في كتابة وتحرير الأخبار التي ترد إليهم من مصادر مختلفة (تقليدية ورقمية)، لأن الخوارزميات المبنية على الذكاء الاصطناعي تقوم بهذا الدور بسرعة وتركيز كبيرين.

فما الذي يتبقى للصحافي من وظائف مستقبلية، وقد رأينا أن الذكاء الاصطناعي توغل في الكتابة الإخبارية والاستقصائية والتفاعل مع المستخدمين، فضلًا عن التعاطي مع الرسوم المعلوماتية؟ للإجابة عن هذا السؤال، يجب العودة إلى حقيقة أن الذكاء الاصطناعي مستمد من الذكاء البشري الطبيعي وامتداد له، الأمر الذي يبيِّن أن الحاجة إلى العنصر البشري تظل قائمة وثابتة، وما يتغير هو المؤهلات المطلوبة والأدوار الجديدة التي يجب القيام بها. ذلك أنه مهما تم من استغناء عمَّن يقوم بعمل حلَّت محله خوارزميات الذكاء الاصطناعي، فلا يمكن الاستغناء عمَّن يطور هذه الخوارزميات أو يديرها ويرصد إيجابياتها وسلبياتها ويتخذ بعض القرارات المهمة نيابة عنها، بسبب تعقيدات التواصل وارتباطه بالسياقات والبيئات الثقافية.

ويفرض الذكاء الاصطناعي المرتبط بالصحافة والممارسات الإعلامية تحديات كبرى على مؤسسات التكوين الإعلامي المعاصرة، لأنه يجبرها على إدماج المزيد من البرامج الدراسية المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات وتطبيقاتها الرقمية وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي الذي يمثِّل قمة الرقمنة. فلما تحولت كافة الأجهزة المستخدمة في العمل الإعلامي رقمية، وجلها أجهزة ذكية، وتوافرت البرمجيات التي تضع حلولًا لاحتياجات الإعلامي المهنية، وجب عليه أن يندمج في عوالم الرقمنة ويتعاطى مع تحديثاتها ويسهم في تطويرها. وبعد أن تحول أفراد الجمهور المتلقين للرسائل التواصلية الإعلامية إلى مستخدمين قادرين على التفاعل مع المحتوى وإنتاج محتوى يضاهيه، لابد للإعلامي أن يصبح أكثر معرفة ومهارة في توظيف الذكاء الاصطناعي توظيفًا فعالًا يجعل منه خبيرًا في مجاله وقادرًا على المواكبة المستقبلية.

لقد بدأت الإعلانات التجارية عبر الويب تتفوق على الإعلانات التقليدية (المنشورة عبر الصحف والمجلات والقنوات التلفزية) بفضل الذكاء الاصطناعي الذي يجعلها تستهدف المستخدمين الأكثر احتمالًا لاقتناء السلعة أو طلب الخدمة، وذلك من خلال معرفة الهوية الرقمية (Digital Identity) للمستخدم. ذلك أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها مؤسسات كبرى مثل غوغل وفيسبوك، لا تكتفي بمعرفة بيانات المستخدم بل تصل إلى صداقاته ومعارفه واهتماماته والمحتوى الذي يفضله وحالته العاطفية وتنقلاته وغيرها من السلوكات التي تحدد طبيعة الإعلان الذي يجب أن يتعرض له وفي أي وقت لضمان أكبر فرصة للتفاعل ومن ثم اتخاذ قرار باستهلاك السلعة أو الخدمة.

هذا النوع من الذكاء الاصطناعي الذي قاد إلى تحديد الهوية الرقمية للمستخدم، قادر على أن يقتحم مجال الصحافة الإلكترونية ليخلق نوعًا من التناغم والتكامل بين الصحافي (انطلاقًا من هويته الرقمية)، والناشر (انطلاقًا من هويته الرقمية المتمثلة في أجندته وسياساته التحريرية)، والإعلان (الذي يتخير مكانه وزمانه ضمن المحتوى)، والمحتوى (الذي يتم إعداده أخذًا في الاعتبار الهوية الرقمية للمستخدم)، والمستخدم (المستهدف من قِبَل كل ما سبق).

فعلى سبيل المثال، يستطيع الناشرون والصحافيون -استنادًا إلى معرفتهم للهوية الرقمية للمستخدمين التي يُزوِّدهم بها الذكاء الاصطناعي- محاكاة وقياس تأثير سرد قصصهم الإخبارية على المستخدمين وأصحاب المصلحة الآخرين، أثناء عمليات الكتابة والتحرير. وسوف يكونون قادرين على اختبار مدى فعالية القصص الإخبارية قبل نشرها، مثلما يفعل المعلنون الآن مع اختبارات المنتجات الجديدة. وهذا ما يفرض تحديات لمهنة الصحافة من حيث الأخلاقيات(39).

وتظل الحاجة إلى الصحافيين “الرقميين” القادرين على استيعاب الأدوار التي يمكن أن يقوم بها الذكاء الاصطناعي في العمل الصحافي، والقادرين على المساهمة في تطوير الذكاء الاصطناعي الصحافي. ويحتاج الصحافيون إلى التعاون مع علماء الحاسوب أو المبرمجين من أجل إنشاء خوارزميات لأغراض مختلفة تضمن المزيد من حضور الذكاء الاصطناعي في العمل الصحافي، ولكن يجب عليهم أيضًا تعلم كيفية التحقيق في أنظمة القرارات التي تتخذها خوارزميات الذكاء الاصطناعي، بشكل نقدي(40).

وبحسب نعوم لاتار (Noam Lemelshtrich Latar)، المختص في الصحافة الروبوتية، فإن الذكاء الاصطناعي سيحل محلَّ الصحافي ولكن ليس بالكامل. وهو متشائم تجاه مستقبل الصحافيين بسبب العامل الاقتصادي؛ ذلك أن الصحافة الروبوتية من وجهة نظر الاقتصاد فعالة للغاية بسبب ارتفاع تكلفة الصحافيين الجيدين. ويقول في هذا الشأن: “أخشى أن تؤدي الاعتبارات الاقتصادية في وسائل الإعلام إلى إجبار المزيد والمزيد من المؤسسات الإعلامية على استخدام الروبوتات بسبب مزايا التكلفة. كإنسان، آمل أن يتم تشغيل بعض الصحافيين من ذوي الجودة العالية في المؤسسات الإعلامية للتأكيد على أن الصحفي البشري هو دائمًا أفضل من الصحفي الآلي”(41). إن الدور الذي يقوم به الصحافي الكفؤ -في عصر الذكاء الاصطناعي- هو الاهتمام بسياقات المحتوى الإعلامي وتوضيح خلفياته وصولًا إلى المعنى، وترك التعاطي مع الدلالات المعجمية والأرقام والصور لخوارزميات الذكاء الاصطناعي(42).

وهناك من يرى أن أتمتة العمل الصحافي ما زالت في مراحلها الأولى على الرغم من الدور الحاسم الذي بدأت تقوم به خوارزميات الذكاء الاصطناعي في حراسة البوابة، من حيث تصنيف المعلومات التي تتدفق بغزارة. ودور حراسة البوابة هذا اقتضته الحاجة إلى الربح على حساب الجودة، بسبب تعذر توظيف جحافل من المحررين البشريين للتعاطي مع هذه المعلومات، أي إن المحررين الخوارزميين أُوجدوا ليبقوا، على الأقل لمساعدة الذكاء البشري(43). فقد تبيَّن إلى الآن أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال العمل الصحافي أقل ارتكابًا للأخطاء مقارنة بالصحافيين البشريين؛ الأمر الذي يدفع المؤسسات الإعلامية إلى زيادة الاعتماد على هذه التطبيقات مستقبلًا(44).

وثمة من يستشرف مستقبل أتمتة الصحافة باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي من خلال عمليتين: تفكيك المبادئ الأساسية للصحافة؛ وتقسيم العمل الصحافي إلى صناعة المعلومات الفعلية، والعمليات الدقيقة الهادفة للوصول إلى المصادر المفتوحة للمعلومات(45). أي إن هناك ضرورة لتقسيم العمل بين الصحافيين وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وصولًا إلى صحافة أكثر فعالية في تقديم المعرفة في عصر يتسم بالإغراق المعرفي.

إن التحول المستقبلي للصحافة نحو الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإخباري رهين بتوافر مجموعة من المؤهلات التي قد تفتقر إليها العديد من المؤسسات الإعلامية. فالأمر ليس مقتصرًا على الموقف الأخلاقي من استبدال ذكاء الصحافي بذكاء اصطناعي، أو بموقف من جودة منتج الذكاء الاصطناعي، ولكن بصعوبة توافر الإمكانيات المالية والتقنية اللازمة لاقتناء تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في العمل الصحافي، أو بسوء فهم لما يمكن أن يقوم به الذكاء الاصطناعي في المجال الصحافي، فضلًا عن صعوبة الحصول على الإعلاميين المختصين في الذكاء الاصطناعي لدى مؤسسات إعلامية صغيرة لا تستطيع منافسة المؤسسات الكبرى من حيث الإمكانيات المالية والبشرية(46).

5. الصحافة العربية والذكاء الاصطناعي

يختلف الحديث عن علاقة الصحافة العربية بالذكاء الاصطناعي مقارنة بنظيراتها في بيئات أخرى، بسبب الخصوصية السياسية والاجتماعية والإدارية التي تخلق عقبات جمة في طريق تطورها نحو الممارسة الإعلامية المتسمة بحرية التعبير وتقمُّص دور السلطة الرابعة. فقد رأينا، ضمن تناولنا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال الصحافي، أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تحصل على البيانات والمعلومات التي تستخدمها في كتابة القصص الإخبارية من المحتوى المتوافر عبر شبكة الويب بصفة عامة، وذلك المنشور عبر المواقع الرسمية للمؤسسات الحكومية وغير الحكومية بصفة خاصة. فما المتوافر عبر مواقع المؤسسات العربية حتى تستقي منه تطبيقات الذكاء الاصطناعي ما يفيدها في الكتابة الإخبارية؟ وهل يصلح المحتوى المتوافر عبر مواقع المؤسسات العربية للتعاطي معه آليًّا من حيث الجودة المتمثلة في دقة المعلومات وصدقها وخلوها من الأخطاء؟

تساؤلان قد تتوافر لهما الإجابة من خلال النظر في معاناة الصحافي العربي من أجل ممارسة حقه في الوصول إلى المعلومات، والتي يصعب الحصول عليها وإن توافر الاجتهاد والإلحاح في الطلب بسبب رسوخ البيروقراطية الإدارية التي تعتبر جل المعلومات العامة أسرار دولة يجب عدم إفشائها، فضلًا عن الاعتقاد بضرورة قَصْر دور الإعلام على المدح والترويج لما تجود به المؤسسات. أي إن البيئة التي تعمل فيها الصحافة العربية لا توائم عمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلا إذا اعتمدت هذه التطبيقات على المعلومات المتداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والتي يصعب الوثوق فيها بسبب تفشي ظاهرة الأخبار المزيفة التي تنشرها جهات منظمة يطلق عليها تسمية “الجيوش الإلكترونية” أو “الذباب الإلكتروني”، فضلًا عمَّا يتداوله عامة المستخدمين من إشاعات ومعلومات غير دقيقة.

لقد اتضح من خلال تجارب بعض المؤسسات الصحافية العالمية مدى أهمية الذكاء الاصطناعي للعمل الصحافي، والفوائد الكبيرة التي تجنيها تلك المؤسسات من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، من حيث الجوانب المالية، وتجويد العمل الصحافي، وتوظيف الموارد البشرية توظيفًا فعالًا للارتقاء بالعمل الصحافي وجعله مواكبًا لعصر الرقمنة. ولكي تلحق الصحافة العربية بالركب، عليها استيفاء مجموعة من الشروط، أبرزها ما يلي:

    الإيمان بأهمية الصحافة في إدارة الدولة الحديثة المواكبة لثورة الرقمنة؛ حيث ينعكس هذا الإيمان في تمكين الصحافة من الوصول إلى المعلومات بكافة الطرق التقليدية منها والحديثة المتمثلة في إتاحة الولوج إليها عبر شبكة الويب.

    الحيلولة دون انهيار المؤسسات الصحافية لحساب شبكات التواصل الاجتماعي من خلال توفير الدعم اللازم: كتوفير المناخ لحرية التعبير، وإلغاء القوانين والممارسات الرسمية التي تحوِّل الممارسة الصحافية إلى ممارسة خطرة، والنظر إليها نظرة عدائية.

    اهتمام المؤسسات العربية بصناعة المعلومات وتوفيرها للجميع في إطار الشفافية والحكم الرشيد قصد الولوج إلى مجتمع المعلومات.

    استقطاب المؤسسات الإعلامية العربية للموارد البشرية المختصة في الذكاء الاصطناعي وصحافة الروبوت، حتى تطوِّر ما يلزمها من تطبيقات متناغمة مع البيئة الصحافية وبيئة المستخدمين. فالمجال التداولي العربي له خصوصيات فيما يتعلق بإنتاج المعلومات واللغة المستخدمة في ترميزها (حيث يصعب استخلاص المعلومة من الخطاب والأسلوب السائدين)، والإحساس بلغة الأرقام وما تقتضيه من دقة ومباشرة.

    الاستثمار في الذكاء الاصطناعي الصحافي الذي ثَبَتَت مردوديته وربحيته الآنية والمستقبلية، علمًا بأن هذا الاستثمار يجب أن يكون ضمن شراكة بين المؤسسات الصحافية والمؤسسات الحكومية والخاصة.

    اهتمام مؤسسات التعليم والتدريب الإعلامي بضرورة إدراج برامج أكاديمية تهتم بالذكاء الاصطناعي الصحافي ابتداء من زيادة جرعة مقررات تكنولوجيا المعلومات ورقمنة الممارسات الإعلامية (الصحافة الإلكترونية والوسائط المتعددة وصحافة البيانات وصحافة المحمول) وصولًا إلى المقررات العملية في مجال الذكاء الاصطناعي الصحافي، وتأطير كل ذلك بالتعرُّف على فلسفة التواصل الرقمي وفعاليته.

    إجراء البحوث المعمقة التي تتغيَّا معرفة مدى استعداد البيئة العربية لتقبُّل صحافة الذكاء الاصطناعي، وتدرس سلبيات هذا النوع من الصحافة لتفاديها، مع التركيز على ضرورة تجنب إحلال الذكاء الاصطناعي محلَّ الصحافيين، خاصة أن مختلف الظروف الراهنة تميل نحو تنفيرهم من العمل الصحافي بسبب الفوضى الإعلامية التي خلقها تعاطي المستخدمين العرب مع شبكات التواصل الاجتماعي. وتفيد هذه البحوث في تزويد المختصين العرب في مجال الذكاء الاصطناعي بفهم عميق للخصوصية التداولية العربية التي تقتضي تطوير خوارزميات قادرة على التنقيب عن البيانات والمعلومات التي تصلح لكتابة قصص إخبارية صالحة للنشر وفق معايير جودة إعلامية عالمية.

خاتمة

إن الحديث عن مستقبل صحافة الذكاء الاصطناعي مرتبط بالفرضية التي تسير نحو التحول إلى مسلَّمة مفادها أن صحافة المستقبل تكمن في صحافة إلكترونية رقمية تتخذ من الويب، أو من تقنيات التواصل الرقمي الأكثر تطورًا في المستقبل، فضاء للنشر؛ حيث تتوارى الصحافة الورقية يومًا بعد يوم بسبب التحول الجماعي لجل سكان العالم نحو تلقي المعرفة وتداولها عبر الشاشات الرقمية. ذلك أن الذكاء الاصطناعي الصحافي المستقبلي لن ينحبس ضمن جدران المعرفة الرقمية المتاحة عبر الشبكات، بل سينفذ كذلك إلى البيانات التناظرية التي ترصدها إنترنت الأشياء والروبوتات التقليدية والنانوية والكاميرات التي ترصد الفضاءات العامة وتصورها على مدار الساعة، فيتم تحويلها إلى بيانات رقمية يمكن أن تشكِّل مادةً خامًا لقصص إخبارية لا قِبَل للصحافيين بها. ذلك أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصحافي تبدو أكثر قدرة على التكيُّف مع المعرفة الرقمية مقارنة بالصحافيين الذين بنوا تميُّزَهم من قدرتهم على تغطية الأحداث الحية، وقدرتهم على العمل كمرآة للمجتمع تعكس ما يدور فيه، قبل أن تتحول المجتمعات -بفعل الثورة الرقمية- إلى مجتمعات معرفة رقمية تتدفق فيها البيانات بوتيرة لا قِبَل لتتبعها لأي عدد كان من المراسلين والمحررين الصحافيين. فبينما كان اهتمام الصحافيين ينصبُّ على أنشطة الفاعلين المجتمعيين، أتاحت الثورة الرقمية لغالبية سكان العالم أن يصبحوا فاعلين في الحياة العامة وفاعلين إعلاميًّا عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ولا غرو أن تفوق أنشطتهم قدرة الصحافيين التقليديين على تتبعها، لتنبري لها -باقتدار- تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

رأينا كيف تباينت الآراء حول مستقبل الصحافيين في ظل تنامي تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصحافي، ما بين متحمس لهذه التطبيقات متنبئ بقدرتها على الإحلال محلَّ الصحافيين، وناكر لقدرتها على أن تشكِّل بديلًا للصحافي الذي يغطي الأحداث على أرض الواقع ويتفاعل مع صنَّاع الأحداث، ومن يرى أن هذه التطبيقات قادرة على القيام بدور تكاملي مع الصحافيين: ترفع عن كواهلهم الأعمال الصحافية الروتينية. وبدورنا، نرى أن مستقبل صحافة الذكاء الاصطناعي مشرق ومواكب لتطور الذكاء الاصطناعي في كافة المجالات، وقد نجح في القيام بأدوار معقدة لم يكن يدور بالخلد أن ثمة آلة تستطيع أن تقوم بها.

ويشير الكثير من الأدلة إلى أن نتيجة السباق بين الذكاء الصحافي البشري ونظيره الاصطناعي تقتضي أن يبذل الصحافي قصارى جهده لكي يحافظ على دوره عبر التخلي التدريجي عن المهام الصحافية التقليدية، وإيجاد مهام جديدة أكثر عمقًا وتأثيرًا في المجتمع. مهام معززة بالذكاء الاصطناعي، تجعل الصحافي أكثر قدرة على التعاطي مع التعقيدات المجتمعية الناتجة عمَّا يمكن تسميته بـ”الانفجار التواصلي”؛ حيث يتواصل الجميع: البشر والأشياء والطبيعة عبر شبكات لا حصر لها. مهام تزيد من جرعات البحث العلمي في الممارسة الصحافية، وتزيد من الخبرات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية والسيكولوجية لدى “الصحافي الجديد” المواكب للإعلام الجديد والتواصل المتجدد.

تضع تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصحافي تحديًا مستقبليًّا أمام المؤسسات الصحافية التقليدية، ومؤسسات التعليم والتكوين الإعلامي والتواصلي، والمؤسسات الحكومية والخاصة ومؤسسات المجتمع المدني، وتدفعها إلى التخلي عن ممارساتها التقليدية التي كانت تناسب مجتمع ما قبل الرقمنة: عندما كانت المعرفة تُحتكر، والصحافي حارسًا للبوابة المعرفية، والمؤسسة تتحكم في تدفق المعلومات من خلال قوانينها ولوائحها. فلابد من قبول هذا التحدي، والسعي لتعزيز الذكاء الاصطناعي في كافة الفضاءات التواصلية، من أجل استدامة التطور والتناغم. 

نشرت هذه الدراسة في العدد الحادي عشر من مجلة لباب، للاطلاع على العدد كاملًا (اضغط هنا)

نبذة عن الكاتب

محمد الأمين موسى

أستاذ الصحافة الإلكترونية المشارك بقسم الإعلام- جامعة قطر.

مراجع

(1) Sharon Pian Chan, The Future of Journalism: A Report on the Aspen Institute Dialogue on the Future of Journalism (Washington: The Aspen Institute, 2017), 7.

(2) وليد عبد الحي، مناهج الدراسات المستقبلية وتطبيقاتها في العالم العربي، ط 1 (أبوظبي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2007)، ص 106.

(3) Marvin Minsky, “The machine of emotions: Common Sense, artificial intelligence and the future of the human mind (Barcelona: Random House Mondadori, 2010) in I. Salazar, “Robots and Artificial Intelligence. New challenges of journalism,” Doxa Comunicación, 27, (2018): 295-315.

(4) Javier Andreu Perez et al., “Artificial Intelligence and Robotics,” UK-RAS Network, March 28,  2018, “accessed January 9, 2021”. https://bit.ly/2SW2yEJ.

(5) Noam Lemelshtrich Latar and David Nordfors, “Digital Identities and Journalism Content: How Artificial Intelligence and Journalism May Co-Develop and Why Society Should Care,” Innovation Journalism, 6, 6, (November 11, 2009): 11.

(6) Kasem. A and Wannet. K.C.M.E., “What is (New)s? Scenarios for the future of journalism,” journalism2025, (Amsterdam: SVDJ, 2015), 44, “accessed February 5, 2021”. https://bit.ly/3ht1ouk.

(7) Matt Carlson, “The Robotic Reporter: Automated journalism and the redefinition of labor, compositional forms, and journalistic authority,” Digital Journalism, 3, 3, (2015): 416, “accessed February 5, 2021”. https://bit.ly/3tMPoGM

(8) Andreas Graefe, “Guide to Automated Journalism,” Columbia Journalism School, Tow Center for Digital Journalism, (January 2016): 17, “accessed February 4, 2021”. https://bit.ly/3ofRs92.

(9) Miguel Túñez-López et al., “Automation, bots and algorithms in news making. Impact and quality of artificial journalism,” Revista Latina de Comunicación Social, 74 (2019): 1415, “accessed February 4, 2021”. https://bit.ly/3tTA5Md.

(10) Noam Latar, “The Robotic Journalist in The Age of Social Physics: The End of Human Journalism?,” in The New World of Transition Media, ed. Einav. G (Swiss: Springer International Publishing, Jan 2015): 7, “accessed February 5, 2021”. https://bit.ly/3ojCkY3.

(11) Andrey Miroshnichenko, “AI to Bypass Creativity: Will Robots Replace Journalists? (The Answer Is “Yes”),” Information 9, 183 (2018): 3, “accessed January 15, 2021”. https://bit.ly/2Ql2a1v.

(12) Christer Clerwall, “Enter the Robot Journalist: Users’ perceptions of automated content,” Journalism Practice, 8:5 (2014): 526, “accessed February 4, 2021”. https://bit.ly/3hoKEEF.

(13) Corinna Underwood, “Automated Journalism: AI Applications at New York Times, Reuters, and Other Media Giants,” EMERJ, “accessed January 16, 2021”. https://bit.ly/3ygsQBt.

(14) Carl-Gustav Lindén and Hanna Tuulonen, “News Automation: The Rewards, Risks and Realities of ‘Machine Journalism’,” WAN-IFRA, (March 2019): 7, “accessed February 5, 2021”. https://bit.ly/3eQdGuY.

(15) Idoia Salazar, “Robots and Artificial Intelligence: New challenges of journalism,” Doxa Comunicación 27 (2018): 311 “accessed June 26, 2020”. https://bit.ly/3bvpUr7.

(16) Bernard Marr, “Artificial Intelligence Can Now Write Amazing Content- What Does That Mean For Humans?,” Forbes, (Mar, 29, 2019), “accessed January 18, 2021”. https://bit.ly/3uVDxYo.

(17) Bernard Marr, “Press Association: Using Artificial Intelligence And NLG To Automate Local News,” Bernard Marr & CO., “accessed January 18, 2021”. https://bit.ly/3w78kRZ. 

(18) Miroshnichenko, “AI to Bypass Creativity,”: 8.

(19) Mike Scott, “Developing WordSmith”, International Journal of English Studies, Vol.8, 1 (2008): 95-106.

(20) Lance Ulanoff, “Need to Write 5 Million Stories a Week? Robot Reporters to the Rescue,” Mashable, “accessed January 19, 2021”. https://bit.ly/3ohkXqQ.

(21) Miroshnichenko, “AI to Bypass Creativity,”: 9.

(22) Chloe Young and Scott R. Stroud, “Can Artificial Intelligence Reprogram the Newsroom?,” Center of Media Engagement, “accessed January 19, 2021”. https://bit.ly/3uP1qRj.

(23) Mikael Törnwall, The future of journalism in a Networked Society: Exploring potential new business models and smarter journalism for the digital era, (Stockholm: Ericsson Networked Society Lab, 2017), 10, “accessed February 5, 2021”. https://bit.ly/2Rda2mg.

(24) Francesco Marconi, Alex Siegman and Machine Journalist, “The Future of Augmented Journalism: A guide for newsrooms in the age of smart machines,” The Associated Press, (2017), 17, “accessed February 5, 2021”. https://bit.ly/2ReduNs.

(25) Corinna Underwood, “Automated Journalism – AI Applications at New York Times, Reuters, and Other Media Giants,” EMRJ, (November 17, 2019), “accessed February 8, 2021”. https://bit.ly/3ygsQBt.

(26) “Quakebot,” Latimes, “accessed January 22, 2021”. https://lat.ms/3ok4Fhd.

(27) “What is the Quakebot and how does it work?,” Latimes, “accessed January 22, 2021”. https://lat.ms/3yfrqYb.

(28) Matt Novak, “Robot Journalist Accidentally Reports on Earthquake from 1925,” GIZMODO, (22 June 2017), “accessed January 22, 2021”. https://bit.ly/3eP3anX.

(29) “The Coral Project is Moving to Vox Media”, Mozilla, (January 22, 2019), “accessed January 22, 2021”. https://mzl.la/3ht2DcY.

(30) Trent Erickson, “Will Comment Sections Fade Away, or be Revived by New Technologies?,” Media Shift, (19 January, 2018), “accessed January 22, 2021”. https://bit.ly/2Ql33Hn.

(31) “Get Started”, Coral, “accessed January 23, 2021”. https://coralproject.net/.

(32) Evgeny Morozov, “A Robot Stole My Pulitzer! How automated journalism and loss of reading privacy may hurt civil discourse,” Slate, (19 March, 2012), “accessed January 23, 2021”. https://bit.ly/2Rdaq4c.

(33) “Quill: How it Works?,” Narrative Science, “accessed January 23, 2021”. https://narrativescience.com/quill/.

(34) Meredith Broussard, “How Artificial Intelligence Helped Me Investigate Textbook Shortages,” American Journalism Review, (24 October, 2014), “accessed January 23, 2021”. https://bit.ly/3wltSdZ.

(35) Christina Mayr, “When Robots write Articles: Capabilities and Consequences of Algorithmic Journalism”, academia, (August 2017), 14, “accessed February 5, 2021”. https://bit.ly/3btM1hA.

(36) Philip N. Howard, et al., “Algorithms, bots, and political communication in the US 2016 election: The challenge of automated political communication for election law and Administration,” Journal of Information Technology & Politics, 15:2, (2018), “accessed February 5, 2021”. https://doi.org/10.1080/19331681.2018.1448735.

(37) Mayr, “When Robots write Articles,”: 14.

(38) Meredith Broussard, “Artificial Intelligence for Investigative Reporting: Using an expert system to enhance journalists’ ability to discover original public affairs stories,” Digital Journalism, Vol.3, Issue 6, (2015): 818, “accessed January 23, 2021”. https://bit.ly/3yfPr0W 

(39) Noam Lemelshtrich Latar and David Nordfors, “The Future of Journalism: Artificial Intelligence and Digital Identities,” citeseerx, (February 2011): 22, “accessed January 26, 2021”. https://bit.ly/3btnBom.

(40) Carl-Gustav Lindén, “Algorithms for journalism: The future of news work,” The Journal of Media Innovations, 4.1 (2017): 72. “accessed January 26, 2021”. https://bit.ly/3wKkP6z.

(41) Noam Lemelshtrich Latar, “Will Robot Journalists Replace Human Ones?,” Knowledge@Wharton, (28 March, 2014), “accessed January 27, 2021”. https://whr.tn/3fdfz3S.

(42) Bregtje Van Der Haak et al., “The Future of Journalism: Networked Journalism,” International Journal of Communication, 6 (2012): 2935.

(43) Jason Whittaker, Tech Giants, Artificial Intelligence, and the Future of Journalism (New York: Routledge, 2019), 171.

(44) Arya M R et al., “Automated Journalism; A Study on Selection of News Stories Based on Individual Priority,” International Journal of Innovative Technology and Exploring Engineering, Vol. 8 Issue. 7S2, (May 2019): 257.

(45) Carl-Gustav Lindén, “The Bright Future of News Automation,” CEUR-WS, “accessed February 4, 2021”. https://bit.ly/3yA6sTZ.

(46) Nic Newman et al., “Journalism, Media, and Technology Trends and Predictions 2020,” Reuters Institute for the Study of Journalism, (January 2020): 23-24, “accessed February 6, 2021”. https://bit.ly/3fh

 ( الجزيرة )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube