https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

هنالك عدد من أوجه الشبه المحزنة يمكن إيجادها في الطريقة التي تعاملتبها واشنطن مع رفع سقف الدين وتجنب كارثة مالية، والطريقة التي تعاطت بهاالولايات المتحدة عموماً مع الجهود الرامية إلى التوصل إلى سلام إسرائيلي – فلسطيني. فعندما خفضت وكالة “ستاندرد آند بورز” التصنيف الائتماني للسنداتالأميركية، كان من بين الأسباب الرئيسية التي أشارت إليها لتفسير هذاالقرار، الاختلالات التي شهدها العالم في الطريقة التي أعاقت بها الحياةالسياسية في واشنطن لصنع القرار. ذلك أن عدم القدرة على التوصل إلىالتوافقات اللازمة لمعالجة أزمة البلاد المالية هز الثقة؛ ونتيجةلـ”التصعيد السياسي” الذي ساد في واشنطن خلال الأشهر الأخيرة، رأت “ستاندردآند بورز” أن النظام “معطل”، مجادلة بأن المواجهة الحزبية “ليست طريقةجادة لإدارة بلاد ما”. لقد كان ذلك مشهداً محزناً بكل المعايير! فمن جهة،كان هناك الرئيس الذي كان مستعدّاً للتوافق من أجل التوصل إلى “صفقة كبرى” كانت ستؤدي إلى خفض للإنفاق بـ4.3 تريليونات دولار على مدى عشر سنوات. ولكنلأن مخطط الرئيس كان يشتمل على بعض الزيادات في العائدات، رفض الجمهوريونالمقترح ورفضوا التفاوض حول أي مخطط قد يجمع بين تخفيضات في الإنفاق وأيشكل من أشكال الزيادة في الضرائب. وكانت النتيجة لعبة شبه قاتلة في وقت يمرفيه الزمن ويقترب موعد نفاد أموال الولايات المتحدة وقدرتها على اقتراضالمال من أجل تسديد فواتيرها. وفي نهاية المطاف، استسلمت الإدارة وتمالتوصل إلى نوع من التوافق الذي يشمل تخفيضات محدودة في الإنفاق فقط، بينماقامت بإرجاء اتخاذ القرارات الصعبة وأوكلت أمرها إلى لجنة في الكونجرسمؤلفة من الحزبين ستكون احتمالات نجاحها محدودة بالقيود الإيديولوجية نفسهاالتي شاهدناها للتو في واشنطن. وهكذا، بالنظر إلى هذه المواجهة بين “الكلأو لا شيء” والاستعداد للتوافق، أظهرت “ستاندرد آند بورز” فقدان الثقة فيقدرة واشنطن على ترتيب بيتها المالي عبر خفض التصنيف الائتماني لسنداتالولايات المتحدة. والواقع أن السيناريو نفسه تقريباً شاهدناه في المقاربةالأميركية تجاه السلام الإسرائيلي- الفلسطيني، الذي بلغ ذروته في “صراعنتنياهو/ أوباما ” الدراماتيكي الذي حدث أواخر مايو الماضي. والذي كانمشهداً محزناً ومقلقاً. ففي المشهد الأول، وإدراكاً منه بأن الوقت يمربسرعة بخصوص إمكانية التوصل إلى حل دولتين متفاوض حوله للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، وضع أوباما في خطاب 19 مايو ما كان بكل المقاييس محدِّدامتواضعاً -فكرة أن “حدود 1967، مع عمليات تبادل للأراضي متفق عليها” ينبغيأن تكون أساس أي اتفاق سلام إسرائيلي- فلسطيني. بيد أن إسرائيل ومؤيديها فيواشنطن لم يرفضوا الخطاب فقط، وإنما رفعوا قفاز التحدي المباشر أمامالرئيس؛ حيث ذهب نتنياهو إلى البيت الأبيض و”ألقى محاضرة” على أوباما حولعدم إمكانية قبول المحدد الذي وضعه الرئيس الأميركي. وبعد ذلك، قبل دعوة منالزعامة الجمهورية في الكونغرس لإلقاء خطاب في جلسة مشتركة لمجلسيالكونغرس، حيث بالغ مرة أخرى في تحدي أوباما واستقبل بتصفيقات حارة متكررةمن قبل أعضاء كلا الحزبين. وكان تأثير هذا “التأديب” من قبل الكونغرسللرئيس بدعم موقف زعيم بلد أجنبي صادماً بالنسبة لبقية العالم، حيث كشف عنالطبيعة المختلة للحياة السياسية الحزبية المتعصبة في واشنطن، وعدم قدرةالولايات المتحدة على طرح ولو تحد متواضع أمام إسرائيل. وكل هذا أدى فيالأخير إلى فقدان للثقة في قدرة أميركا على ممارسة زعامة مستقلة وقويةسعياً وراء تحقيق السلام. والواقع أن السياسة هي التي تتحمل المسؤولية فيكل من طريقة التعامل مع سقف الدين وعرقلة جهود الرئيس الرامية إلى صنعالسلام. ذلك أن الطريقة التي انتصر بها لعب السياسة على حل المشاكل بطريقةعقلانية هي التي: وضعت عراقيل في طريق إيجاد حلول حقيقية لمسائل جادة تتعلقبالدولة، وأخذت أميركا والعالم إلى شفا الأزمات من دون الانتباه إلى عواقبمثل هذه التصرفات الطائشة؛ وهزت ثقة العالم في قدرة الولايات المتحدة علىالتحرك بشكل فعال وحاسم لتلافي الكارثة، وأدت في الأخير إلى خفض التصنيفالائتماني للولايات المتحدة ومكانتها كقوة عظمى تحظى بالتقدير والاحترام. والأمر المأساوي والمغضب في آن واحد، هو طريقة رد فعل الجمهوريين علىالإصابات التي ألحقناها بأنفسنا. فعندما أفرج عن نتائج استطلاع الرأي الذيأجري مؤخراً حول مواقف العالم العربي تجاه الولايات المتحدة لأول مرة، كانتبعض المطبوعات المحافظة مبتهجة لتلك النتائج. ذلك أنها من البداية وهيترغب في أن يفشل أوباما في جهوده الرامية لوقف الأضرار التي تسببت فيهاإدارة بوش عبر الشرق الأوسط وتغيير علاقة أميركا مع العالمين العربيوالإسلامي. ولأنها كانت تعاني من عمى سببه مقاربة المحافظين الجدد تجاهالمنطقة، فقد أرادت أن تستمر في السياسات نفسها التي حفرت في طريقها حفراًعميقة، وربما حفرها بشكل أعمق هذه المرة. فابتهجت للمعدلات المتدنية التيأعطيت لأوباما باعتبارها مؤشراً على أن جهودها الرامية إلى إعاقة مبادراتهوإضعافها بدأت تنجح. وبالمثل، استقبلت هذه المطبوعات قرار “ستاندرد آندبورز” القاضي بخفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة، ليس كاتهام لعنادهاوتصلبها، بل كعصا يمكن أن تستعملها لضرب الرئيس. ولكن بقيامها بذلك تناستحقيقة أن 80 في المئة من الدَّين الحالي الذي تواجهه الولايات المتحدة إنماكان نتيجة سياسات فاشلة تبنتها ودافعت عنها خلال سنوات بوش. وهنا أيضاً،كان ردها هو اقتراح مزيد من التخفيضات الضريبية وتعميق للحفر التي كانت قدحفرتها. والحال أنه إذا كان يراد لأميركا أن تستعيد ثقتها، سواء في قدرتهاالمالية أو قدرتها على إظهار زعامة بناءة بحثاً عن السلام، فإنه يجب وضع حدلهذا الاستقطاب والاختلال الحزبي. ولا بد من تغيير جذري في الاتجاه!

السفير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube