https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

هذا المقال لاحد الكتاب اليابانيين المشهورين  ، يفضح  ارتهان السياسة اليابانية لواشنطن ، ويكشف ازداجية معايير طوكيو حيال حقوق الانسان

مياغي تايزو – كاتب وسياسي  ياباني ]

 حدد الكتاب الأزرق الدبلوماسي الأول لليابان، والذي نُشر في عام 1957، ثلاثة مبادئ إرشادية للسياسة الخارجية اليابانية في فترة ما بعد الحرب: (1) الدبلوماسية المتمركزة حول الأمم المتحدة، (2) الهوية عند التعامل مع العالم الحر، (3) الهوية عند التعامل مع مجتمع شرق آسيا. تضمّن المبدأ الأول الالتزام بالمعايير الدولية التي تدعمها الأمم المتحدة، بما في ذلك تلك المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والثاني يعني التضامن مع الولايات المتحدة وبقية الكتلة الغربية في سياق الحرب الباردة، أما المبدأ الثالث فقد دعا إلى بناء علاقات إقليمية قوية تتجاوز العداوات المتجذرة في سياسات الإمبراطورية اليابانية. إن تاريخ الدبلوماسية اليابانية خلال معظم حقبة ما بعد الحرب هو قصة نضال الحكومة للبحث عن مسار يتوافق مع هذه الضرورات التي تتضارب مع بعضها البعض في كثير من الأحيان، ولذا يجب أيضًا النظر إلى موقف اليابان من قضايا حقوق الإنسان في هذا السياق.

المثل العليا لحقبة ما بعد الحرب وحقائق الحرب الباردة

بقدر ما يمكن التأكد منه، فإن أول ظهور لكلمة جينكين، أو ”حقوق الإنسان“، في الصحف اليابانية بعد الحرب كان في مقال نُشر في أساهي شيمبون يوم استسلام اليابان 15 أغسطس/آب 1945، وكان هذا في سياق الحديث عن انضمام اليابان إلى بنود إعلان بوتسدام، حيث أشار المقال إلى البند الذي ينص على ”وجوب ترسيخ حرية الدين والفكر، وكذلك احترام حقوق الإنسان الأساسية“.

أما ما تلا ذلك من إشارات في الصحف عن حقوق الإنسان أثناء الاحتلال الأمريكي (1945-1952) والسنوات الأولى من حقبة ما بعد الحرب فقد تركّز في الغالب على اليابان، إذ كانت تعكس روح العصر الإصلاحي المؤيد للديمقراطية في تلك الحقبة، وقد تراوحت بين إدانة حكومة ما قبل الحرب وحكومة الحرب (بما في ذلك انتهاكات الشرطة السرية التي كانت تُعرف باسم توكو، إلى رسائل للمحرر تدين القمع المستمر للمرأة في المنزل.

لقد التزمت المبادئ المنصوص عليها في إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان المعتمد عام 1948، بمكانة القانون الدولي في عام 1976، عندما دخل العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حيز التنفيذ. صدّقت اليابان على كلتا المعاهدتين في عام 1979 (مع إبداء تحفظات على أحكام معينة، مثل حق موظفي الخدمة المدنية في الإضراب).

ومع ذلك، كانت السياسة الخارجية اليابانية صامتة إلى حد كبير في مواجهة انتهاكات حقوق الإنسان في أماكن أخرى من شرق آسيا. فخلال سنوات الحرب الباردة، كان هذا الفشل واضحًا بشكل خاص في تعاملات طوكيو مع ”الدول التنموية“ في شرق آسيا، وعلى الأخص إندونيسيا وكوريا الجنوبية.

قتل جماعي في إندونيسيا بدوافع سياسية

كان الرئيس الإندونيسي سوكارنو بطلاً قومياً قاد الأمة منذ إعلان استقلالها في عام 1945. في الستينيات، ومع اشتداد الحرب الباردة، عزز سوكارنو العلاقات مع الكتلة الشيوعية، وبحلول منتصف الستينيات، تحول موقفه بشكل جذري ليصبح من أشد المعادين للكتلة الغربية. حيث دعا إلى إنشاء محور بكين-جاكرتا، وأعلن انسحاب إندونيسيا من الأمم المتحدة ”التي يهيمن عليها الإمبرياليون“ في يناير/كانون الثاني 1965.

كانت اليابان في ذلك الوقت لا تزال تتمتع بعلاقات وثيقة نسبيًا مع سوكارنو، وذلك بفضل تعويضات الحرب السخية وحقيقة أن الزوجة الثالثة لسوكارنو، ديوي، ولدت في اليابان. فعلت طوكيو ما في وسعها لحث سوكارنو على العودة إلى مسار أكثر اعتدالًا، ولكن دون تحقيق نجاح يذكر. بعد ذلك، انقلبت الأمور ضد سوكارنو في أعقاب انقلاب فاشل تم فيه اختطاف واغتيال عدد من كبار ضباط الجيش. ألقى اللواء سوهارتو، الذي قمع الانقلاب، باللوم على الحزب الشيوعي الإندونيسي وهو أكبر حزب خارج الكتلة الشرقية، إذ يبلغ عدد أعضائه حوالي 3 ملايين عضو فضلاً عن العديد من مناصري الحزب.

أطلقت حركة 30 سبتمبر/أيلول، كما كان يُطلق على الانقلاب، حملة تطهير مناهضة للشيوعية داخل كل من الحكومة والجيش تسعى إلى تحويل السلطة السياسية الفعلية من سوكارنو إلى سوهارتو. كما أشعلت موجة من العنف وصفتها وكالة المخابرات المركزية بأنها من أسوأ موجات العنف السياسي في القرن العشرين.

تصاعد العداء تجاه الشيوعيين لبعض الوقت بين العناصر المحافظة واليمينية المهددة بالإصلاح الزراعي. بعد الانقلاب الفاشل، قام سوهارتو وقواته بتأجيج هذه المشاعر والدفع في اتجاه رد فعل عنيف لا يستهدف أعضاء الحزب فحسب، بل يستهدف أيضًا الآلاف من المتهمين بالتعاطف مع الشيوعية. وفقًا لتقديرات الحكومة الإندونيسية، قُتل حوالي 600 ألف شخص في غضون بضعة أشهر بين أكتوبر/ تشرين الثاني 1965 وأوائل عام 1966.

كانت طوكيو على علم بالمذبحة، إذ تشير إحدى الوثائق الداخلية لوزارة الخارجية إلى حادثة طوقت فيها مجموعة من القوى المناهضة للشيوعية حياً سكنياً. وبحسب التقرير، فتح الجنود النار وأحرق المدنيون القرية بالكامل مما أسفر عن مقتل حوالي 7000 شخص. ومع ذلك، فإن الحكومة اليابانية بالتنسيق الوثيق مع واشنطن غضّت الطرف عن تلك الفظائع، وعندما اعتُبر الوقت مناسبًا، بدأت في توجيه المساعدات إلى قوات سوهارتو.

بمجرد أن تمكن سوهارتو من السيطرة الفعلية، غيّرت الحكومة الإندونيسية مسارها الدبلوماسي فجأة وبدأت في تنمية العلاقات مع الولايات المتحدة واليابان. في أغسطس/ آب 1967، انضمت إندونيسيا إلى الفلبين وماليزيا وسنغافورة وتايلاند لتأسيس رابطة دول جنوب شرق آسيا، مما مهد الطريق لصعود إندونيسيا كدولة تنموية في ظل نظام سوهارتو الجديد.

أي شخص لديه معرفة عابرة بجنوب شرق آسيا يعرف عن الإبادة الجماعية في كمبوديا برئاسة بول بوت. لكن في اليابان، نادراً ما يسمع المرء إشارة إلى سياسة الحديد والنار التي بُني عليها النظام الجديد في إندونيسيا. لقد كان فصلًا مأساويًا في تاريخ الدبلوماسية اليابانية إبان الحرب الباردة، مما يعني أنه حتى القتل الجماعي يمكن التغاضي عنه في الحرب ضد الشيوعية.

كوريا الجنوبية واختطاف كيم داي جونغ

تركز الجدل الدبلوماسي في حقبة الحرب الباردة على نظام بارك تشونغ هي في كوريا الجنوبية، الذي استولى على السلطة في انقلاب عسكري عام 1961. حيث تعرضت سياسات بارك القمعية لانتقادات حادة من الصحفيين والمثقفين اليابانيين، لكن طوكيو وواشنطن اعتبرتا النظام حليفًا مهمًا في الحرب الباردة.

على الرغم من جهود بارك لقمع المعارضة، إلا أن الإصلاحي الشهير كيم داي جونغ (الذي أصبح فيما بعد رئيسًا) اقترب من إلحاق الهزيمة به في الانتخابات الرئاسية في كوريا الجنوبية عام 1971. بعد إعلان بارك الأحكام العرفية في العام التالي، هرب كيم إلى اليابان حيث قام بحملة من أجل الإصلاح الديمقراطي في المنفى. في أغسطس/ آب 1973، عندما كان كيم يغادر اجتماعا في فندق بوسط طوكيو، اختطفه عملاء المخابرات الكورية الجنوبية في وضح النهار. احتجت الحكومة اليابانية بصوت عالٍ على هذا التعدي على سيادتها، ومع ذلك تمت تسوية النزاع بوعد من سيول بالتحقيق في الحادث من جانبها.

ذات مرة تحدث معي ياماساكي تاكو، الأمين العام السابق للحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم، حول ردود الفعل على اختطاف كيم داي جونغ داخل الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم. في اجتماع لـ Seirankai، وهو مؤتمر حزبي يميني كان ياماساكي ينتمي إليه في ذلك الوقت، ابتهج عضو بارز علنًا باختطاف كيم وتوقع أن يُقتل على أساس أنه كان، في كل الأحوال، متعاطفًا مع الشيوعية، وبالتالي فهو عدو يستحق الموت. مما دفع ياماساكي إلى الاستقالة من Seirankai احتجاجًا على ذلك.

من الواضح أنه لم يشارك جميع أعضاء الحزب الليبرالي الديمقراطي في مناهضة الشيوعية الشرسة أسوةً بالأعضاء اليمينيين في الحزب. ولكن عندما أُجبرت الحكومة اليابانية على الاختيار بين الدفاع عن حقوق الإنسان أو دعم القوى المعادية للشيوعية، اختارت الخيار الأخير بشكل شبه دائم. في هذا الصدد، كانت سياستها الخارجية متماشية مع الاستراتيجية الجيوسياسية لحليفها الكبير في الحرب الباردة، الولايات المتحدة، التي كانت على أتم استعداد لدعم الديكتاتوريات العسكرية الأكثر وحشية في جميع أنحاء العالم إذا اعتبرتها حليفةً لها في حربها ضد الشيوعية.

”القيم الآسيوية“ ومعضلة تيانانمن

بحلول أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، حوَّل النمو السريع والتنمية منطقة شرق آسيا إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي العالمي. وقد عمل الشعور القوي بالفخر الإقليمي والثقة بالنفس على ظهور حركة تدعو إلى تبني ”القيم الآسيوية“ كبديل صالح للتأكيد الغربي على الحقوق والحريات الفردية، وكان أكثر مؤيدي هذه الفكرة رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد الذي آمن بأن ”معجزة“ شرق آسيا قامت على أخلاقيات تشدد على انسجام الأسرة أو الشركة أو الأمة على حساب الحرية الشخصية.

وقد نشأ تيار فكري مماثل في اليابان، جزئيًا كرد فعل على وابل من الانتقادات من الولايات المتحدة. فمع ازدهار الاقتصاد الياباني، تصاعدت التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، وكانت اليابان تحت ضغط شديد لفتح أسواقها. كما كانت أيضًا موضوعًا للكثير من التحليلات التي ركزت على أنظمتها الاجتماعية ”الفريدة“ والتي كان الدافع وراءها أن اليابان كانت بلدًا منغلقًا وغريبًا تحكمه حكومة ديمقراطية ظاهريًا (يسيطر عليها حزب واحد) وله نظام اقتصادي كان رأسماليًا بالاسم فقط. وردًا على ذلك، قام بعض العلماء والنقاد اليابانيين بالدفاع عن تلك الأنظمة وما يسمى بالقيم الآسيوية بشكل عام.

عندما اندلعت حادثة ميدان تيانانمين في يونيو/ حزيران 1989، أجمعت الديمقراطيات الغربية الرائدة على إدانة قمع الحكومة الصينية العنيف للمتظاهرين المؤيدين للديمقراطية. على النقيض من ذلك، لم تكن لدى اليابان رغبة في إلقاء اللوم أو فرض عقوبات على الصين. وهنا شكك الكثيرون فيما إذا كانت اليابان، بالنظر إلى تجاوزاتها السابقة، في وضع يسمح لها بوعظ الصين بشأن حقوق الإنسان. أما في الدوائر السياسية والتجارية، فقد كان الرأي السائد هو أن استقرار الصين ذا أهمية قصوى.

.

شينزو آبي ودبلوماسية القيم

كما يوحي ما سبق، فإن السياسة الخارجية لليابان خلال معظم فترة ما بعد الحرب كافحت دون جدوى للتوفيق بين التزامها بالمعايير الدولية التي تدعمها الأمم المتحدة والضرورات الدبلوماسية اليابانية الأكثر إلحاحًا، وبالتحديد التنسيق مع استراتيجية واشنطن للحرب الباردة بالتزامن مع تقوية العلاقات مع دول أخرى في شرق آسيا. وكانت النتيجة سياسة خارجية تفتقر إلى المبدأ وبلا ركيزة أساسية.

في هذا السياق، كان ظهور ”دبلوماسية القيم“ في ظل الإدارة الأولى لرئيس الوزراء شينزو آبي (2006-2007) بمثابة نسمة منعشة. حيث دعا آبي إلى تبني دبلوماسية مبنية على التزام مشترك بـ ”القيم العالمية“ للديمقراطية وحقوق الإنسان واقترح ”قوس الحرية والازدهار“، الذي يمثل امتدادًا لتلك القيم عبر شرق وجنوب آسيا.

بالنسبة للبعض، بدا مظهر آبي الدولي كبطل للقيم الديمقراطية الليبرالية الغربية متناقضًا مع تركيزه المحلي على الانفصال عن ”نظام ما بعد الحرب“، وهو مصطلح يُفهم على نطاق واسع على أنه شامل للإصلاحات الديمقراطية التي فرضها الاحتلال الأمريكي. لكن ما يجب أن نتذكره، هو أن نقطة انطلاق آبي كسياسي كانت الحملة لمحاسبة حكومة كوريا الشمالية على اختطاف مواطنين يابانيين بين الستينيات وأوائل الثمانينيات.

بالعودة إلى التسعينيات، عندما تم انتخاب آبي لفترة ولايته الأولى في مجلس النواب، لم تولي الحكومة ولا وسائل الإعلام الوطنية قدرًا كبيرًا من الاهتمام لعمليات الخطف التي ترددت أنباؤها لفترة طويلة أو توسلات العائلات المتضررة. كان آبي من بين أوائل السياسيين اليابانيين الذين كرّسوا اهتمامهم الكامل لهذه المشكلة، وكان يرى أن إهمال الحكومة للضحايا هو أحد الأعراض التي تعاني منها حكومة عازمة على التكفير عن أخطاء الماضي لدرجة أنها أهملت الدفاع عن حقوق مواطنيها، وقد كانت هذه نقطة البداية لتشكيل فكره الرافض لـ ”نظام ما بعد الحرب“.

بحلول الوقت الذي شكّل فيه آبي حكومته الثانية في عام 2012، كان يتمتع بسمعة طيبة في الغرب باعتباره قوميًا متحمسا ومراجعا تاريخيا. ومع ذلك، فقد تطورت صورته خلال فترة ولايته الطويلة (سبع سنوات وثمانية أشهر). فوسط الفوضى الدبلوماسية التي أثارها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتهديدات الأخرى للاستقرار الدولي، ذهب بعض المراقبين الأجانب إلى حد وصفه بأنه أحد أعمدة النظام الدولي الليبرالي.

هذا يقودنا إلى عصر ما بعد آبي.

تتعرض طوكيو لضغوط متزايدة لاتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه الدول الأخرى التي بها قضايا ومشاكل تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان. ليس هناك شك في أن اليابان تلعب دورًا هاماً من أجل إيصال هذه القيم باعتبارها قيماً عالمية، وليست مجرد ميول غربية. لكن من المثير للقلق ألا تُثار قضية حقوق الإنسان في المناقشات المتعلقة بالسياسة الخارجية لليابان إلا في سياق العقوبات أو الانتقادات التي تستهدف الصين. هناك العديد من الحكومات القمعية في العالم بخلاف بكين، ومن الخطأ تسليط الضوء حصريًا على الصين والتعامل مع الانتهاكات الممنهجة الأخرى على أنها غير مهمة.

علاوة على ذلك، من خلال رسم ثنائية تبسيطية بين الصين باعتبارها تجسيدًا للاستبداد القمعي وبين أنفسنا كنماذج للديمقراطية والحرية، فإننا نجازف بالغرق في حالة وهمية من الرضا عن النفس. تعاني اليابان من مشاكل خطيرة في مجال حقوق الإنسان هنا في الداخل، ويجب على الحكومة أن تبدأ في معالجة هذه القضايا بشكل حاسم إذا كانت تريد أن يقتنع بها العالم كصوت ذي مصداقية ينادي بحقوق الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube