https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

​عماد منصور

تعتمد دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على المظلة الأمنية للولايات المتحدة الأميركية التي توفر مجموعة من الضمانات في مواجهة تهديدات واضطرابات سياسية وعسكرية. كما أن العلاقات مع الولايات المتحدة أساسية للتنمية الاقتصادية لدول المجلس؛ إذ إن الأخيرة تعتمد على منظومات الحوكمة الدولية (خاصة في قطاعي التنمية البشرية والتبادل التجاري)، التي تعتبر واشنطن محرّكًا أساسيًا لها. شهدت هذه العلاقة المركزية بالنسبة إلى أمن هذه الدول، في الأعوام القليلة الماضية، موجات من التوترات؛ سببها اختلاف في التفضيلات حول التعامل مع إيران وسوق النفط العالمية مثلًا، أو تغيرات في سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة. وعلى الرغم من هذه التوترات، فإن العلاقة مع الولايات المتحدة تبقى أساسية بالنسبة إلى أمن دول المجلس عسكريًا واقتصاديًا ومجتمعيًا.

 

تزامنًا مع تحوّلات العلاقات الأميركية – الخليجية وتوتراتها، رأينا في العقد الفائت توسّعًا في العلاقات الإيجابية بين الصين ودول مجلس التعاون، تحت عنوان “الشراكات الاستراتيجية”. تُفعّل هذه الشراكات على نحو مطرد باتفاقيات في المجال الاقتصادي في الغالب (خصوصًا في إطار مشروع الحزام والطريق)، إضافة إلى أخرى في مجالات أمنية وعسكرية. من اللافت أن الحكومة الصينية أرسلت في الشهور القليلة الماضية سلسلةً من الرسائل العلنية، تُظهر اهتمامها بترسيخ العلاقات مع الخليج (والإقليم العربي على نحو أوسع)، بعد المؤتمر الأخير للحزب الشيوعي الصيني في تشرين الأول/ أكتوبر 2022، الذي جُدّدت فيه ولاية الرئيس الصيني شي جين بينغ، مهندس “مشروع الحزام والطريق” ومنفّذه. وجاءت زيارة الرئيس شي إلى المملكة العربية السعودية في كانون الأول/ ديسمبر 2022 كمبادرة لفتح باب أوسع على المنطقة. ولم تقتصر الزيارة على رسم علاقات جديدة صينية – خليجية، بل جرى خلالها توقيع معاهدات بين الصين ودول عدة في غرب آسيا والمغرب العربي، ولم تكن هذه الزيارة إلى المنطقة مهمةً لتوقيع الاتفاقيات والصفقات فحسب، بل أيضًا لفتح قنوات أوسع بين دول غرب آسيا والمغرب العربي والصين، لتبادل تفضيلاتهم في مستقبل شراكاتهم على مستويات متعددة، نحو آفاق استراتيجية. في الوقت نفسه، لا يسعى المراقب إلّا لملاحظة الرمزية التي أعطتها الصين للمملكة من خلال جعلها مركزًا للقاء قادة عدة من المنطقة الأوسع.

 

وكانت محاولة موضعة دول مجلس التعاون نفسها في مشهد جيو-استراتيجي عالمي سريع التغيّر، من السمات المثيرة للاهتمام لسياساتها الخارجية، وكانت دافعها المتزايد إلى توسيع استقلالها بهدف تأمين نفسها. يمكن ملاحظة هذه الميزة منذ نحو عام 2015، ولا سيما في شراء أنظمة الأسلحة من مصادر متنوعة، وإقامة تدريبات عسكرية مشتركة مع دول مختلفة (أي غير الولايات المتحدة)، والمشاركة في رصد استخباري لتهديدات إقليمية (مثل القرصنة أو الإرهاب) مع العديد من الشركاء (مثل الصين). وقد وفّرت اتّباع مثل هذه السياسات لتحقيق الأمن، القدرات المالية المتزايدة لهذه الدول. بالنسبة إلى هذه الدراسة، فإن الظاهرة المثيرة للاهتمام هي سعي دول الخليج لترسيخ أمنها على نحو بارز (ليس حصريًا) من خلال توسيع العلاقات مع الصين، تزامنًا مع السعي بنشاط للحفاظ على الولايات المتحدة الأميركية بصفتها مزوّد الأمان الأساسي.

 

تعكس سياسات دول مجلس التعاون في بناء شراكات استراتيجية مع الصين براغماتية استراتيجية واضحة ومتزايدة. وتأتي هذه البراغماتية من واقع أن هذه الدول الصغيرة نسبيًا (التي سيجري تعريفها لاحقًا)، تزن مصالح الولايات المتحدة والصين، وهما في الوقت الحالي متنافسان اقتصاديان، لكن علاقتهما تتّجه ببطء نحو التنافس في مجالات عسكرية. من جهة، تعتبر سياسات دول مجلس التعاون مثيرة للاهتمام؛ لأنها تقاربت من دون تنسيق. ولا تفترض الدراسة أن هذه الدول موحَّدة في تفضيلاتها تجاه العلاقات الإقليمية أو الدولية، بل على العكس؛ فالتاريخ السياسي لهذه الدول يُبرز انتشار التنافس بينها (على الأقل في القرن العشرين). وتبحث الدراسة كيف أن هذه الدول المختلفة التفضيلات تقاربت في سياساتها تجاه الولايات المتحدة والصين؛ لذا، فإن حقيقة أن موقف البراغماتية الاستراتيجية ناتج من تقارب سياسات دول مجلس التعاون، وليس نتيجة جهد جماعي متضافر، يجعله ذا أهمية بحثية. من جهة ثانية، يعد هذا السلوك في السياسة الخارجية لدول الخليج مثيرًا للاهتمام؛ لأن هذه الدول تعتبر عمومًا صغيرة.

 

تهتم هذه الدراسة برصد البراغماتية الاستراتيجية في سياسات دول مجلس التعاون، في محاولة لاستشراف آفاق العلاقة مع الصين، التي هي في تبلور مستمر. وتعود الدراسة إلى العلاقات الخليجية مع الولايات المتحدة تمهيدًا لفهم خصوصية العلاقة مع الصين، بوصف الولايات المتحدة الحليف التقليدي، ويلقي هذا التاريخ وعمق العلاقات معها، بظلاله حتمًا، على أي قرار خليجي تجاه الصين.

 

نظريًا، من خلال تفسير معنى البراغماتية الاستراتيجية بصفتها ممارسة في السياسة الخارجية، تهتم هذه الدراسة بالكيفية التي توازن بها دول صغيرة علاقاتها الراسخة مع قوة كبرى مهيمنة، تعتمد عليها الدول الصغرى لتحقيق أمنها، تزامنًا مع تنمية الدول الصغرى علاقاتها مع قوة عالمية أخرى تعتبر صاعدة، خصوصًا عندما تكون هناك علامات على توتر ومنافسة بين هاتين القوتين العالميتين. يعكس هذا التوازن اهتمامات سياسية للدول الصغرى، ويبين تحليلها كيفية تعزيز الدول الصغيرة أمنها من خلال بناء علاقات معقّدة مع شركاء مختلفين.

 

تهتمُ الدراسة أيضًا بكيفية تحقيق هذه الدول الخليجية الصغيرة حاجاتها الأمنية في علاقاتها بالدول الكبرى، في ظل تغيّرات عميقة بين هذه الدول الكبرى على الساحة الدولية. وتعتمد على مواد أولية لعرض البراغماتية في سياسات دول مجلس التعاون الخارجية، ولا سيما محاضر اجتماعات علنية ومصادر رسمية وإعلانات من قيادات محلية. وتتجنّب الدراسة “استكشاف النيات”؛ لأن مثل هذه التصرفات التحليلية لا تساعد في تحسين نتائج البحث. علاوةً على ذلك، تتجنّب النقاشات بشأن “الاتفاقيات السرية” إذا كانت مصادرها ومحتوياتها غير موثوقة، مع إدراك أن مثل هذه الاتفاقيات موجودة، ومن المحتمل جدًا أن تؤثر في النتائج السياسية.

 

في المحاور التالية، تُموضع الدراسة دول مجلس التعاون في أدبيات ذات صلة حول الدول الصغيرة. من ثم ترسم إطار البراغماتية الاستراتيجية في دراسته العلاقة التاريخية مع الولايات المتحدة وكيفية تطوير دول مجلس التعاون شراكات استراتيجية مع الصين، ومعنى هذه الشراكات من خلال الإضاءة على كيفية تفعيلها في مجالات أمنية واقتصادية. ولأن هذه الدراسة تجادل في أن العلاقة بين دول الخليج والولايات المتحدة وطيدة ومتينة حتى إشعار آخر، فإن هذه العلاقة ستحصل على مساحة أقل من أبعاد العلاقات المتغيرة بين دول الخليج والصين. لذا ستركز الدراسة على تفصيل نسبي أوسع للعلاقة بين الصين ودول الخليج، حيث إن هذا هو البعد الذي يشهد معظم التغيير الدينامي من منظور دول الخليج. وتنتهي بخلاصة نظرية مقتضبة متعلقة باستراتيجيات البلدان الصغيرة في علاقاتها مع دول كبرى، إضافة إلى بعض الملاحظات الاستشرافية حول العلاقات بين دول مجلس التعاون والصين

.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة − واحد =

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube