https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

خالد هاشم

يبدو للوهلة الأولى أن السياسة الخارجية للرئيس الأميركي الحالي، جو بايدن، تختلف كثيرًا عن سياسة سلفه دونالد ترامب، لجهة إعادة تقديره لحلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا وآسيا، عبر رفعه شعار “أميركا عادت”، والتزام إدارته بنظام دولي مرتكز على القواعد والتعددية ويحترم المؤسسات الدولية والعودة إلى العديد من الاتفاقيات التي انسحب منها سلفه، إضافة إلى ترميم صورة أميركا التي تدعم الممارسات الديمقراطية، وليس الأنظمة الاستبدادية عبر العالم.

لقد كان ترامب من أشد الرافضين للمؤسسات الدولية المتعددة الأطراف، عبر رفعه شعار “أميركا أولًا”، وأعلن انسحابه من الاتفاقيات الدولية الموجودة، مثل “اتفاق باريس للمناخ” و”الاتفاق النووي الإيراني” لسنة 2015، والتملص من اتفاقيات جديدة أخرى على شاكلة “الشراكة العابرة للمحيط الهادئ”، وظل حتى آخر يوم في ولايته يتودد إلى الحكام المستبدين ويوجه سهام غضبه نحو شركاء الولايات المتحدة الديمقراطيين.

وبناء عليه، يتمثل السؤال الرئيس للورقة في: إلى أي مدى تمثل سياسة بايدن افتراقًا عن سياسة سلفه ترامب على صعيد السياسة الخارجية الأميركية؟ أم أن سياسة بايدن تمثل استمرارًا لسياسة ترامب فيما يتعلق بالعلاقة مع الصين وروسيا، وانسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، والتعامل مع إيران وبرنامجها النووي، ومقاربة القيم الديمقراطية العالمية؟
أولًا: العلاقة مع الصين

بعد إعلان فوز الرئيس جو بايدن بالانتخابات الأميركية، توقع الكثيرون أن يقدّم سياسةً أكثر استقرارًا تجاه العالم. لكن مع تجاوز العام الأول لإدارته، أظهرت المؤشرات أن سياسته لم تختلف كثيرًا عن نهج سلفه ترامب، وإنما تمثّل استمرارًا لها.

أول مؤشرات الاستمرارية والتشابه بين السياسة الخارجية لبايدن وترامب هو الخصومة والصراع مع القوى العظمى العالمية وعلى رأسها الصين؛ إذ لم تشهد سياسة الولايات المتحدة إزاء التنّين الصيني أي تغير يذكر منذ تولي بايدن السلطة إلى الآن، وحافظت إدارته، وإلى حد بعيد، على سياسة سلفه ترامب، وتحدّث بايدن بنفسه عن “الخصومة الشديدة” مع الصين، في حين أعلن منسق السياسة الأميركية الخاصة بالمحيطين الهندي والهادي أن “الفترة التي وُصفت على نطاق واسع بأنها فترة مشاركة مع الصين، ولّت إلى غير رجعة”. وقد أخذ ذلك أشكالًا عدة من العلاقة مع الصين على المستويين الداخلي والخارجي[1].
1. داخليًا

أبقت إدارة بايدن على التعريفات الجمركية والضوابط التصديرية التي اعتُمدت في عهد ترامب، وسعت أيضًا للحد من الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة، وضغطت على الحلفاء لتجنّب شراء التكنولوجيا الصينية، وأعادت التفكير في سلاسل التوريد والأنظمة التكنولوجية؛ وتعمل على إطلاق تحقيق بشأن الإعانات الضخمة التي تقدّمها الصين للصناعة فيها. وفي هذا الصدد، أشار مستشارو بايدن إلى أن الصين “منافس مدمر”، وبناء عليه، سيظل الخلاف بين الصين والولايات المتحدة شديدًا[2].

إضافة إلى ذلك، استمرت إدارة بايدن في انتقادها لموقف الصين الرافض إجراء تحقيق مستقل في أصل وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وأيدت الرواية التي كانت إدارة ترامب قد تبنّتها سابقًا بشأن إمكانية تسرب فيروس كورونا من مختبر في مدينة ووهان الصينية. وعلى خطى إدارة سلفه أيضًا، وصفت إدارة بايدن قمع بيجين لمسلمي الإيغور في شينجيانغ بـ “الإبادة الجماعية”، ونددت أيضًا بانتهاكها مبدأ “دولة واحدة ونظامان” في هونغ كونغ.
2. خارجيًا

يمكن لمس الاستمرارية في السياسة الخارجية لبايدن وترامب في مقاربتهما القضية التايوانية، باعتبارها بؤرة التوتر الأكثر احتمالًا لنشوب صراع بين الولايات المتحدة والصين، إذ أصبحت حماية تايوان مسألة تحظى باهتمام الحزبين الجمهوري والديمقراطي على السواء في الولايات المتحدة، وتعتبر واشنطن ورقة تايوان من أهم الأوراق التي تمتلكها للضغط على الصين.

وعلى خطى إدارة ترامب التي أزالت القيود المفروضة على التفاعلات الرسمية بين المسؤولين الأميركيين والتايوانيين، ارتأت إدارة بايدن تطبيق تلك السياسة بفاعلية، مع الترويج لاجتماعات رفيعة المستوى بين المسؤولين الأميركيين ونظرائهم التايوانيين. وفي حين دأبت إدارة ترامب على تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة وتايوان، شددت إدارة بايدن في مناسبات عدة دعمها “الصلب” لتايوان، كما استمرت سياسة “الغموض الاستراتيجي” التي تعتمدها واشنطن منذ فترة طويلة وتساعد بموجبها تايوان على بناء دفاعاتها وتعزيزها من دون التعهد صراحة بتقديم مساعدتها في حال هجوم الصين عليها[3].

من جانب آخر، استمرت إدارة بايدن في احتواء الوجود الصيني وتقييده في منطقة بحر الصين الجنوبي ورفض سيادة الصين عليه، فكثفت جهودها من أجل الدفع قدمًا بـ “الحوار الأمني الرباعي”، الرامي إلى تعزيز التعاون بين أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة، وأطلقت مبادرة استراتيجية تكميلية مع أستراليا والمملكة المتحدة وما يرتبط بها من بناء عشرات الغواصات التي تعمل بالوقود النووي، كما لم تتوقف عن استعمال مصطلح “المحيطين الهندي والهادي” الذي أدخلته إدارة ترامب في الاستخدام الرسمي الأميركي[4].

ورغم تشابه السياسة الخارجية لبايدن وترامب واستمراريتها تجاه الصين، يمكن تسجيل بعض الاختلافات بينهما، من قبيل تركيز إدارة بايدن على إيجاد مقاربة للتعاون مع الصين في مجال التغير المناخي، وهو التعاون الوحيد بين الجانبين، فقد فاجأت الدولتان المتنافستان العالم بإصدار إعلان مشترك يستهدف التصدي للتغير المناخي أثناء محادثات مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2021 “كوب 26” (COP 26) في إسكتلندا[5]. كما امتنعت إدارة بايدن عن ترديد دعوة وزير خارجية ترامب، مايك بومبيو، إلى تغيير النظام في الصين، ولكن لم تحل تلك الاختلافات دون انتشار وترسيخ الرأي القائل بأن الصين هي المنافس الرئيس، بل الخصم، للولايات المتحدة؛ ما يعني أن الاستمرارية بين الإدارتين تفوق كثيرًا التغيير بينهما.
ثانيًا: العلاقة مع روسيا

ما ينطبق على علاقة الولايات المتحدة بالصين ينطبق على العلاقة مع روسيا. وفي الواقع، لم تكن سياسة بايدن تجاه روسيا في جوانب كثيرة منها إلا استمرارًا أيضًا لسياسة سلفه ترامب، فقد راوحت العلاقات الأميركية – الروسية مكانها، ولم تتغير سياسة الولايات المتحدة تجاه روسيا إلا قليلًا من حيث الجوهر، فباستثناء الإعجاب الذي يكنّه ترامب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين (عكس بايدن الذي يراه زعيما دكتاتوريًا يقود نظامًا متهورًا وقاسيًا ويعارض بطبيعته القيم والمصالح الأميركية)، فإن نظرة ترامب الشخصية إلى القيصر الروسي لم تؤثر في موقف إدارته من روسيا، بل ظلت على قدر كبير من الحزم والصرامة، وأبقت على العقوبات الاقتصادية التي أصبحت أكثر صرامة (التي كانت مفروضة على روسيا في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما)، وعملت على إغلاق القنصليات الروسية في الولايات المتحدة وتوطيد الدعم العسكري الأميركي لأوكرانيا، وهي إجراءات لا تزال إدارة بايدن تعمل بها إلى الآن، بل فرضت عقوبات مالية جديدة وطردت دبلوماسيين بسبب اتهامات تخص هجومًا سيبرانيًا روسيًا، والتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2020. ويبدو أن هناك وجهة نظر مشتركة ما بين إدارتي بايدن وترامب هي أن سياسة الولايات المتحدة تجاه روسيا يجب أن يكون هدفها هو الحد من الأضرار، أو بالأحرى، منع التوترات، في أوروبا أو الفضاء الإلكتروني، ومن التدهور إلى مستوى أزمة، وليس إحراز مزيد من التقدم، وحتى إن رغبة بايدن في توسيع دائرة اتفاقيات تحديد الأسلحة بين أميركا وروسيا وبدء محادثات “الاستقرار الاستراتيجي” تصبّ في هذا الاتجاه من ضبط العلاقة[6]. ولكن من الواضح أن محاولات “إعادة ضبط” إيقاع العلاقة مع موسكو قد ولّت مع تجدد الأزمة الأوكرانية.
ثالثًا: الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط

استمر جو بايدن في سياسة سلفه ترامب فيما يتعلق بالنظر إلى الشرق الأوسط الكبير بأنه مكان لـ “الحروب الأبدية” (وهي العبارة التي أطلقتها إدارة ترامب على الشرق الأوسط)، ومن ثم، ضرورة الانسحاب منه وتركه لدوله تدير شؤونها بنفسها. وهذه الاستمرارية أخذت نماذج متعددة في:
1. أفغانستان

تعد أفغانستان مثالًا بارزًا لاستمرار سياسة بايدن على نهج سلفه ترامب، ففي شباط/ فبراير 2020، وقّعت إدارة ترامب اتفاقًا مع طالبان يحدد يوم 1 أيار/ مايو 2021 موعدًا نهائيًا لانسحاب القوات الأميركية من البلاد. لكن تعثرت تلك المفاوضات فيما بعد، وفي الحقيقة لم يكن اتفاق ترامب مع طالبان اتفاق سلام، بقدر ما كان اتفاقًا لتسهيل الانسحاب العسكري الأميركي من هناك.

ومع تسلم بايدن السلطة، كانت قد تغيرت الاستراتيجية الأميركية التي بُني على أساسها احتلال أفغانستان وأصبحت شيئًا من الماضي، وانخفض عدد القوات الأميركية إلى أقل من ثلاثة آلاف بعد أن وصل إلى مئة ألف خلال إدارة أوباما، واقتصر دورها على التدريب وتقديم المشورة ودعم القوات الأفغانية، ولم يكن هذا العدد كافيًا لتحقيق النصر أو السلام بعد عشرين عامًا من الاحتلال. ومع ذلك، رفضت إدارة بايدن إعادة التفاوض أو إلغاء الاتفاق الذي وقّعته إدارة ترامب، بل عملت على احترامه باستثناء نقطة واحدة، وهي تمديد موعد الانسحاب النهائي الكامل من أفغانستان إلى مئة يوم إضافية، أي حتى 11 أيلول/ سبتمبر 2021، لكن الإجلاء الفعلي انتهى قبل الموعد المحدد له. ومن وجهة نظر بايدن، لا يمكن ربط انسحاب القوات الأميركية بالظروف على أرض الواقع أو حدوث أفعال إضافية من حركة طالبان. وهكذا نرى، وعلى غرار سياسة ترامب، أن بايدن اعتبر الحرب في أفغانستان “حربًا أبدية”، وصمم على الخروج منها بأي ثمن كما أراد سلفه ترامب[7].
2. المنطقة العربية

واصلت إدارة بايدن السير على نهج ترامب فيما يتعلق بالانسحاب من بقية مناطق الشرق الأوسط، ففي سورية كانت سياسة بايدن إلى حد بعيد استمرارًا لسياسة ترامب، ويرجع ذلك جزئيًا إلى استمرار فك الارتباط الأميركي الذي بدأ في عهد أوباما واستمر في عهدَي ترامب وبايدن، إذ قاومت إدارة الأخير إغراءات زيادة انخراطها في سورية، ولم تلتفت كثيرًا إلى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254 الداعي إلى وقف إطلاق النار وإيجاد حل سياسي هناك[8].

أما ليبيا، فلم تكن يومًا تمثل أولوية لإدارة ترامب، ولم تضع أيضًا إدارة بايدن ليبيا على رأس جدول أعمالها، على الرغم من أن إدارة بايدن فيها العديد من صناع القرار الديمقراطيين الذين عانوا تداعيات مقتل السفير الأميركي كريس ستيفنز في بنغازي[9].

وفي اليمن، لا تعد قرارات بايدن بشأنها خروجًا عن قرارات الإدارة السابقة، فهي ببساطة جزء من انتقال الولايات المتحدة البطيء من الدعم المباشر لأحد الأطراف المتحاربة إلى دور الوسيط في حل النزاع هناك، وهي عملية بدأت في الأشهر الأخيرة من إدارة أوباما، وتقدّمت في ظل إدارة ترامب[10].

وفي العراق، استكملت إدارة بايدن ما كانت إدارة ترامب تتحدث عنه بضرورة الانسحاب من العراق، وهو ما تم بالفعل بانسحاب القوات الأميركية القتالية مع نهاية عام 2021، والإبقاء على وحدة عسكرية صغيرة فقط على الأراضي العراقية.

أما فيما يتعلق بالسلام في الشرق الأوسط، وعلى الرغم من اعتراف إدارة بايدن باتفاقات أبراهام للسلام والتطبيع بين إسرائيل ودول عربية، التي تعد أحد الموروثات الرئيسة لإدارة ترامب[11] ، فقد شاركت إدارة بايدن على مضض في الجهود الدبلوماسية لإنهاء جولة القتال بين إسرائيل وحركة “حماس” الأخيرة في أيار/ مايو 2021، وتحاشت إطلاق أي محاولة جديدة للتوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين إلى الآن.
رابعًا: الملف الإيراني

قد يبدو الملف الإيراني، نظريًا، هو الاستثناء الوحيد البارز في استمرارية سياسة بايدن الخارجية على نهج سلفه ترامب، وكان هذا واضحًا بانسحاب الأخير من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، وهو الاتفاق الذي كان بايدن نائبًا لأوباما حينما وُقّع عام 2015.

وعلى النقيض من سياسة ترامب، أوضحت إدارة بايدن عند تسلّمها السلطة (التي تضم مسؤولين رفيعي المستوى ممن كان لهم دور أساسي في التفاوض على ذلك الاتفاق) عن رغبتها في إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران. ولكن عمليًا، يبدو ذلك استمرارًا لسياسة ترامب لسببين؛ يتمثل السبب الأول في أنه إلى الآن لم يتمكن كلا الطرفين من عقد ذلك الاتفاق، في ظل التباينات الواضحة وغياب الثقة بينهما، فضلًا عن أن الحكومة الإيرانية الجديدة التي توصف بالتشدد لم تُبدِ أي اهتمام واضح وصريح بعقد ذلك الاتفاق الذي تسعى إليه إدارة بايدن. أما السبب الثاني فهو أن إدارة بايدن تحدّثت عن الدبلوماسية والتعددية والعودة إلى الاتفاقات السابقة، ومن ضمنها طبعًا الاتفاق النووي مع إيران، ومع ذلك ما زلنا نرى استمرار إدارة بايدن في اتباع سياسة إدارة ترامب نفسها فيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، ومنع التصرف بالعائدات النفطية الإيرانية في البنوك الأجنبية، وهي الإجراءات نفسها التي اتبعتها إدارة ترامب[12].

أضف إلى ذلك، كان أول استخدام لبايدن للقوة العسكرية بعد تسلّمه السلطة، هو غارة جوية ضد جماعات مسلحة مدعومة من إيران في سورية، ردًا على سلسلة الهجمات الصاروخية التي استهدفت المصالح الأميركية في العراق، ويبدو أن بايدن يسير على خطوات سلفه ترامب وتكتيكاته نفسها في منع إيران من نشر نفوذها في الخارج، حينما استهدف ترامب قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، والمجموعة المرتبطة به في العراق بغارة عسكرية[13].

في النتيجة، نرى أن إدارة بايدن ستجد أمامها خيارات إدارة سلفه ترامب نفسها، إذا ما أخذنا في الاعتبار سعي إيران إلى تعزيز قدراتها النووية والصاروخية ونفوذها في منطقة الشرق الأوسط، بل حتى لو وافقت إيران مرة أخرى على الالتزام بقيود محدودة على نشاطاتها النووية. بهذا، لا يزال يتعين على الولايات المتحدة أن تقرر كيفية الرد على الاستفزازات الإيرانية الأخرى التي تشهدها المنطقة؛ وهذا يعني إجمالًا استمرار السياسة الترامبية في التعامل مع الملف الإيراني.
خامسًا: القيم الأميركية وشعار “أميركا أولًا”

يرتكز دور أميركا ومصالحها في العالم على المؤسسات الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، التي تستند إلى القيم الديمقراطية الغربية المشتركة.

على مستوى الخطاب، استند خطاب ترامب وبايدن إلى وجهات نظر مختلفة حول دور القيم في السياسة الخارجية، فحينما انتُخب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة عام 2016، شرع على الفور في محاولة هدم إرث السياسة الخارجية القائم على تلك القيم، واعتبر الديمقراطية عائقًا أمامه، ولطالما سعى إلى إقامة علاقات شخصية وثيقة مع عديد من قادة العالم المستبدين، فقد كان يكيل الثناء للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، ويمدح الرئيس الصيني شي جين بينغ، لكنه في الوقت نفسه قلل من شأن حلفاء أميركا الديمقراطيين وفي طليعتهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو. ولم يكتفِ ترامب بتشويه سمعة أولئك الحلفاء فحسب، بل فرض رسومًا جمركية على كندا والاتحاد الأوروبي[14].

وفي المقابل، كان خطاب بايدن قائمًا على أن الولايات المتحدة في صراع مع الحكام المستبدين، وأعلن عن عقد قمة “من أجل الديمقراطية”، وتعهّد بإعطاء الأولوية لعلاقات بلاده مع الدول التي تقيم وزنًا للقيم الأميركية[15].

ومع ذلك، فإن خطاب بايدن والتزاماته لم يجدا طريقهما إلى التطبيق على مستوى السياسة الخارجية للولايات المتحدة على نحو واضح، بل مثّلا أيضًا استمرارية لسياسة ترامب، والمثال البارز على ذلك هو “انقلاب ميانمار” الذي لم تفعل إدارة بايدن سوى القليل في الرد عليه من خلال فرض عقوبات على رموز النظام في ميانمار، في حين ساعدت المعونات والدعم الدبلوماسي الصيني الجيش هناك على الصمود وتجاوز العقوبات[16]. كذلك لم يفعل بايدن سوى القليل في الرد على حوادث أخرى مشابهة كرد الفعل العنيف للحكومة الكوبية حيال الاحتجاجات الصيف الماضي، أو اغتيال رئيس هايتي.

ولذا نرى هناك اختلافًا واضحًا على مستوى الخطاب ما بين إدارتي بايدن وترامب فيما يتعلق بمسألة احترام القيم الديمقراطية والالتزام بها، ولكن عمليًا تبدو الفوارق ضئيلة وتتقارب سياساتهما في ذلك، وإن اختلفت المنطلقات.

وإذا ما انتقلنا إلى نقطة أخرى، تتعلق بشعار “أميركا أولًا” الذي رفعته إدارة ترامب (رغم أن الشعار يعود إلى فترات قد مضت من “الانعزالية” التي سادت الولايات المتحدة خلال فترة الحربين العالميتين)، في مقابل الشعار الذي رفعته إدارة بايدن “أميركا عادت” (إلى دورها في قيادة العالم وإلى التعددية والدبلوماسية والمنظمات المتعددة الأطراف والاتفاقيات التي انسحبت منها)، نجد أن شعار بايدن يعكس في جوانب كثيرة منه ميلًا وعودة إلى شعار ترامب؛ ما يمثل مزيدًا من الاستمرارية ما بينهما وعلى أكثر من مستوى، منها:

أثبتت ممارسات بايدن فيما يتعلق بالجهود العالمية لمواجهة جائحة كورونا، استمراريةً لشعار ترامب “أميركا أولًا”، فقد كانت الاستجابة الأميركية محدودة ومتأخرة لتوفير كميات من اللقاحات وتصديرها إلى العالم، رغم تجاوز العرض المحلي الطلب بكثير في أميركا[17]. وكان هذا الاستئثار باللقاحات قصير البعد والنظر، فقد انعكس على تضاعف عدد الإصابات العالمية، ومن ثم ارتدادها على الولايات المتحدة داخليًا، ما ضاعف الإصابات فيها. كما تباطأت إدارة بايدن في رفع القيود المتعلقة بفيروس كورونا عن القادمين إلى الولايات المتحدة من أوروبا. ومن جانب آخر، فوّتت إدارة بايدن الفرصة لإبراز النيات الحسنة للولايات المتحدة دوليًا من خلال إظهار التفوق التكنولوجي الأميركي وكرمها في مواجهة “دبلوماسية اللقاحات” الصينية والروسية.
هاجم ترامب العديد من الاتفاقيات التجارية والعسكرية الموقعة بين أميركا وعدد من الدول وانسحب منها، باستثناء تلك التي تفاوض هو عليها. ومن تلك الاتفاقيات التي انسحب منها اتفاقية الشراكة العابرة للمحيط الهادئ التي وصفها بأنها “صفقة سيئة” لأميركا. وفي المقابل، وعلى الرغم من عودة إدارة بايدن إلى العديد من الاتفاقيات التي انسحب منها ترامب، فإنها لم تُظهر سوى القليل من الاهتمام بتقوية منظمة التجارة العالمية، أو التفاوض على اتفاقيات تجارية جديدة، أو الانضمام إلى الاتفاقيات القائمة، بما في ذلك اتفاقية الشراكة العابرة للمحيط الهادئ[18]. وهو ما يعني ضياع فرص في مجالات أخرى، مثل الحد من تداعيات تغيرات المناخ العالمي من خلال فرض ضرائب الكربون العابر للحدود، أو توفير ثقل اقتصادي موازٍ للصين. وحتى إن رغبة بايدن في توسيع دائرة التفاوض مع روسيا، كما أوضحنا سابقًا، حول اتفاقيات تحديد الأسلحة بينهما، تهدف إلى الحيلولة دون وقوع مزيد من الأضرار، وليس إحراز مزيد من التقدم.

وبناء عليه، نرى أن بايدن لم يكتفِ بتنفيذ السياسة التي ورثها عن سلفه، بل وضع عبارة “أميركا أولًا” موضع التطبيق.

في النهاية، يتضح لنا أن السياسة الخارجية الأميركية بعد أكثر من عام من حكم جو بايدن لم تتغير كثيرًا، قد يكون مجرد تغيير في الأسلوب أكثر من كونه تغيرًا في المضمون، وفي الحصيلة هي تمثل، في كثير من المجالات والحالات، استمراريةً لسياسة سلفه دونالد ترامب.

[1] Richard Haass, “The Age of America First: Washington’s Flawed New Foreign Policy Consensus,” Foreign Affairs (November-December 2021), accessed on 2/2/2022, at: https://fam.ag/3HoB8vh

[2] Jacob M. Schlesinger, “What’s Biden’s New China Policy? It Looks a Lot Like Trump’s: Even with an Administration Change in January, China would Face Continued Heightened Friction with the U.S,” The Wall Street Journal, 10/9/2020, accessed on 2/2/2022, at: https://on.wsj.com/3ghuo6x

[3] Richard Haass & David Sacks, “The Growing Danger of U.S. Ambiguity on Taiwan, Biden Must Make America’s Commitment Clear to China-and the World,” Foreign Affairs, 13/12/2021, accessed on 2/2/2022, at: https://fam.ag/3uk8PKY

[4] محمد منصور ومروة عبد الحليم ومحمد حسن، “من ترامب إلى بايدن.. الطريق نحو الأمن القومي الأمريكي”، المرصد المصري – المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 15/2/2021، شوهد في 2/2/2022، في: https://bit.ly/3LdUZjk

[5] زهراء رمال، “كيف تبدو العلاقات الأميركية – الصينية في العام الأول من عهد بايدن؟”، الميادين نت، 19/12/2021، شوهد في 2/2/2022، في: https://bit.ly/3unWrcL

[6] Haass.

[7] Ron Elving, “Withdrawing from Afghanistan may be the One Thing Biden and Trump Agree on,” NPR, 18/8/2021, accessed on 2/2/2022, at: https://n.pr/3L4ZM6o

[8] بول إيدن، “كيف ستكون ملامح سياسة بايدن تجاه سورية؟”، الغد الأردنية، 16/3/2021، شوهد في 2/2/2022، في: https://bit.ly/3Hl4z1i

[9] Sanam Vakil, “How is a Biden Victory Perceived across both Sides of the Gulf?” Chatham House, 18/11/2020, accessed on 2/2/2022, at: https://bit.ly/3rmJKND

[10] Sultan Alamer, “Biden and the War in Yemen: The Larger Context of the Shifts in the American Position,” Carnegie Endowment for International Peace, 14/4/2021, accessed on 2/2/2022, at: https://bit.ly/34bnZr1

[11] Ishaan Tharoor, “Biden Carries forward a Trump-era Middle East Policy,” The Washington Post, 13/10/2021, accessed on 2/2/2022, at: https://wapo.st/3GkxUrt

[12] Patrick Wintour, “Biden Policies the Same as Trump’s, Says Iran’s only Presidential Candidate,” The Guardian, 11/2/2021, accessed on 2/2/2022, at: https://bit.ly/3s8XKtw

[13] Bill G. Schuette, “Opinion: Why Biden should follow Trump in Middle East,” The Detroit News. 1/3/2021, accessed on 2/2/2022, at: https://bit.ly/3IXT2W4

[14] Haass.

[15] Stephen M. Walt, “Biden’s Democracy Summit Could Backfire: There are Dangers to Hosting Diplomatic Meetings without a Clear Purpose,” Foreign Policy, 8/12/2021, accessed on 2/2/2022, at: https://bit.ly/3ASNw4n

[16] Daniel Ten Kate, “Myanmar Crisis Sets Stage for Biden-Xi Duel,” Bloomberg, 1/2/2021, accessed on 2/2/2022, at: https://bloom.bg/3ohY7AW

[17] “نهج ’قومية التطعيم‘ يكشف عن ’الأنانية الأمريكية‘”، سي جي تي إن العربية، 20/3/2021، شوهد في 2/2/2022، في: https://bit.ly/3GmWt7c

[18] Takatoshi Ito, “What Biden should do on Trade,” Project Syndicate, 13/1/2022, accessed on 2/2/2022, at: https://bit.ly/3IVrErN

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube