https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

جاء الرئيس مون إلى منصب الرئاسة في كوريا الجنوبية وعلى رأس برنامجهالتوصل إلى تقارب مع كوريا الشمالية، تقارب في مفاوضات تنتهي بتسوية نهائيةللأزمة الطويلة الأمد في شبه الجزيرة الكورية. كان هناك في كوريا الشماليةشاب تولى مقاليد الأمور، ولديه هو الآخر جدول أعمال أهم بنوده تصعيد برامجالتسلح الصاروخي والنووي والمواجهة مع القوة الأعظم، وصولاً إلى هدف لميعلن عنه وإن لم يغب عن أذهان المتابعين والمتخصصين. وفي الجوار تواصلالصين صعودها وترفع مستويات تسلحها، مؤكدة عزمها الوصول إلى القمة الدوليةمن دون أن تمر بحرب كالتي مرّ بها عبر التاريخ معظم الدول الصاعدة نحوالقمة. ركّزت على قضايا الأمن الإقليمي، فجمّدت نزاعها مع الهند وفرضت علىدول جنوب شرق آسيا الخضوع لهيمنتها وعلى الولايات المتحدة الاعتراف الخجولبهذه الهيمنة. أجّلت المسألة التايوانية مطمئنة إلى أنها كالثمرة ستسقط فيالنهاية في حِجر الوطن الأم. بقيت للصين في الشرق مسألتان حيويتانومتشابكتان، هما شبه الجزيرة الكورية واليابان. نستطيع الآن القول إن كل أطراف الأزمة الكورية كانت جاهزة للتحرك، بل تحركتبالفعل في تزامن لافت. سيكون من الصعوبة بمكان وعلى وجه الدقة تحديد منالمبادر سراً في تحريك أمواج عالية في مياه لم تركد يوماً. صعب أن نصدق أنحفلات الصواريخ الكورية التي هدّدت أراضي وقواعد أميركية في «غوام» لم تكنذات صلة ما بنيات متبادلة تخص هدف التقارب والتفاوض. بل صعب أن نتصور أنعرض اشتراك كوريا الشمالية في أولمبياد الألعاب الشتوية في كوريا الجنوبيةجاء بمحض الصدفة ووليد اللحظة. لن أصدق أن تشكيل وفد من كوريا الشماليةعالي المستوى لترأسه شقيقة رئيس الدولة كان منبت الصلة بقرار إقامة حفلاتالصواريخ، والتصعيد المتبادل مع الولايات المتحدة في الحرب الكلاميةوبالتطورات المثيرة التي جاءت بعد ذلك. قد يثبت أن زيارة الرئيس كيم للصينكانت الخطوة التي أكدت أن حملة التقارب تجاوزت بالفعل مراحلها التجريبيةوالأولية، واقتربت من لب القضية، وربما من جوهر التسوية التاريخية. كانتالزيارة تعني لنا نحن المراقبين من بعيد أشياء كثيرة، كانت تعني مثلاً: أولاً، أنه قد اكتملت للسيد كيم رئيس كوريا الشمالية مقاليد الشرعيةالسياسية، وأنه أصبح جاهزاً ومطمئناً من الناحية الأمنية على نفسه وعائلتهونظامه حتى يقوم للمرة الأولى بزيارة خارجية. ثانياً، أنه مدرك تماماً أنلا حل نهائياً يمكن التوصل إليه في شبه الجزيرة الكورية من دون أن تشارك فيصنعه وتضمن تنفيذه الصين، الجارة الكبرى. وبالنسبة إلى بلاده لن يستطيع الرئيس كيم وزملاؤه في الحكومة الاستمرار فيتحمل أعباء الحصار والعقوبات الاقتصادية التي فرضتها حكومة الرئيس شي فيبكين في الشهور الأخيرة. كانت هذه العقوبات، خصوصاً المتعلقة بصادرات الصينمن الفحم والنفط، ضرورية من ناحيتين. أولاهما إرضاء أميركا والمجتمع الدولي وكسب ثقتهما لمرحلة أخرى في التعاملمع بيونغيانغ ، ثانيتهما حث كيم وأعوانه على عدم المغالاة في إدارة الأزمةبأساليب القوة الصاروخية والنووية. ثالثاً، سواء كانت الزيارة قد أُعِد لها بمبادرة صينية أو كورية شمالية أوكورية جنوبية، كان ضرورياً للرئيس كيم، وكذلك للمسؤولين في كوريا الجنوبيةإعلان الالتزام الدائم والصريح بأن تكون الصين شريكاً فعلياً أو بالمراقبةمِن قريب في مفاوضات التسوية المقبلة، وخصوصاً تلك التي ستجري بينبيونغيانغ وواشنطن. الصين يجب أن تثق كذلك في أن الجارتين الكوريتين لنتتوصلا إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لا يضمن للصين مصالحها، وأهمها إخلاءشبه الجزيرة من أي وجود أجنبي. رابعاً، لن تقبل الصين بأي حال ومن الآن فصاعداً أن تكون مجرد بند في جدولأعمال يناقش أمن وتجارة واقتصادات وطرق النقل في مناطق الجوار كافة. الصينتحاول بكل جهد ممكن أن تكون هي نفسها عنواناً لجداول أعمال كثيرة في هذهالمناطق. أتصور أنها نجحت إلى حد كبير في أن تجعل النظام الإقليمي لبحرالصين الجنوبي نظاماً يخضع للهيمنة الصينية، وبأمل أن يتوسع ليصبح نظاماًإقليمياً يضم دول ومؤسسات منطقة جنوب شرق آسيا. لا يخالجني شك كبير في أنهاتسعى في الوقت نفسه لتحرير شبه الجزيرة الكورية واليابان من الوجودالأميركي. المؤكد أن الولايات المتحدة لن تقبل ببساطة الاستسلام لهذا الهدفالصيني، ولكنها لن تتحداه قبل أن تطور بنيتها التحتية وتستعيد زمامالمبادرة في الكثير من ميادين الثورة التكنولوجية. خامساً: أمل كيم وكوريا الشمالية الانتقال سلمياً إلى مرحلة الإصلاحالاقتصادي. هذا الانتقال يحتاج إلى دعم من تجربة الصين وخبرتها ليتمبالكفاءة نفسها والمدة نفسها اللتين تمّ بهما فيها. لم يعد ممكناًالاستمرار طويلاً في إدارة الحكم في كوريا الشمالية بالأسلوب الستالينيالعنيف ومبدأ «إملأ القلوب بالخوف والبطون بأي طعام». ينقل الأميركيون عنالكوريين الجنوبيين اقتناعهم أن الرئيس كيم أقام نظاماً يقوم على ثلاثةأعمدة هي القمع عالي المستوى وتحرير الاقتصاد عند الطبقات الدنيا وتصعيدالتسلح النووي. هذا الأخير باعتباره السبيل الناجع لكسب اهتمام المجتمعالدولي، خصوصاً الدولتان الأهم في حسابات بيونغيانغ: الصين والولاياتالمتحدة. سادساً: المهم للصين الجديدة، ذات العقل البراغماتي، أن يكون في كورياالشمالية نظام حكم مستقر وقادر على تأمين طرق المواصلات ومستقل عن الأحلافالغربية. هذه الشروط يكاد يوفرها النظام الحاكم حالياً في بيونغيانغ. أضفأن هذا النظام يحتفظ بجيش قوامه مليون جندي ولديه ترسانة صواريخ تتطورلتصبح قادرة على حمل رؤوس نووية. هذه القدرات إلى جانب شرط الاستقرار كافيةليحظى النظام بدعم بكين، ولكنه الدعم الحريص والمسؤول. لاحظنا مثلاً أنهما أن انتهت زيارة كيم للصين إلا وكان مبعوث صيني في طريقه لسيول عاصمةكوريا الجنوبية ليبلغها بنتائح الزيارة ويعزز سمعة جدية النظام في كورياالشمالية. أثارت مختلف التحركات والتصريحات الأخيرة حول مسألة الانفتاح علىكوريا الشمالية علامات استفهام مهمة. لن نتجاهل حقيقة أن الجانب الأعظموالأهم منها جرى في ظل غياب أو تغييب فعلي لوزارة الخارجية الأميركية. لنتجاهل كذلك حقيقة أنها جرت في سياق تصعيد مبالغ فيه من جانب الطرفين،كوريا الشمالية والولايات المتحدة واكتراث غير متناسب من جانب الأطرافالأخرى، وأقصد الصين وكوريا الجنوبية واليابان وهلع شديد من جانب الإعلامالغربي خوفاً من طيش وتهور اشتهر بهما أو أبدع في تمثيلهما الرئيس ترامب. أتصور، ولا دليل مؤكداً عندي، أن أجهزة الاستخبارات في ثلاث دول على الأقلاشتغلت على مدار العام الأخير لنسج شبكة اتصالات تضع الأساس لمرحلة جديدةفي العلاقات بين دول شرق آسيا، وتمهد لتسوية أحد أقدم الصراعات الدولية. أكاد أجزم بأن الدبلوماسيات العادية استبعدت واستبعد أيضاً الجنرالماكماستر ومعاونوه في قطاع الأمن القومي في البيت الأبيض. أظن أن قادةالحزب الجمهوري فوجئوا كغيرهم من أعضاء الطبقة السياسية الأميركية، فوجئأيضاً قادة الحلف الأطلسي. مرة أخرى يتأكد لنا أن من يصنع السياسة الخارجيةفي دول كثيرة منذ فترة غير قصيرة قوم من خارج الأطر التقليدية. هؤلاءبعيدون من حيز المساءلة، مساءلة الرأي العام والإعلام، وفي حالات ودولبعينها بعيدون من رقابة ومساءلة السلطة التشريعية. فلنتوقع مفاجآت كثيرةمقبلة وأخباراً عن مغامرات وصفقات مثيرة في العمل الدولي، ولنتوقع بالفعلوفي الوقت نفسه حلحلة بعض القضايا والأزمات المستحكمة.

الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube