https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

أصدرت «رابطة الإسلام في القرن الحادي والعشرين» العدد الأول من مجلتها التي تحمل اسمها. وهي تهدف إلى تجديد الفكر داخل العالم العربي الإسلامي. ويشرف على المجلة رئيس الرابطة الدكتور الجزائري صادق بلوصيف. وهو بروفسور كبير في الطب ولكنه مفعم أيضاً بحب الأدب والفكر والفلسفة. وفي افتتاحيته لهذا العدد الأول يقول ما معناه: لماذا نصدر مجلة جديدة في وقت تغلق فيه مجلات كبرى وعريقة أبوابها؟ لثلاثة أسباب: أولها، المزاوجة بين الخصوصية الثقافية للإسلام وتيارات الفكر المعاصرة وإخصاب هذه بتلك. وثانيها، نريد فهم الإسلام كدين، والإسلام كحضارة، وهدفنا هنا إقامة الحوار والتفاهم المشترك بين الإسلام وبقية الأديان والثقافات والحضارات. وثالثها، التفريق بين ما هو ثقافي وما هو عبادي في الإسلام. هذا التفريق شائع في الغرب وقد أدى إلى التمييز بين الدين والسياسة. فللدين رجاله وللسياسة رجالاتها ولا ينبغي الخلط بينهما في كل شاردة وواردة. ولكن هذا التمييز لم يصبح بعد شائعاً في العالم العربي أو الإسلامي حيث لا يزال الخلط بينهما سائداً. من هنا الانتشار الكبير لحركات الإسلام السياسي.

– استراتيجية واحدة بتكتيك مختلف

ثم يقدم الدكتور محمد الحداد مداخلة مطوّلة وعميقة تحت عنوان: هل ينبغي أن نُدين ماكرون؟ وجوابه هو أننا لسنا مجبرين على موافقته على كل شيء، ولكن ينبغي الاعتراف بأن رد المؤسسات الدينية الإسلامية على خطابه لم يرتقِ إلى المستوى المطلوب. هذا أقل ما يمكن أن يقال. يضاف إلى ذلك أن ماكرون لم يهاجم الإسلام ولا المسلمين إطلاقاً في خطابه وإنما هاجم فقط الإسلامويين أو الأصوليين أو حركات الإسلام السياسي. ولكنّ بعض القنوات الإعلامية تعمّدت عن قصد ترجمة خطابه بشكل مغلوط لكي تستطيع إدانته وتهييج المسلمين والعرب عليه وعلى فرنسا كلها. فهذه القنوات قد زعمت زوراً وبهتاناً أنه يُدين الإسلام والمسلمين ككل في حين أنه اكتفى بانتقاد الحركات المتطرفة. إذن، فهناك مشكلة في الترجمة بين «مسلم» و«إسلاموي»، أو بين «الإسلام» و«الإسلاموية». فهما ليسا شيئاً واحداً في اللغة الفرنسية على عكس ما نظن. وهنا أصاب محمد الحداد الهدف تماماً.

وعلى أي حال هناك نقطة أخرى مهمة يثيرها الدكتور محمد الحداد، وهي أن أحد قادة الحركات الإسلامية المعروفة يريد إقناع فرنسا والغرب بالمقايضة التالية: ساندوا الإسلام السياسي «المعتدل المسالم»، أي نحن جماعة الإخوان، لكي نحميكم من تفجيرات الإسلام الراديكالي العنيف كـ«القاعدة» و«داعش» إلخ. ولكنّ هذه المعادلة لا تستقيم، لأن هو نفسه أحد مؤسسي ما يدعى «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» الذي يترأسه القرضاوي. ومعلوم أن العديد من قادة «القاعدة» و«داعش» خرجوا من رحم هذا التيار، أي تيار الإخوان المسلمين. وكما يقول الفيلسوف المازري حداد في كتاب مهم سيصدر قريباً بالعربية والفرنسية، فإن الخلاف بين كل أطياف الإسلام السياسي هو في الدرجة لا في النوعية ولا في الطبيعة لأن العقيدة واحدة والاستراتيجية واحدة ولكن التكتيك يختلف. الهدف الاستراتيجي النهائي واحد في نهاية المطاف، ألا وهو، «أسلمة» المجتمع بالمعنى التقليدي للكلمة وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإقامة الدولة الدينية التي لا تعترف بأي فصل بين الجامع والدولة ولا حتى أي تمييز. بمعنى آخر، سوف نظل محكومين بكابوس الدولة اللاهوتية الثيوقراطية القروسطية التي تخنق الحريات وتشل الطاقات الإبداعية للعرب. وبالتالي فلا يمكن أن ينهضوا ولا أن يلحقوا بركب الأمم المتقدمة. كيف يمكن أن ينهض من هو مقيّد بأصفاد القرون الغابرة؟ أعطني حريتي أطلق يديّا! ثم يضيف الدكتور المازري حداد أن الربيع العربي سرعان ما تحول إلى «شتاء أصولي قارس» وفشل فشلاً ذريعاً. لا ريب في أن الانتفاضات على الاستبداد السياسي و«بوليس الفكر» كما يقول، كان شيئاً مشروعاً ولكن كان هناك طريق آخر للتغيير غير هذا الطريق الفوضوي المدمر الذي سلكوه. كان هناك طريق الإصلاح التدريجي وإجبار الأنظمة على تقديم التنازلات بشكل أو بآخر. ألم يكن ذلك أفضل من كل هذا الخراب الحاصل حالياً؟ أين كنّا وأين أصبحنا؟ والدليل على ذلك أن تونس كانت مزدهرة اقتصادياً قبل يناير (كانون الثاني) 2011، ولكنها أصبحت الآن على حافة الانهيار بعد عشر سنوات من هذا الربيع العربي المزعوم. يضاف إلى ذلك أن تونس كانت تصدِّر إلى العالم العربي الكفاءات العلمية والطبية والهندسية والمعلوماتية فأصبحت تصدر إليه لاحقاً «اليد العاملة الجهادية»، إذا جاز التعبير. نعم لقد صدّرت تونس بعد «الربيع العربي» آلاف الجهاديين الداعشيين إلى سوريا والعراق في السنوات الأخيرة لكي يسهموا في تدمير بلدين عربيين كبيرين تآلب عليهما الدمويون من زوايا العالم الأربع وأعادوهما في بعض المناطق إلى العصر الحجري. أعتقد أن كتاب المازري حداد سوف ينفجر كالقنبلة الموقوتة عندما يصدر قريباً. لكن لِنَعُد إلى محمد الحداد. ما الحل الذي يقترحه في نهاية المطاف؟ إنه يرى أن الحل لا يمكن أن يأتي من جهة الأصوليين، معتدلين كانوا أم متطرفين، وإنما من جهة المثقفين الأحرار المعزولين المتبعثرين الخارجين على الإطار الأصولي الخانق كلياً. وهم ما قد جرت العادة على تسميتهم: المفكرين الجدد في الإسلام. انظروا في هذا الصدد كتاب الباحث المغربي رشيد بن زين الذي يحمل ذات الاسم. بمعنى آخر، فإن إسلام الأنوار هو الحل، ولكن على المدى البعيد لا القريب للأسف الشديد. لماذا؟ لأن إسلام الظلمات لا تزال له شعبية كبيرة بسبب الجهل والفقر والأمية. وبالتالي فتنوير الشعوب العربية وتعليمها وتثقيفها سوف يستغرق وقتاً طويلاً. عندئذ سوف يحصل الربيع العربي الحقيقي! نريد ربيعاً تنويرياً مشرقاً لا طائفياً ظلامياً.

– اللاهوت والفلسفة

أنتقل الآن إلى باب آخر من أبواب هذه المجلة العتيدة المليئة بالأفكار الجديدة والتحليلات والإضاءات. يحمل هذا الباب العنوان الرصين التالي: اللاهوت والفلسفة. وقد شارك فيه محمود حسين. وهو اسم مركّب مستعار يدل على مثقفين مصريين اثنين هما: عادل رفعت وبهجت النادي. وقد كتبا مداخلة مطولة جداً في المجلة تحت عنوان: «النزعة الإنسانية الإسلامية بالأمس واليوم». وهي تقول لنا ما معناه: لقد سبقت النزعة الإنسانية الإسلامية حركة النهضة الأوروبية ونزعتها الإنسانية أيضاً بسبعة قرون على الأقل.

وبالتالي فالتنوير كان عربياً قبل أن يصبح أوروبياً. بل إن التنوير الأوروبي ما هو إلا امتداد للتنوير العربي. لقد ظهرت النزعة الإنسانية الإسلامية والعقلانية العربية في القرن التاسع الميلادي على يد المعتزلة والفلاسفة أساساً، ولكن يمكن أن نضيف إليهم الأدباء والشعراء الكبار كالمتنبي والمعري إلخ. لقد ظهر هذا التيار الذي دعاه محمد أركون بالنزعة الإنسانية العربية وتألق على يد مفكرين أفذاذ ليس أقلهم الجاحظ والتوحيدي ومسكويه وعشرات غيرهم. هذا بالإضافة إلى كبار شخصيات الاعتزال كواصل بن عطاء، والزمخشري، والقاضي عبد الجبار، والعلاف، والنظام، إلخ.

ولكنّ أتباع التقليد الحرفي الجامد والرجعية الحنبلية سرعان ما تصدوا للمعتزلة وأسكتوهم بل أبادوهم في نهاية المطاف. وعلى هذا النحو انتصرت الظلامية الدينية على الأنوار العقلانية في العالم الإسلامي. ونحن لا نزال ندفع ثمن هزيمة المعتزلة والفلاسفة حتى اللحظة بدليل أن «داعش» الشرير ما هو إلا امتداد لعصور متطاولة من الظلامية الدينية امتدت على مدار ألف سنة متواصلة. من هنا صعوبة مواجهتها لأنها متغلغلة في الأحشاء والعروق وبرامج التعليم والفضائيات والعقليات… ولو أن المعتزلة هم الذين انتصروا لَمَا كان هناك شيء اسمه «داعش» حالياً.

كنا نعتقد أنه انتهى بسقوط دولته السوداء في الموصل والرقة ولكن يبدو أنه لا يزال قادراً على الضرب والإجرام بدليل ما ارتكبه مؤخراً من تفجيرات مروعة في منطقة الباب الشرقي في بغداد حيث سقط عشرات الجرحى والقتلى من الناس البسطاء، الفقراء، الأبرياء. أين النزعة الإنسانية؟ أين سماحة الإسلام ومكارم الأخلاق؟ أين الأنوار العربية التي أشعّت على العالم يوماً ما ومن بغداد بالذات؟ كل شيء انطفأ. أو قُلْ كل شيء يريد أن يطفئه هؤلاء المجرمون الداعشيون القتلة الذين تؤذيهم نهضة العراق والعرب ككل. في ختام دراستهما المطولة جداً والعميقة يتوصل الباحثان إلى ذات النتيجة التي توصل إليها الدكتور محمد الحداد: وهي أن الأمل معقود على المفكرين الجدد في الإسلام وفي طليعتهم محمد أركون ونصر حامد أبو زيد وآخرون. ومعلوم أن أركون أمضى حياته وهو يتحدث عن النزعة الإنسانية العربية في القرن الرابع الهجري- العاشر الميلادي. وقد تأسف كثيراً لأن حركات الإسلام السياسي قضت كلياً على النزعة الإنسانية وشوّهت صورة الإسلام العظيم وأغرقت الجزائر في عشرية سوداء مرعبة لا أعادها الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube