https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

عرف عن عدنان مندريس انه رجل الإحياء الديني في تركيا بعد ربع قرن من حكم الحزب الواحد العلماني المتشدد بقيادة مصطفى كمال أتاتورك وخليفته عصمت اينونو.
جاء مندريس إلى السلطة بانتصار كاسح لحزبه الديموقراطي عام 1950. وجدد انتصاره في عامي 1954 و1957 في سابقة لم تتكرر إلا مع حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب اردوغان أعوام 2002 و2007 و2011.
يرجع الفضل لمندريس لعودة المظاهر الإسلامية إلى الدولة والمجتمع. فعادت تلاوة الأذان بالعربية وافتتاح برامج الإذاعة بتـــلاوة القرآن، وافتتاح معاهد إمام خطيب التي تخــرج أردوغان لاحقا منها.
وهو ما حصل أيضا في عهد اردوغان الذي صبغ البلاد والدولة والمجتمع بالمظاهر الإسلامية وعوّد الناس على أن يتأقلموا مع العبادات والصلوات والزوجات المحجبات.
تشابهت مسيرة اردوغان الداخلية كثيرا مع مسيرة مندريس، لكن التشابه كان أيضا كبيرا في مسيرتهما في السياسة الخارجية مع بعض الفوارق.
مندريس بدأ منذ اللحظة الأولى مسيرة التعاون الكاملة مع الأميركيين، فانضم إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952، وكان جزءا من حلف بغداد المعادي لحركات التحرر العربية وصولا إلى استخدام الأميركـــيين لقاعدة انجيرليك أثناء الثورة ضد كميل شمعون في لبنـــان لنقل الإمدادات للقوى المؤيدة لشمعون ولنزول المارينز في لبنان.
وفي عهد مندريس كان العداء الأكبر لتركيا هو للشيوعية، ليس لأنها شيوعية بل لأن أنقرة جزء من التحالف مع واشنطن. وبقدر ما كانت النزعة الإسلامية تنمو في الداخل بقدر ما كان التحالف مع أميركا والغرب يتوسع.
فرضية أن النزعة الإسلامية تفرض حتماً العداء لأميركا بل أيضا لإسرائيل لم تصمد في النموذج التركي في عهد مندريس. أما في عهد اردوغان وحزبه «العدالة والتنمية» فمع أن الظروف الدولية اختلفت كثيرا غير أن الاتجاه الإسلامي في تركيا لم يتأخر كثيرا في إثبات انه ليس فقط لا يتعارض مع السياسات الأميركية بل أيضا في تعاون وثيق معها في السياسات الخارجية والشرق أوسطية تحديدا.
إذا وضعنا جانباً محاولات تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية إقناع حماس الاعتراف بإسرائيل وتأمين تسوية في المنطقة تضمن شرعية الوجود الإسرائيلي وأمنه، فإن الانسجام مع السياسات الأميركية في السنوات الأخيرة كان الشغل الشاغل لحزب العدالة والتنمية لا سيما منذ قمة اردوغان والرئيس الأميركي السابق جورج بوش في خريف 2007 ثم مع عهد باراك أوباما.
ومع بدء الثورات العربية كانت الفرصة سانحة لتحويل التعاون الأميركي- التركي إلى شراكة. قبل أيام كانت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في اسطنبول للمشاركة في مؤتمر الاتصال الليبي، لكن المواضيع تجاوزت ذلك في محادثاتها مع اردوغان ووزير خارجيته وصاحب مقولة «العمق الاستراتيجي» احمد داود اوغلو، لتتناول بصورة مفصلة الدور التركي في الأحداث الجارية في المنطقة العربية ولا سيما في سوريا. وقد أشارت كلينتون إلى أن الدور الأكبر للغرب تجاه سوريا يمر عبر تركيا الأكثر تأثيراً.
وبعدها مباشرة وصل رئيس الاستخبارات الأميركية ديفيد بتراوس في زيارة قالت صحيفة «يني شفق» إنها تهدف إلى درس مختلف الاحتــمالات ضد ســـوريا، ومنها الخيار العسكري.
يقول سامي كوهين في «ميللييت» إن العلاقات التركية الأميركية بلغت أبعاداً مهمة جديدة من الاتفاق التام على ليبيا إلى الاتفاق على البرنامج النووي الإيراني، حـــيث لم يعد هناك فرق بين أنقرة وواشنطن، وصولا إلى الوضــع في سوريا حيث يتوثق التعــاون بينـــهما بصورة كبيرة وتلتقي وجهتا نظر الطرفــين أكثر من أي وقت مضى.
إسلاميون في الداخل لكن أميركيين في الخارج هو الشعار الذي يمكن إطلاقه على مرحلتي مندريس وأردوغان. أما الفارق الأكبر بين اردوغان والأحزاب العلمانية والأنظمة العسكرية التركية فيكمن في أن هؤلاء كانوا يمارسون سياسات أميركية- إسرائيلية ضاغطة من الخارج على الأنظــمة العربية التقدمية، عبر أحلاف وتهديدات على الحدود. أما مع حزب العدالة والتنمية فإن تركيا تورطت لتكون طرفا في الصراعات الداخلية للدول العربية كأنها مستملكة عثمانية، من ليبيا إلى مصر وتونس والبحرين وصولا إلى سوريا، حيث توالت الدروس والمواعظ فضلا عن تنظيم المعارضات الليبية والسورية على الأراضي التركية.
وعندما يجيبون أن تركيا بلد ديموقراطي، حيال حرية الاجتماع، تخرج الصرخة من أكراد تركيا الذين لا يزالون يعانون من عدم وصول لا الحريات ولا الديموقراطية إلى «ديار بكرهم»، ويجاهر اردوغان نفسه بإنكار الهوية الكردية بالقول انه ليس من قضية كرديـــة بل قضية مواطنين فردية، ناهيك عن الظـــلم الأبدي اللاحق بعشرين مليون علوي على يـــد العلمانيــين كما الإسلاميين.
ما بين مندريس وأردوغان أكثر من شبه، وإذا كان من عبرة فهي انه يجب قراءة التاريخ الحديث لتركيا بتأن، حيث تتشــابه الوقائع ولا تختلف سوى الأسماء: بالأمس عدنان مندريس واليوم رجب طيب أردوغان.

السفير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube