https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png

منذ العملية الإرهابية التي نفذها اليميني الأصولي النرويجي أندرس بيرينغ برييفيك يوم الجمعة الماضي والحديث يتكرر عن الإسلام والمسلمين والهجرة. إذا أردت التأكد من ذلك فما عليك إلا أن تضع اسم برييفيك أو النرويج وإلى جانبه كلمة إسلام على محرك البحث الإنترنتي، حتى تطالعك عشرات الصفحات ومئات المواضيع والتعليقات عن العملية الإرهابية التي روعت النرويج وهزت أوروبا وترددت أصداؤها حول العالم لبشاعتها وعدد ضحاياها ودوافع منفذها.

الإشارات إلى الإسلام بدأت مباشرة عقب العملية مع تلميحات مبهمة من هنا وهناك إلى احتمال أن يكون خلفها تنظيم إرهابي «إسلامي». وبعد أن اتضح أن المنفذ نرويجي متطرف تنفس المسلمون الصعداء لأن العملية لا علاقة لها بأي تنظيم إرهابي من التنظيمات التي شوهت صورة المسلمين وسماحة الإسلام، واعتقد كثيرون أن الإسلام سيكون بمنأى عن هذه العملية الإرهابية البشعة التي قتل فيها ما يزيد على 93 شخصا، وجرح عدد مماثل؛ كثير منهم من الشباب. لكن الأمر لم يدم طويلا، إذ سرعان ما بدأ اسم الإسلام يرد في التغطيات الصحافية، بعد أن تكشفت هوية الفاعل وأميط اللثام عن دوافعه.

برييفيك، مثلما اتضح خلال الأيام القليلة الماضية، شرح أفكاره المتطرفة وألقى الضوء على دوافعه في كتابات على الإنترنت تعود إلى سنوات مضت، وفي دفتر يوميات بدأ في كتابته منذ مطلع مايو (أيار) الماضي وتحدث فيه عن خططه لهجومه الإرهابي. كذلك تبين أن الرجل نشر على الإنترنت ما اعتبره ميثاقا أو برنامجا من 1500 صفحة، وفيه تحدث بإسهاب عن أفكاره المتطرفة، وعبر عن كره شديد للإسلام الذي اعتبره «تهديدا للحضارة الغربية» و«للهوية الأوروبية المسيحية»، كما انتقد الهجرة ومفهوم التعددية الثقافية.

لقد ظل كثيرون يتحدثون عن خطورة الخطاب المعادي للإسلام، وعن الربط المتواصل للإسلام بالإرهاب بسبب ممارسات قلة قليلة من ديانة يعتنقها ما يزيد على مليار إنسان حول العالم، علما بأن إرهاب هذه القلة طال الدول الإسلامية مثلما طال الدول الأخرى، وراحت ضحيته أعداد كبيرة من المسلمين ربما تتجاوز في مجملها أعداد الضحايا من غير المسلمين. وشدد كثير من العقلاء على أن الإرهاب لا دين أو عرق أو لون له، بل هو آفة لا يسلم منها أحد، ومحاربته تتطلب جهدا وتنسيقا دوليين، وأنه لن يستفيد من تجريم الإسلام ولصق الإرهاب به سوى المتطرفين والمتعصبين، أينما كانوا، في الغرب أو في الشرق.

الهجوم الإرهابي في النرويج أكد هذا الأمر وكشف عن حجم الخطر الناجم عن النفخ في الخطاب المعادي للإسلام، وللمهاجرين، وهو خطاب لا يمكن لأحد إنكاره، خصوصا أن الأمر لم يعد قاصرا على قلة من المتطرفين والمتعصبين، بل امتد إلى كثير من السياسيين والمعلقين، حتى كاد يغرق كل الأصوات العاقلة. لكن المأساة الحقيقية أن هناك قيادات محافظة حاكمة، مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أو الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، تطرح برامج وتدلي بتصريحات تغذي المخاوف ومشاعر العداء في الحديث المتواصل عن مواضيع الإسلام والهجرة والهوية الغربية والتعددية الثقافية. فالجدل حول النقاب والحجاب واعتبار الأمر هجمة على الحضارة أو الهوية الغربية ليس بعيدا عن الأذهان، مثلما أن تصريحات ميركل أمام التنظيم الشبابي لحزبها المسيحي الديمقراطي التي قالت فيها إن التعددية الثقافية فشلت تماما في ألمانيا، لا تزال حية في أذهان الكثيرين بعد الجدل الذي فتحته حول موضوع الهجرة والمسلمين في ألمانيا خصوصا من ذوي الجذور التركية.

ولمعرفة مدى انتشار هذه المشاعر العدائية، ما على المرء إلا أن ينظر في نتائج دراسة ألمانية نشرت في ذات الفترة التي أدلت فيها ميركل بتصريحها المثير للجدل، الذي سبقته وأعقبته تصريحات لعدد من السياسيين الألمان صبت في اتجاه انتقاد المهاجرين المسلمين، بل الإسلام ذاته في بعض الأحيان. فقد وجدت الدراسة أن 60 في المائة من الألمان يؤيدون «فرض قيود على ممارسة الشعائر الإسلامية»، و13 في المائة يرون أن ألمانيا تحتاج «إلى فوهرر جديد يدير البلاد بقبضة من حديد». مثل هذه المشاعر ليست قاصرة على ألمانيا، وإن اختلفت درجتها ما بين بلد وآخر في معظم أوروبا، فهناك الكثير من استطلاعات الرأي في دول أخرى تعكس تنامي مشاعر العداء للمهاجرين وللإسلام والمسلمين. هذه الأجواء أفرزت صعودا لليمين المتطرف في أوروبا، وانعكست في قرارات مثل حظر المآذن في سويسرا ومنع النقاب في فرنسا وبلجيكا، مثلما أفرزت مناخا سهل التهجم على الإسلام، وتصويره على أنه خطر على «الحضارة الغربية».

أميركا رغم تعدديتها الثقافية والعرقية والدينية لم تكن بمنأى عن صعود أصوات اليمين المتهجم على الإسلام والمسلمين، وهو أمر انعكس خلال الجدل حول مشروع بناء مسجد قريب من موقع هجمات سبتمبر (أيلول) «غراوند زيرو» في نيويورك، أو في زوبعة حرق نسخ من المصحف التي أثارها قس متطرف، أو حتى في التهجم على الرئيس باراك أوباما من خلال الغمز بجذوره الإسلامية. ولاحظ عدد من الكتاب والمعلقين الأميركيين أن منفذ العملية الإرهابية في النرويج أوضح في كتاباته ويومياته أنه تأثر بكتابات وأفكار عدد من المتطرفين الأميركيين والأوروبيين الذين دأبوا على مهاجمة الإسلام واعتباره خطرا على «الحضارة الغربية» وعلى «الهوية المسيحية».

في ظل المتابعة لتداعيات الجريمة الإرهابية في النرويج لا يفوت على المراقب أن يتنبه إلى أن الإعلام الغربي لم يتحدث عن «إرهاب مسيحي» رغم إشاراته المتعددة إلى أن منفذ الجريمة يميني متطرف وأصولي متعصب وأنه يكره الإسلام ويعادي المهاجرين ويرفض التعددية الثقافية، ولو كان برييفيك مسلما لرأينا الكثير من التعليقات والعناوين تشير إلى «الإرهاب الإسلامي» بدلا من الحديث عن شخص متطرف أو تنظيم متعصب.

إن الإرهاب لا دين له، بل هو آفة عالمية يجب اجتثاثها، وهو عدو للإنسانية، وخطر على البشرية من كل دين ولون وجنس وعرق. أما ربطه بالإسلام فهو ليس خطأ، بل خطيئة، يتضرر منها الجميع ولا يسلم منها أحد؛ مثلما أثبتت عملية النرويج الإرهابية.

العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube