https://chinaasia-rc.org/wp-content/uploads/2020/07/CAC.png
اشتهرت أذربيجان بعد نيل استقلالها عن الاتحاد السوفياتي بمشكلة قره باخ وبظهورها نمرا في الطاقة سواء في النفط أو الغاز الطبيعي.
وبعد عقود من السيطرة الشيوعية، وبرغم الغالبية الشيعية، وجدت باكو نفسها جزءا من المعسكر الغربي برعاية «أخوية» مباشرة من تركيا، مشكّلتين مع جورجيا «مثلثا» استراتيجيا عسكريا واقتصاديا، أبرز معالمه خط باكو ـ جيهان الذي هدف إلى إضعاف التأثير الروسي في مجال الطاقة.
لم تعد باكو عاصمة لدولة كانت تذهب كل خيراتها إلى موسكو، كما كانت تذهب كل خيرات الأرياف العثمانية إلى اسطنبول.
ظهرت الطفرة النفطية وترعرعت في ظلالها طبقة غنية مستفيدة مثلها مثل معظم الدول النفطية.
لكن زائر باكو يلحظ «هجمة» عمرانية واسعة تتمثل في المباني الضخمة الجديدة وفي بعض الأبراج التي تنتهك الانسجام العمراني الأفقي للمدينة.
ما يشفع للطفرة العمرانية أن معظمها يتبع النسق التقليدي الجميل في العمارة الموروثة من العهد السوفياتي. مبان حجرية كبيرة ومريحة تطغى عليها هندسة القناطر في المداخل والنوافذ، ويحفظ هذا النسق، إلى جانب تصميم الساحات الكبيرة والشوارع الطويلة والواسعة والحدائق الكثيرة، باكو من أن تكون استنساخا فظا للعمارة الحديثة التجارية التي تنتشر مثلا في بعض دول الخليج العربية.
وبين الطفرة النفطية والموروث الشيوعي يكاد المجتمع في بعض مظاهره الـ«باكووية» خارج النزعات المتدينة. فأنت تحتاج إلى «ميكروسكوب» كي تعثر على محجبة واحدة هنا أو هناك، فيما يطغى النمط الغربي إلى حد ما على العلاقة بين الجنسين ولا سيما جيل الشباب. ومع أن نسبة المحافظ في أذربيجان تطغى على الأرياف فإن «روح العلمنة» تبدو الراجحة. عدم العثور على هوية بعد عقود من «الإلحاد» والدخول مباشرة في عصر الطفرة النفطية الجالبة حتما للفساد يجعلك أمام تراجع في التيارات المتشددة والمذهبية.
في جامع أجدار في قلب باكو يمكن للشيعي أن يضع يديه على وسطه أثناء الصلاة، ويمكن للسني أن يسبلهما وان يصلي على قرص من تربة كربلاء.
ولا تستفز السنّي كتابة اسم علي بجانب النبي محمد.
لكن لا احد يمكن أن يقدّر مدى «صمود» المجتمع الأذري أمام موجة التطرف المذهبي في العالم الإسلامي.
ربما بسبب العهد الشيوعي، ليس من جوامع كبيرة أو مهمة أو كثيرة في باكو كلها. جوامع على قلتها تعود إلى ما قبل العهد الشيوعي، وإلى ما قبل قرون خلت. لكن في الوقت ذاته، ليس من جوامع جديدة وحديثة وكبيرة.الأبراج والعمارات الجديدة تغلب بنسبة ساحقة التفكير ببناء جوامع تحتاج لمرتادين حيث لا تغلب النزعات الدينية.
تراجع النزعة المتدينة والمذهبــية سهّل أمام الغــرب واسـرائيل أن تطبق على تلابيب الحيــاة السياسية والاجتماعية من جهة، وعلى تغليب الطابع الاستهــلاكي بـــين الناس، فارتفـعت درجة الغلاء الفاحش الــذي قد لا يوجد حتى في مدن كبرى أخرى في العالم.
ومع أن متوسط الدخل الفردي كبير، وهو يلامس 25 ألف دولار، غير أن هذا يقع في الحيز النظري، إذ أن طبقة محدودة من الأغنياء تحتكر الثروات وتتمتع بمظاهر الحياة الفاخرة من منازل وسيارات جديدة فيما الغالبية لا تزال تعيش على فتات سيارات «لادا» الروسية الشهيرة التي لا تزال تخترق بعض الشوارع فتعرف أن أصحابها من الفقراء. وكثرة السيارات الجديدة لا تعكس من ناحية أخرى اتساع الثراء الأفقي في المجتمع، فالمجتمع الأذري تحوّل أيضا إلى مجتمع يسعى لحرمان نفسه من الحاجيات الأساسية من أجل امتلاك سيارة جديدة تقتضيها مظاهر «الوجاهة».
سيادة النزعة الفردية في السلطة إبان العهد السوفياتي لم ينقطع نسلها، فمؤسس أذربيجان الحديثة وصانع استقلالها حيدر علييف ترتفع تماثيله الضخمة في أكثر من ساحة من باكو، وصوره في كل مكان ولكن بملامح وجه غير قاسية كما يروّج عادة لـ«البطل» و«القائد».
حتى عند ضريح علييف يرتفع تمثال له في رأس مقبرة تمتلئ بتماثيل المتوفين وغالبيتهم من العهد السوفياتي فلا غرو أن تكون الكتابات على معظم الشواهد باللغة الروسية.
لا يزال كل الناس تقريبا يتحدثون بالروسية، ولكن الأرجح انه بعد عقدين مثلا لن يكون هناك من يتحدث بها. لم تعد لغة مفروضة في المدارس والجيل الجديد يتجه لدراسة الانكليزية. وكما ستنقرض اللغة الروسية ستنقرض ربما قبعة صوف الغنم «الباباكتشي» الشبيهة بالقبعة الروسية والتي لا يزال يعتمرها بعض كبار السن.
لا يمكن ملاحظة تأثيرات غربية مباشرة في السياسة، ولكن الوجود التاريخي لليهود الخزر، وهو الاسم الذي أطلق في الأدبيات التاريخية العربية على بحر قزوين، في أذربيجان ساهم في تعزيز قبول النفوذ الإسرائيلي في البلاد حيث أن اليهود هناك عبر التاريخ تحولوا إلى جزء من الثقافة القومية والقبلية وأحيانا الدينية إلى درجة أن بعض اليهود قد تسمّوا بـ«محمد» و«عبد الله» وما إلى ذلك.
طبعا لا يمكن حصر النفوذ الإسرائيلي بهذا العامل.، إذ أن خيار باكو السياسي بالتحالف مع الغرب ومع تركيا كان في أساس الحضور الإسرائيلي الذي يحوّل أذربيجان إلى بلد على علاقات عدائية مع محيطه، مثل إيران وروسيا، خصوصا أن ترجيحات تقول إن أية ضربة غربية وربما إسرائيلية ضد إيران ستتخذ من أذربيجان ومعها جورجيا أحد منطلقاتها. أما أرمينيا فهي «القصة كلها». فالصراع خطير لأنه يتخذ طابعين دينيا واتنيا. ولكن بعد عشرين عاما على حرب ناغورني قره باخ، والتي انفصل فيها أرمن قره باخ عن الارتباط بحكم ذاتي مع اذربيجان وزادوا عليها، بالتعاون مع ارمينيا، ما يقارب من خمس الأراضي الأذرية، لا أحد يجيب عن سبب عدم محاولة الأذريين استعادة على الأقل الأراضي الأذرية التي احتلها الأرمن. ربما يكون السبب الانشغال بالثراء وربما يكون ذلك تحت ضغط أميركي. لكن الثابت ان هذه المشكلة لم تحل بعد وهي قابلة للإنفجار في اية لحظة. الأرمن لن يبادروا الى ذلك لأن الواقع الحالي لمصلحتهم.
ومهما تحدثنا عن نفوذ الدول الخارجية فلا شيء يضاهي النفوذ التركي، سواء في اللغة شبه المشتركة حيث فوجئت شخصيا مثلا بمدى عدم وجود صعوبة في التحدث مع الأذريين باللغة التركية. هذا لا شك من عوامل التقارب التركي ـ الأذري لكن الأتراك موجودون في كل مكان في الفنادق والمطاعم ومحلات البيع وفي المنتجات وفي الاعلانات في الشوارع. والسفارة التركية التي استضافتنا، مع زائرين آخرين، في حفل عشاء هي الأكبر في باكو وهي اكبر حتى من سفارتي الولايات المتحدة وروسيا على ما قاله لي السفير التركي في باكو خلوصي كيليتش.
تسعى باكو ومعها أذربيجان لتكون صلة وصل وممرا وجسرا بين الشرق والغرب وهو شعار أثير على قلوب الأتراك لكن الأذريين يبزّون الأتراك في أنهم يعتبرون بلادهم جسرا ايضا بين الشمال والجنوب وهم في ذلك على حق ويتفوقون على الأتراك بحكم الصلات التاريخية مع الروس ومع ايران بل لن يتأخر اليوم الذي سينتقل فيه الأذري من باكو الى بغداد فالخليج عبر خط سكة حديد يجري العمل على انشائه.
بطاقـة تعـريـف
العاصمة: باكو
اللغة الرسمية: الأذرية
نظام الحكم: رئاسي
رئيس الدولة: إلهام علييف
رئيس الوزراء: أرتور راسيزاده
الاستقلال (عن الاتحاد السوفياتي): 30 آب العام 1991
المساحة: 86600 كيلومتر مربع
السكـــان: 9.1 مليـون نسمة
الناتج المحلي: 94.3 مليار دولار
العمــلة: مـانات (1.26 دولار)
السفير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Share via
Copy link
Powered by Social Snap
Visit Us On TwitterVisit Us On FacebookVisit Us On Youtube