الصقيع الملتهب- 6


المؤلف : محمد خير الوادي  .  لم تتمكن سيارة التاكسي التي أقلته من مطار دمشق ، من دخول الشارع الضيق الذي يسكن فيه سالم بدمشق .فقد ازدحمت هناك عربات الباعة الجوالين، الذين اصمٌوا الآذان باصواتهم الداعية لشراء الفول الاخضر والبازيليا ،والبقدونس والسبانخ وغيرها من الخضروات،كما تحلقت النسوة حول تلك العربات، وهن يتجادلن مع الباعة حول الاسعار . اضطر سالم لجرحقيبة سفره الكبيرة ، بينما حمل اخوه عاطف على كتفه الحقيبة الصغيرة . وكان المارة يحيون الطالب ، ويهنؤونه بسلامة العودة ، فهو يعرف معظم الناس هناك . زغردت امه عندما دخل ابنها الى المنزل ، وعانقته،وكذلك فعلتا شقيقتاه ، بينما اكتفى والده بمصافحته .وبدا سالم مسرورا برؤية امه بصحة جيدة . مرت ايام حافلة بالاحداث في بيت والدي سالم . فقد حضر الاقارب والجيران للسلام عليه، وانشغلت والدته بصنع انواع متعددة من الحلوى المنزلية ،وكثرت الولائم بهذه المناسبة ، وتقاطر زملاؤه للسلام عليه . ولم يتمكن الوالد من الجلوس مع ابنه والاستفسار عن أحواله ،الا بعدانقضاء عدة ايام، عندما هدأت الامور ، وقل عدد الزوار . استدعى الاب ابنه ،و امطره بوابل من الاسئلة . كان على سالم ان يجيب بالتفصيل. فوالده - بحكم - عمله التفتيشي -لا يقبل اجوبة مختصرة أو مبهمة ، بل كان يعيد طرح السؤال الواحد عدة مرات وبصيغ مختلفة ،ان لم تعجبه الاجابة . وأحمر وجه سالم عندما قال له ابوه : - والآن حدثني عن اصدقائك . - لدي زملاء واصدقاء كثر في الدراسة ، فهناك طلاب من روسيا وفيتنام ومنغوليا وكوبا وبعض الدول الافريقية ، وانا اعيش في ببيت الطلبة مع طالب روسي في الغرفة . اجاب سالم . - هذا جيد، فوجود جار روسي لك مفيد لتعلم اللغة . خشي سالم ان تتطرق الاسئلة الى علاقاته مع الفتيات ، ولكن والده لم يفعل ، لقناعته ان ابنه لن يضيع وقته في مثل هذه " التفاهات " ،ولن يكرر قصة منى التي اعتبرها "طفرة مراهقة " .فهو قد ارسله الى روسيا لنهل العلم ليس الا. بعد عشرة ايام ، زارتهم في البيت امراة لا يعرفها، بصحبة فتاة في السادسة عشر من عمرها . وقد استغرب سالم عندما طلبت الام منه الحضور والسلام على الضيفات . فعادة لايحضر الرجال مجالس النساء في بيتهم . دخل الشاب غرفة الضيوف ،وقد بدا الارتباك والخجل واضحين على وجه ، والقى التحية ، وهمٌ بالانصراف, لكن أم الفتاة بادرته بالسؤال : - حدثنا عن روسيا ، هل هي بلاد جميلة؟ - نعم – أجاب سالم باضطراب– ففيها غابات على مد النظر ، وقد أنعم الله عليها بكثرة الماء ،وشعبها لطيف ومثقف . - وكيف بناتها ؟ سمعت انهم جميلات - واصلت المرأة -. - جميلات ، وكلهن يعملن أو يدرسن .اجاب سالم باقتضاب - واعتذروغادر الغرفة مسرعا والعرق يتصبب منه .فلم ترقه مبادرة والدته هذه، وانتابه بعض القلق من زيارة هذه المرأة الغريبة ، التي لم يسمع بها سابقا ، و لاتقطن في حارتهم . انشغل سالم باعداد بعض الوثائق في مديرية البعثات بوزارة التربية ،وبشراء البسة مختلفة . وكان يلتقي مساء اترابه ، ويجوب معهم شوارع دمشق ومقاهيها. ذات مرة عاد جذلا الى البيت ، وسأل امه عن أكلة المحاشي التي وعدته بها . كانت الوالدة تقف غاضبة وسط الغرفة ،وقد تناثرت على الارض الألبسة التي اشتراها . بادرته امه بالسؤال وهي تحمل في يدها عددا من قطع الالبسة النسائية : - ما هذه ؟ ولمن اشتريت الملابس ؟ - انها هدية -اجاب سالم بصوت مصعوق وخافت- . - هدية لمن ؟ - واصلت الام باصرار . - لمعلمتي وابنتها . قال سالم بعد ان صحا من هول المفاجأة وقد استبد به الحنق . وواصل صارخا: - لماذا فتحت حقيبتي ،ونثرت محتوياتها على الارض ؟ كون والدي مفتشا لا يمنحكم الحق في استباحة كل شيء في البيت وتفتيشه. فوجئت الام بلهجة ابنها الحادة ، فهي لا تود تصعيد الموقف ، ولذلك أجابت بصوت حزين مكسور : - لقد اعتدت على ترتيب البستك منذ صغرك ، ولم أقصد امرا آخر . ادرك سالم انه تجاوز حدود الاحترام عندما صرخ بوالدته . فأقترب منها وقبل يدها معتذرا . سقطت دمعة كبيرة من عين الام على يد ابنها ، واجهشت بالبكاء .طوق سالم عنق والدته بذراعيه ، وقبل رأسها . والتصق بها .هدأت الام ومسحت دموعا ، وهمست باذن ابنها : - لماذا اضطربت وزعقت ، هل تخفي أمرا ماعني ؟ وهل لديك صديقة هناك ؟ لماذا لم تخبرني من قبل ؟ - نعم – اجاب الابن بخجل - ، انها فتاة رائعة وقفت الى جانبي في الغربة وساعدتني مع أمها في كل شيء . صمتت الامم وقد بدا الارتباك على وجهها ، ورددت : - ياليتك اخبرتني من قبل ، ماذا أقول الان لأبيك ؟ - ما الأمر؟ – سأل سالم بلهفة . -المشكلة ، ان لوالدك صديق متنفذ جدا .ولديه ابنة تدرس في الصف العاشر، وهو يفكر في خطبتها لك، وقد زارتنا امس مع أمها. وانت نلت اعجابها .بصراحة ، هي لم تدخل قلبي ، لانها دهنت وجهها بنصف كيلو من مساحيق التجميل ، ولها اظافر طويلة طليت باللون الاحمر ، وهي لا تصلح لأن تكون ربة منزل . صعق سالم ، وانتفض غضبا وصرخ باعلى صوته : - من فوض والدي بالبحث عن خطيبة لي ؟ ولماذا يصيغ حياتي نيابة عني ؟ ارتجفت الام ، وصارت تهدأ من روع ولدها ، فهي خافت ان يسمع زوجها صراخ سالم . في هذه الاثناء دخل الاب ، وشاهد سالم وهو لا يزال يحتضن رأس والدته . علق ضاحكا : - أنا ايضا اشتقت لك ، لكنك لم تحتضن رأسي ، على كل حال ، فان والدتك قد افتقدتك كثيرا . وتناول كرسيا وجلس مقابل الام التي اخفت وراء ظهرها الالبسة النسائية التي اشتراها سالم . وتابع بقوله : -امس رايت زوجة صديقي وابنتها في بيتنا ، - وتوجه نحو ابنه -هل اعجبتك الفتاة يا سالم ؟ هي من أسرة معروفة ، وتربطني بوالدها علاقات منذ ربع قرن ،وهو يشغل منصبا كبيرا في البلد ، وانت ستحتاج اليه بعد الدراسة لترتيب أمور حياتك . اراد سالم الحديث ، لكن الوالدة خشيت ان يخطأ بحق الاب ،ولذلك اسرعت قائلة : - لقد اعجبته طبعا ، ولكن من المبكر الحديث الآن عن الخطبة . فهي ما تزال في المدرسة ، وأبننا يحتاج لعدة سنوات لانهاء الجامعة . قاطعها الاب : هذا صحيح ، ومع ذلك ، ينبغي منذ الان الاعداد للأمر . فالفتاة مرغوبة ، ويأتيها خطاب كثر، ولا نريد ان نفقدها . ووجه كلامه لابنه: - ما قولك انت ؟ - في الواقع –اجاب سالم متلعثما- انها فتاة جيدة ، ولكن كما قالت امي ، لا زال مبكرا التفكير في الامر ، ولا احد يعرف ماذا سيحدث خلال السنوات القادمة .ثم انني .... - افهم من كلامك انك موافق مبدئيا الآن؟ - قاطعه الاب -هذا جيد ، وسنترك التفصيلات والاجراءات العملية لما بعد . اراد سالم الاعتراض ، وافهام الاب، ان لديه خطيبة في روسيا ، ولكنه تقاعس . فعلاقاته مع ناتاشا ما تزال في طور الصداقة ،و لم تصل بعد الى مستوى الخطوبة والزواج .ثم ان الام التي خشيت من حدوث ما لا تحمد عقباه بين الاب وابنه ، سارعت للتدخل وغمزت ابنها وتناولت الكلام : - طبعا موافق ، وهل سيجد أجمل وافضل من هذه الفتاة ؟ ابتسم الاب ، وخاطب سالم بجدية وهو يغادر : - انت ولد بار دائما ومطيع وتسمع النصيحة ، الله يوفقك ويفتح امامك الابواب المغلقة كلها. خرج الاب ، وساد صمت ثقيل، قطعه صوت الوالدة : - لا تشغل بالك كثيرا الآن بأمور الزواج ، اهتم الآن بدراستك . هوى سالم على اريكة في الغرفة ، مرهقا ، حزينا ، تتنازعه هواجس كثيرة ، عمقت احساسه بالمرارة، وكاد ان يسقط في هوة اليأس ويستسلم له .لكن وجه ناتاشا المشرق الذي ظهر فجأة في خياله، فجٌر وميضا هائلا اضاء كيانه كله ، وأمده بطاقة لا تنضب من القوة والعزيمة اللازمتين لمواجهة الصعاب التي يمر بها . وشعر بحاجة ماسة لوجودها الى جانبه ، وادرك ان غيابه عن فتاته بات صعبا لا يطاق .وتذكر انه لم يرها منذ ثلاثة اسابيع . المٌ به شوق حارق لها ، وهاجت لواعج الحب في داخله ، رغم ان طيفها لم يفارقه ابدا، وكان حاضرا عند شراء كل قطعة ملابس لها , حيث كان البائع يسأله عن قياسها وطولها وعرض كتفيها وردفيها ، وكان عليه ان يتذكر ذلك بالتفصيل . وقرر اختصار اقامته عند اهله ، والاسراع في السفر اليها . قطعت الام حبل تفكيره هذا قائلة بصوت لا يخلو من السخرية : - واضح ان الملابس التي اشتريتها تبرهن على انك لا تفقه شيئا في شؤون المرأة ، فكل القطع التي احضرتها قديمة وخرجت من الموظة ،وهي لا تصلح لفتاة جميلة . - لقد اعتقدت ،انها ملابس عصرية ، ثم ان البائع اخبرني انها آخر صرعات في عالم الازياء . قال سالم وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة بلهاء تنم عن الندامة . - تذكٌريا بني ، ان هم بعض التجار هو تصريف بضاعته ، لذلك لا يبخل في كيل كلمات المديح لسلعته . فالسنة هؤلاء لا تتعب لانها بلا عظام ، والكلام لا يساوي شيئا بالنسبة لهم . –واضافت الام بصوت جاد-: - غدا سأذهب الى المحلات التي اعرفها لشراء بعض الهدايا الجيدة لها ، وانت اعطني قياساتها ... صحيح ، مأا سمها ؟ - ناتاشا – سارع سالم بالقول – - هل معك صورتها ؟ سألت الوالدة - نعم . وفتح محفظته بيدين مرتجفتين ، واخرج صورة ملونة للفتاة . تأملت الام الصورة طويلا ، واعادتها لابنها وقالت : - انها حلوة فعلا ، والآن حدثني عنها بالتفصيل . بدأ سالم الكلام وقد لمع بريق السرور من عينيه ، واطال في ابراز جمالها وجديتها وحسن خلقها ،واستعدادها الدائم للوقوف الى جانبه . وقص على امه كيف وقفت الفتاة في وجه منظمة الشبيبة للدفاع عنه .وتحدث عن حرص والدتها على مساعدته في تعلم اللغة ، وختم قائلا: - لقد عاشت ناتاشا مع اهلها لسنوات في دمشق ، وهي تعشق سورية واهلها . -لا تخبر احدا بامرها – نصحت الام محذرة – لا اريد مزيدا من وجع الرأس الآن . انقضت عدة أيام ، وانشغلت الام بشراء هدايا لناتاشا وأمها . واخبر سالم والده ، انه علم للتو ، ان مؤتمرا علميا عن الطاقة المتجددة في سورية سيعقد في موسكو ، وادعى ان ادارة الجامعة ،طلبت منه القاء محاضرة عن الموضوع .ولذلك فهو مضطر لقطع اجازته والعودة الى روسيا . - متى سيجري المؤتمر؟ سال الاب . - بعد اسبوع . اجاب سالم . - حسنا ، سارتب لك لقاء في الوزارة المعنية للحصول على المعلومات الضرورية ،وساتحدث مع شركة الطيران لحجز التذكرة - اخبره الاب . سارت الامور كلها على ما يرام ، ما عدا تفصيل صغير . عندما التقى سالم الشخص المسؤول عن الطاقة المتجددة في الوزارة ، فاجأه ذاك بسؤال عن الجهة المنظمة للمؤتمر ،وطلب منه البحث معها في امكانية مشاركة وفد رسمي سوري فيه ، ومعرفة الموضوعات التي ستناقش هناك . وختم المسؤول حديثه بالقول : - لدينا تجربة ثرة في هذا المجال ، فنحن نستخدم الطاقة الشمسية منذ عشرات السنين ، وبدأنا في بعض الاماكن باستثمار طاقة الرياح .انا سازودك بالوثائق اللازمة ،وسانتظر منك جوابا عن المؤتمر ، وسيكون والدك وسيلة الاتصال بيننا . ارتعب سالم من امكانية افتضاح أمره ، وفكر في التراجع عما خطط له ،لكن والده – الحريص دائما على نجاح ابنه- اعلمه، انه قد اشترى بطاقة الطائرة ، وان سفره سيتم بعد خمسة ايام ،وان عليه انهاء اموره كلها بسرعة . (يتبع)



المصدر:
http://chinaasia-rc.org/index.php?d=46&id=2092

Copyright © 2009, All rights reserved - Powered by Platinum Inc