ذو الارواح السبعة -2


2- ذات يوم ، وبينما كان واصل يتسلى متثائبا بالاطلاع على عناوين الصحف في مكتبه ، وقع نظره على العنوان التالي: "الجهات المختصة تمنع ادخال كميات كبيرة من اعلاف الابقار لاحتوائها على مواد ضارة ".وقرأ التفاصيل : "منعت الجهات الصحية والجمركية أمس ادخال آلاف الاطنان من الاعلاف التي تعاقدت عليها المديرية المختصة ، بسبب العثور على مواد عضوية وكيميائية ضارة فيها . وقد باشرت الجهات المعنية التحقيق في ظروف ابرام العقود ".وبعد يومين نشرت الصحف خبرا مماثلا عن الأدوية البيطرية الفاسدة. تمسك واصل بهدوئه ،وواصل عمله وكأن شيئا لم يحدث.لكن بعد اسبوعين ، اخبره مدير مكتبه ان شخصا قد حضر دون موعد يريد مقابلته . لم يلق واصل بالا لذلك ،ولكن مدير المكتب شرح له ، ان الشخص المعني يعمل في جهاز التفتيش ، وانه يريد التحقيق مع المدير .تغير لون واصل ، ونشف ريقه وردد: - تحقيق .. معي ... اي تحقيق ؟ . فلينتظر قليلا . اتصل فورا بام حمزة واعلمها بالامر ، وجاءه الجواب : - سنرى ما هي القضية ، وان عليك استقبال المفتش . دخل شخص يرتدي طقما بنيا في الخمسين من عمره ويتابط حقيبة سوداء منتفخة مهترئة الحواف.كانت علامات الانزعاج بادية على وجهه ، فهو قد انتظر طويلا .جلس دونما استئذان خلف طاولة الاجتماعات الكبيرة ، واخرج رزما من الاوراق، ودعا واصل للمثول أمامه .قال المفتش : - انت ياسيد واصل متهم بابرام عقود مخالفة للقانون مع شركات بعينها دون اخرى ، وقبض عمولات منها لقاء توريد اعلاف وادوية فاسدة . وهذا يهدد صحة الناس والابقار . وناوله عددا من الوثائق الذي تثبت ذلك ،ومنحه مهلة عدة ايام لاعداد الرد عليها . وغادر. انهار واصل ،واعتقد انها النهاية . وهاجت الاوضاع في المديرية وماجت ، وانفلتت ألسنة الشر من عقالها ، ودارت الاحاديث حول السرقات التي تتم ، وانتشرت شائعات تقول ، ان التجار الغاضبين من قرار حصر الاستيراد بشركات وائل وسليم ، هم الذين سربوا المعلومات .وفقد واصل هيبته ، وصار الموظفين يشيحون بوجوههم عنه اذا مر بالقرب منهم . توالت جلسات التحقيق مع واصل . وفي كل مرة كان يشعر انه يزداد غرقا في مستفقع آسن لا قرار له .وكان يتصل بأم حمزة ويطلعها على مجريات الامور , وياتيه منها الجواب المعتاد :سنرى . تفاقمت أوضاع واصل سوءا . فهو قد فقد القدرة على النوم منذ شهر ،عندما بدأ التحقيق معه . ولم يعد يشعر بلذة الطعام ، واصدقاؤه القدامى والجدد جميعهم انفضوا عنه . حتى المنزل – القصر الذي اقتناه ، فقد – بنظره - بريقه ، ولم يعد يشعر بالراحة فيه . لم يدري واصل ماذا يفعل ، وادرك ان النهاية الحتمية بات قريبة . دخل ذات يوم الى مكتبه وا رتمى مُحطما على كرسيه ، واغمض عينيه واطلق العنان لتفكيره متسائلا : - ماذا عساي ان افعل . وفجأة وقف ، وتناول سماعة الهاتف واتصل بام حمزة واخبرها انه قادم اليها . فهو لم يعد يطيق الانتظار ، ويريد ان يعرف حقيقة موقفها .وراوده خاطر انها الوحيدة التي يمكن ان ترشده الى طريق الخلاص ، فهي امراة نافذة ،ولديها اتصالات على مستوى عال. رحبت به أم حمزة في منزلها ، ورافقته الى غرفة الضيوف واستأذنت منه وخرجت .انتظر واصل نحو نصف ساعة ، حسبها دهرا .فقد أحرقه جمر الانتظار وعدم الوضوح ، ووخزته ،كالمخارز، اسئلة حادة : - لماذا خرجت ؟ وهل يعقل انها تخلت عنه في هذا الظرف العصيب ؟وماذا يمكنه ان يفعل ؟ طال انتظاره ، ولم يعد قادرا على الجلوس ، نهض وصار يذرع الغرفة بخطوات واسعة مضطربة .ورنت في اذنه كلمات المفتش في آخر جلسة لهما: - نحن نعرف عنك كل شيء. كيف اضطهدت الموظفين والدكاترة منهم على وجه الخصوص، وانفقت على اصلاح مكتبك مبالغ خيالية مخالفة للقانون و حابيت شركات على أخرى ، وكيف هبطت عليك الثروة فجأة وابتعت قصرا لا يحلم به اي موظف ، وزوٌرت فواتير المطاعم. انت محاصر بالوثائق والوقائع ، ولذلك فمن الافضل لك ان تعترف بكل شيء،وتدلنا على الاشخاص الاخرين المتواطئين معك ،وتدون ذلك خطيا وتوقع عليه ، ونحن سنأخذ موقفك المتعاون هذا بعين الاعتبار لدى صياغة توصياتنا الاخيرة . قرر واصل ،انه اذا بقيت ام حمزة غير مكترثة به ، فانه سيفعل ما طلبه منه المحقق ، وسيكتب اسماء كل الذين ورطوه في هذه القضية وتخلوا عنه . فهم قد تركوه ، نعم تركوه . غلي الدم في عروقه ، وكاد دماغه ان ينفجر من هول هذه الافتراض. تفصد عرق بارد من جبينه ،وهوى بيأس على اقرب كرسي ، منتظرا مصيره المحهول. لكن بصيص أمل بقي يراوده ، فلا يزال مقتنعا ان " هؤلاء الاشخاص" النافذين ، قادرون على اخراجه من هذه الورطة. دخلت أم حمزة والابتسامة تعلو وجهها ، واعتذرت منه على التأخير واضافت: - لقد اجريت بعض الاتصالات ،وباتت القضية في نهاياتها .لقد تبين لدينا ان عددا من التجار المنافسين سرب هذه المعلومات الكاذبة . وانهم قد اشتروا موظفين فاسدين دسوا في الاعلاف مواد ضارة ، والصقوا على بعض الادوية تواريخ مزيفة .وقد ضللوا احد الصحفيين او دفعوا له، من أجل نشر هذه المعلومات المغلوطة . لم يصدق واصل ما سمعه ، هل يعقل ان كل ما حدث هو عبارة عن لعبة قذرة بين التجار انفسهم .ولكن المفتش أكد له ان لديه وثائق ، وهو قد رأى بأم عينه بعضا منها ، وهي تتضمن تحليلات لمخابر مشهورة تثبت ان الادوية فقدت فاعليتها ، وان المواد الكيميائية والحشرات التي عثروا عليها في الاعلاف ، موجودة حصرا في البلد المصٌدر لهذه الاعلاف،وان الجهة البائعة ابدت استعدادا للتعويض عن الخسائر واستعادة الاعلاف والادوية . ثم انه نفسه متورط في هذه العملية وقبض امولا طائلة .واراد واصل الاسترسال أكثر وطرح مزيد من الاسئلة الصعبة على نفسه ، لكن كلمات أم حمزة الحاسمة قطعت حبل تفكيره: - نحن نعوم في بحر هائج من الدسائس الوسخة . وينبغي عليك ان تتعلم السباحة جيدا لمواجهة هذه الامواج .اذهب الى مكتبك وتابع عملك ، فقد سوينا ذيول هذه المؤامرة كلها . خرج واصل وشعر ان جبلا ثقيلا أُزيح عن كاهله .فهو كان قاب قوسين او ادنى من الهلاك المعنوي والوظيفي. لن ينسى ابدا نظرات الاحتقار التي كانت توجه اليه في المديرية ،وترددِ بعض الموظفين في القاء التحية عليه عند مروره في ردهات المبنى ،ولن تغادر ذاكرته تصرفات المفتش المتعجرفة اثناء جلسات التحقيق . - الحمد لله ، لقد بات هذا كله من الماضي ، ولا اريد حتى التفكير به – قال واصل لنفسه . استغرب العاملون في المديرية عودة واصل الى مكتبه . فقد أكد لهم المفتش ، ان الاتهامات الموجهة اليه ثابتة وموثقة ، وان الاجراءات التي اقترحها بحقه تتضمن الطردالنهائي من وظائف الدولة كلها ، والاحالة الى القضاء ومصادرة امواله السائلة والمنقولة .واضاف المحقق بثقة مطلقة : - لم يحدث ابدا ان توصياته لم تطبق.لا سيما في هذه القضية . فالوقائع واضحة وضوح الشمس . أخطأ المحقق ، ودخل واصل مكتبه مرفوع الرأ س، تعلو وجهه ابتسامة عريضة واثقة. وأول خطوة قام بها هو استدعاء رؤساء الدوائر كلهم لاجتماع هام وفوري .وهذه اول مرة تحدث ، منذ استلم واصل الادارة . لدى دخول الموظفين ، كان واصل – على غير العادة – باستقبالهم ، صافح الجميع بوجه بشوش ودعاهم للجلوس . اعتقد الحضور انه سيلقي الان كلمة وداعية ، وانه سيشكرهم على " تعاونهم " معه ، وسيطلب الصفح ان هو اساء . بعض الموظفين ، لا سيما الدكاترة منهم ، قررسلفا عدم قبول الاعتذار ، ومواجهة واصل بالوقائع الجارحة كلها .لقد ضيٌق عليهم كثيرا ، وها هي الفرصة قد أزفت ليردوا له " الصاع صاعين " . بدأ واصل الحديث: - لقد دعيتكم لهذا الاجتماع من اجل مناقشة سبل تطوير عملنا خلال المستقبل . اريد من كل رئيس دائرة ان يقدم اقتراحات مكتوبة خلال اسبوع لمكتبي ، وبعد اسبوعين نعقد اجتماعا آخرلاقرار خطة محددة لعملنا طويلة الامد . ساد الجميع صمت ثقيل . كانت المفاجأة كبيرة ،نظروا في وجوه بعضهم غير مصدقين ما سمعوه من واصل .كيف ذلك... هو يتحدث عن المستقبل وعن التطوير ، بينما هم توقعوا مغادرته الى بيته عقب الاجتماع !. سادت خيبة أمل كبيرة ، لا سيما في أوساط الدكاترة الذين كانوا قد قرروا نشر " غسيله الوسخ " كله امام الجميع . انهى واصل الاجتماع دون توديع الموظفين ، وخرج هؤلاء وقد اجتاحتهم حالة من الانكسار المعنوى التام. مرت شهور ، وهدأت الامور في المديرية ، وشعر الموظفون ان واصل لم يتغير ، فمكتبه كان يغص باشخاص غرباء ، وهو لم يكلف نفسه عناء عقد الاجتماع " التطويري" الذي تحدث عنه ، بل كلف شخصا آخر به . وبقيت الخطط والبرامج التي اقرها هذا الاجتماع حبيسة الادراج . ادرك واصل ، ان عليه ان يوسع دائرة معارفه وان لا يبقى محصورا في شؤون الابقار . ولهذا الهدف ، فقد خصص سيارة شحن صغيرة تحمل ثلاجة ، وكان يتصل بامناء سر كبار المسؤولين ويعرض عليهم تقديم هدايا ، هي عبارة عن لحوم واجبان ومشتقات الحليب – اي كل ما تنتجه مزارع الابقار . تلقى بعض الموافقات على ذلك .وباتت الشاحنة - الثلاجة تقوم بجولات دورية لتوزيع الهدايا . وللحقيقة نقول ، ان الجزء الاكبر – ان لم يكن كله – من هذه الهدايا ، كان يجد طريقه الى بيوت أمناء السر انفسهم .وبات واصل شخصية مرحب بها هناك .ولمن لا يعرف ، فان امناء السر هؤلاء – ويسمونهم عادة بالسكرتيرين، يملكون تأثيرا سحريا في تحديد مستوى علاقات المسؤولين مع الناس . في هذه الاثناء ، تلقى واصل اتصالا هاتفيا من مكتب "عالم الغد للابحاث العلمية" ،واخبروه ان شهادة الدكتورا باتت جاهزة ، وان عليه ان يأتي للاتفاق على بعض الترتيبات .في المكتب قالوا لواصل : - عليك السفر الى الدولة الموجودة فيها الجامعة ،وليس من الضروري ان تزور حرم الجامعة هناك . هذه خطوة لا بد منها لارفاق وثيقة تثبت انك سافرت الى هناك ،وقدمت دفاعك الناجح امام المجلس العلمي في تلك الجامعة .هذا الامر مهم للجم ألسنة بعض الواشين والنمامين . واضاف صاحب المكتب : - بعد ذلك ، وباعتبارنا نمثل تلك الجامعة هنا ، سنقيم حفلا – تتحمل انت نفقاته وتدعو اليه من تشاء – لتسليمك شهادة الدكتوراة. سال واصل : - ماهو اختصاصي في تلك الشهادة ، وما هو موضوع الاطروحة؟ - دكتوراه في العلوم الاجتماعية ، وموضوع الاطروحة التي كتبها احد المختصين هو " تاثير علم الاجتماع على تطور العمل البرلماني في بلدنا "-اجاب صاحب المكتب - . وأخبره ، بان عليه دفع ما تبقى من الحساب .اخذ صاحب المكتب مبلغا يفوق ما طلبه ، ووزع واصل "اكرامية "على العاملين هناك . أستأذن واصل الجهات العليا من أجل السفرالى الخارج للدفاع عن أطروحة الدكتوراه ،وحصل على موافقة "بايفاده بمهمة علمية وعلى نفقة الدولة لمدة اسبوعين " . لم يسبق لواصل ان زار دولة أخرى ، ولذلك اعتبر ان هذه ستكون فرصة للراحة والسياحة . قضى واصل فترة "مهمته العلمية " على الوجه التالي : بعد الافطار ،كان يهيم على وجهه في الشوارع والمحلات التجارية ، التي بهرته بجمالها ونظافتها وتقيدُ الناس بانظمة المرور فيها .وفي الليل ،حصل على عناوين مرابع ليلية شهيرة ببرامجها الاستعراضية ،وكان يبقى هناك حتى الساعات الاولى من الفجر. عرضوا عليه في الفندق رحلة الى الريف المجاور والتمتع باحضان الطبيعة . شاهد غابات سامقة لاتنتهي ،وحقولا خضراء،تنتشر عليها قطعان الابقار والاغنام .سأل واصل الدليل السياحي : - هل يمكن زيارة احدى مزارع الابقار في المنطقة ؟ - يمكن ، ولكن عليك دفع مبلغ اضافي اجابه الدليل السياحي . لم يجد واصل مشكلة في ذلك ، فتاجر الاعلاف وائل منحه – قبيل السفر مبلغا كبيرا بالقطع الاجنبي ،اضافة الى تعويض السفر الذي حصل عليه من الدولة لقاء " مهمته العلمية ". وجد واصل نفسه عند مدخل حظيرة ضخمة ، محاطة بحقول البرسيم والاشجار المعمرة . البسوه رداءأ وقناعا ابيضين وقبعة قماشية ، وأعطوه اكياسا من النايلو ليغلف حذاءه . دخل في ممر ضيق للتعقيم بالبخار ، وعقب ذلك فتحوا له بابا واسعا يوصله الى الحظيرة الرئيسية .تجول واصل في الممرات الرئيسة . اول ما لفت انتباهه عدم وجود روائح كريهة ، كتلك التي تنبعث من حظائر الابقار التابعة له . كانت الابقارسمينة نظيفة، وتبدو سعيدة، وهي تقف خلف حواجز حديدية ،وقد ثبتت على اثدائها انابيب الحلابات الآلية التي تنتقل من تلقاء نفسها من بقرة الى أخرى .وفي الطرف الآخر ، شاهد سيورا متحركة تنقل الاعشاب والاعلاف.دهش واصل من هذا المنظر ، ولم يجرؤ حتى على التفكير بوضع ابقاره المسكينة الهزيلة المنهكة من الاقذار والامراض وردائة الخدمة والاعلاف . رجع واصل من " مهمته". وأول شيء فعله كان، الاتصال بصاحب "مكتب الغد .." والاتفاق على ترتيبات حفل تسليم الشهادة . اسهب صاحب المكتب في عرض تفصيلات الحفل . قاطعه واصل : - لا تصدع رأسي ،افعل ما يحلو لك ، وادعي من تشاء .اريد حفلا فخما يتحدث الناس عنه لفترة طويلة . ولا مشكلة في النفقات . تم تحديد تاريخ الاحتفال . وقرأ واصل اخبارا في الصحف عن هذه المناسبة ،وانضم التلفزيون الى ذلك .وقبيل الاحتفال ، وجد واصل على طاولته لفافة ورق كبيرة ، كانت عبارة عن البدلة " الاكاديمية " التي سيرتديها اثناء الاحتفال . في يوم الاحتفال ، حضر واصل مبكرا قليلا, ودربه صاحب المكتب على الخطوات التي سيقوم بها في قاعة الاحتفال ، واعطاه نص الكلمة الى سيلقيها أمام الحضور . ارتدى واصل عباءة سوداء فضفاضة ، وقبعة مربعة الشكل ثبتت في نهايتها شراشيب مذهبة .ودخل الى القاعة التي كانت تغص بالمدعويين ورجال الثقافة والاعلام . وقد شاهد واصل بعض اعضاء البرلمان يجلسون في الصفوف الاولى ، فقد جذبهم عنوان الاطروحة.كانت حملة الترويج لمرا سم منح الشهادة ، كبيرة ومركٌزة ومتنوعة ،استمرت اسبوعا كاملا .ولذلك كان الحضور لافتا . دخل واصل وهو يرتدي الزي الاكاديمي ، وتبعه صاحب المكتب الذي سيلقي كلمة باعتباره ممثلا للجامعة المانحة للشهادة .وازدانت المنصة بالورود ، وثبتت على صدر القاعة لافتة قماشية كبيرة حمراء كتب عليها بحروف ذهبية بارزة: "حفل تسليم شهادة الدكتواره في العلوم الاجتماعية للدكتور واصل ". القى صاحب المكتب كلمة نيابة عن رئاسة الجامعة ، اشاد فيها بالقيمة العلمية لاطروحة الدكتوراه هذه، والتي سلطت الاضواء على صفحات مجهولة من التجرية البرلمانية الديمقراطية في البلاد . واضاف بصوت جهوري : - نحن نشهد اليوم ولادة باحث علمي فريد ،وشخصية اكاديمية فذة ، ستدفع المسيرة العلمية في البلاد الى الامام . وعلت في القاعة عاصفة من التصفيق . وجاء دور واصل ليلقي كلمته. وقد نسي صاحب المكتب تشكيل كلمات النص الذي قدمه له . ولم يكن الخطيب ضليعا في اللغة العربية ، ولذلك كان يرفع المنصوب ويجر المرفوع . وعدا ذلك ، فقد اثار خطابه الذي قدم فيه الشكر للجامعة ولاساتذته وللمشرف العلمي الذي لم يره ابدا ، اهتماما واسعا ، لا سيما عندما قرا: - لقد اصطدمنا اثناء بحثنا المضني وغير المسبوق بصعوبات جمٌة ، منها ، الحصول على المعلومة الموثقة وتنقيحها والتأكد من صحتها ، وتقديم صورة موضوعية شاملة عن أنشطة البرلمانات التي مرت على بلادنا العزيزة ،و ترجمة النص العربي للاطروحة ،الى اللغة الاجنبية بناء على طلب الجامعة. بعد الاحتفال ،عاد واصل الى المديرية التي يعمل فيها ،وسار في البهو نحو مكتبه، بخيلاء كالطاووس، مفاخرا بفوزه على هؤلاء " الدكاترة " المغرورين في مديريته، الذين حرموه لذة العمل ،وأفسدوا عليه طلاوة المنصب . وفكر بصوت مسموع: - أما الآن فليموتوا في غيظهم ،فقد كسرت احتكارهم و صرت اعلى منهم . وأول خطوة قام بها ، هو تغيير اللوحة الذهبية المثبتة على باب مكتبه . كان مكتوبا عليها "المدير العام واصل " والان اضاف اليها كلمة " الدكتور". تأمل واصل اللوحة الجديدة مزهوا سعيدا، و مسح بعض الغبار الذي علق بها .كما شمل التغيير الاوراق والاختام الرسمية كلها ،التي تحمل اسم المدير العام ،واضيف اليها اللقب العلمي الجديد. اعلن واصل ان مكتبه مفتوح لتقبل التهاني .حضر عدد كبير من موظفيه للتهنئة ،لا سيما اولئك الراغبين منهم في التودد اليه او الخائفين من بطشه . ومما أثار حنقه ، ان الدكاترة لم يشاركوا في جوقة المهنئين. لكنه سرعان ما هدأ ، واقنع نفسه قائلا : - لقد هُزموا ،ولم تعد لديهم الجرأة على مجرد النظر في عيني ، فما بالك بمصافحتي ! من بين المهنئين ، كان صاحب "مكتب الغد للابحاث العلمية " . وفي الحقيقة ، فهو لم يات لغرض التهنئة ، بل جاء من أجل الحصول على مزيد من الاموال .ولدهشة واصل ، فان كل من حضر، كان ياتي للسلام وبعدها يغادر فورا ، الا صاحب المكتب . رمقه واصل بنظرة استفسار ، وسأله: - لعله خير ، هل هناك امر ما ؟ - نعم – اجاب صاحب المكتب - فقد اردت معرفة رأيك بالاحتفال ، وتقديم الفاتورة النهائية للحساب . - الاحتفال كان جيدا ، وانا اشكرك على ذلك ، والان ناولني الفاتورة . رد واصل يامتعاض. سحب صاحب المكتب من حقيبته ورقة كبيرة وسلمها لواصل . امعن هذا الاخير النظر فيها وارتعش كيانه كله، وصرخ: - ما هذا ؟ انه رقم يكفي لشراء منزل بكامله . - لقد فوضتني - اجاب صاحب المكتب - بتنظيم احتفال لم يسبق له مثيل ، وقد نظمت حملة اعلان واسعة في اجهزة الاعلام ووسائل الاعلان ، وانفقت كثيرا من أجل نشر الاخبار ، ثم ان مؤلف الاطروحة لم يقبل بالمبلغ الذي عرضته عليه ، ويطالب الان بمضاعفة اجره ، لا بل انه هدد بكشف الحقيقة ان لم يحصل على ذلك . فضلا عن ذلك ، هناك نفقات اضافية ارسلتها الجامعة . ونضيف الى ذلك أجار القاعة وثمن طاقات الورود والزينة وقيمة الضيافة التي قدمناها للحضور قبل بدء الاحتفال .وأخيرا فقد اغلقتُ افواه بعض الشريرين للكف عن اطلاق تعليقات ساخرة حول اخطائك اللغوية . صمت واصل ،ووعده بانه سوف يعطيه المبلغ خلال يومين .وبعد ان خرج صاحب المكتب ، صرخ في اثره: - يا له من لص وقاطع طريق ، ويسمي نفسه مكتبا للابحاث العلمية ، انه في الحقيقة وكر للقرصنة والابتزاز .كيف حدث ان وقعت في شباكه ؟ لكن واصل استدرك على الفور : - ومع ذلك ، فان صاحب هذا المكتب العفن مكنني من الحصول على شهادة الدكتوراة، وبات المجتمع يناديني : "الدكتور واصل " وهذا ايضا له ثمنه. ايقن واصل انه ليس بوسعه ان يفعل شيئا ، وان عليه ان يخضع لابتزاز صاحب المكتب ، والا ستكون العواقب وخيمة . تناول سماعة الهاتف واتصل بوائل( احد شركائه ) وقال له: - انا بحاجة ماسة لمبلغ كبير نسبيا من المال ، سلفة مسبقة على اعمالنا المشتركة . تلكأ وائل بالكلام ،وبعد صمت اجاب بلهجة جافة: - انت تعرف ان الاوضاع الان ليست سهلة .سأوفر نصف ما طلبته . كانت خيبة أمل واصل كبيرة ، فهو اعتقد ان صداقة عميقة تربطه بشركائه ، ولكن موقف وائل الان جعله يصحو على الواقع ، فالعلاقات بينهم لا تتعدى صلات العمل والمصلحة المتبادلة ،وهي تتوطد بقدر ما يوفر لهم من خدمات مربحة. هاتف أم حمزة بالامر ، ولبت طلبه ، واخبرته بان أمرا ستناقشه معه في لقاء قريب سيتم بينهما ، وستبلغه بالموعد . سرت شائعات في المديرية ،مفادها، ان واصل قد ابتاع شهادة الدكتوراة . وطغت موجة من السخرية والتعليقات اللاذعة التي تشكك بقدراته ، فهو – حسب هذه التعليقات – لايملك ادنى مؤهلات هذا اللقب العلمي الرفيع ، وهو حتى لا يصلح لادارة قطيع من الابقار.وفاقم الامر توزيع رسم ساخر يصور ثورا يعتمر قبعة مربعة ويرتدي عباءة سوداء، ويعلق على رقبته شهادة دكتوراه . اصيب واصل بالغمٌ،وانقبض صدره ، وادرك مصدر هذه الشائعات : انهم الدكاترة انفسهم . وتساءل : - لماذا لا يدعونني و شأني ؟ لماذا يدسون انوفهم في كل شاردة وواردة ؟ لماذا يحسدونني ويغارون مني ؟ الا تكفي المعركة التي افتعلوها ضدي مع المفتشين ؟ لو كانت لدي القدرة والصلاحية ، لطهٌرت المكاتب كلها من اثارهم النجسة . ادرك واصل ، ان استمراره في هذا العمل ،يجر عليه مزيدا من الغمٌ والصداع ، صحيح ان أوضاعه المادية والاجتماعية قد تحسنت جدا،فهو يملك الان منزلا في حي راقي ، واسمه صار متداولا في الصحف والتلفزيون، وهو قد حصل على اعلى لقب علمي ،ولكن الثمن- كما قال لنفسه – كان باهظا . ولمعت في رأسه فكرة البحث عن مكان آخر افضل . فهو قد عاف عمله الحالي ،ويكفيه ما تحمٌل من" رفس الابقار ومناطحة الثيران" ! .وخاطب نفسه: - بعد هذا الصعود ، لم يعد من اللائق بي ان ابقى مديرا لحظائر الابقار. وقرر ان يطرح هذا الامر خلال لقائه المرتقب مع أم حمزة . في تلك الاثناء ، تم الاعلان عن حدثين مهمين : تغيرات طالت عددا كبيرا من المسؤولين ، وتحديد موعد للانتخابات البرلمانية بعد شهرين . وعادة ،لا تولي عامة الناس اهتماما كبيرا لتبديل الاشخاص او للانتخابات ، لسبب بسيط ، هو ان هذه الاحداث لا تمس حياتهم العامة ولا تبدل بها .فالمسؤولون يذهبون ويأتون ، والانتخابات تتكرر كل عدة سنوات ، ولكن الامور تبقى على حالها ، ان لم تنحدر نحو الاسوأ. لكن هذه القاعدة لا تنطبق على واصل . فقد تناءى اليه ان هذه التغييرات قد اطاحت بمعظم الاشخاص الذين دعموه . وتملكه شعور جارف من الخوف ، فهو قد بات شبه وحيد في الميدان دون سند قوي . هذه الواقعة بثت الرعب في مفاصله . فقد خشي ان يتجرأ المفتش ويحرك ضده مرة اخرى قضية الاعلاف والادوية الفاسدة ،وتوقع ان يرفع " الدكاترة " في مديريته عقيرتهم وتحديهم له ، وتزداد تصرفاتهم جرأة ووقاحة. والاهم من ذلك كله ، ان يديه ستكونان مغلوليتن .فهو لن يتمكن بعد الان من تمرير العقود بسهولة ويسر لصالح اشخاص بعينهم . وهذا يعني ، انه سيعيش على راتب ضئيل ، لا يفي بمتطلبات الحد الادنى من حياته الجديدة . تعكر مزاج واصل ، وتعززت قناعته بضرورة البحث عن عمل آخر. بعد عدة ايام ، جاءه اتصال هاتفي من أم حمزة ، ودعته للحضور الى بيتها عند الساعة الرابعة بعد الظهر . في الو قت المحدد ، قرع واصل جرس الباب ، وظهرت أم حمزة ، بشوشة وواثقة من نفسها ، ورافقته الى غرفة الضيوف . دهش واصل عندما رأى هناك شريكيه وائل وسليم ، وعددا آخر من الاشخاص الذين لا يعرفهم .رحبت به ام حمزة ، وقدمته للحضور قائلة : - هذا الدكتور واصل الذي حدثتكم عنه . انه شاب يتمتع بحيوية فائقة، ويملك مؤهلات ومواهب علمية وادارية فذه، وذكاءً يحسد عليه .انه خير ممثل لجيل الشباب الطموح الناجح. ارتبك واصل ، ولم يعرف بماذا يجيب ، وغمغم بكلمات مُبهمة عرف الحاضرون منها : تشرفنا . بادرللحديث احد الحضور ، وكان في النصف الثاني من عمره، و يتنفس بصعوبة بسبب ضخامة كرشه: - يا دكتور واصل ، لقد اسهبت السيدة أم حمزة في تعداد مزاياك . ولنا الشرف ان تنضم الينا في القائمة الانتخابية لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة . نحن جماعة مستقلة ،لا ننتمي الى حزب أو حركة سياسية . نحن نمثل الشعب وهو فوق الاحزاب كلها .لقد اطلعنا على تاريخ حياتك ، ونعتقد ،ان وجودك بيننا سيعزز فرصنا في الانتخابات ، لا سيما انك مختص بالحياة البرلمانية وكتبت اطروحة دكتوراه عن هذا الموضوع . ما قولك ؟ فوجئ واصل بهذا العرض ،ولم يتوقعه . واعتلاه قلق ورهبة عميقين . فلم يخطر في باله ابدا ممارسة العمل البرلماني . صحيح انه كتب اطروحة عن ذلك ، ولكنه لا يفقه شيئا في انشطة البرلمانات والانتخابات . حتى ان اطروحته في الدكتوراه لم يقرأها .لكنه فكر ايضا : وهل كان يفهم شيئا في الابقار والحظائرعندما استلم الادارة هناك؟ قد تكون هذه فرصته ، فهو في كل الاحوال كان يخطط للانتقال الى عمل آخر .واستجمع قواه وأجاب : - انا سعيد بعرضكم هذا ، وأسال الله ان يهبني القوة والحكمة لأكون عند حسن ظنكم. باختصار ، انا رهن اشارتكم . عم الارتياح وجوه الحاضرين . فهم يمثلون كبار التجار ورجال الاعمال ومن لفٌ لفهم في البلد ، وهم يودون خوض الانتخابات المقبلة بقائمة واحدة وتاسيس كتلة كبيرة في البرلمان ، ترعى مصالحهم ، وتضغط باتجاه اقرار قوانين تدافع عنهم . ومن اجل نجاح خطتهم هذه ، قرروا استقطاب عدد محدود من الشبان الموهوبين ،الذين اثبتوا الوفاء والاخلاص اللازمين . وقد رشٌح كل من وائل وسليم وأم حمزة واصل للانضمام الى تلك القائمة ( تقديرا لخدماته الجلى). ومن أجل تقديم وثائق الترشيح ، كان على واصل ان يحصل على اجازة ادارية ، او يستقيل من العمل الحكومي . وقد اختار الثانية للتخلص من المفتشين ،وثرثرة خصومه في الوظيفة . بعد اسبوعين ،فوجيء موظفو المديرية عند قدومهم للعمل ، بصورة ملونة كبيرة لواصل ملأت الجدار المقابل للمدخل ، وقد كتب عليها : - "من أجل ان يصل صوتكم الى المسؤولين، وكي يكون البرلمان فاعلا و معبرا عن ارادة الشعب ، ولاعطاء الشباب فرصة في صناعة المستقبل ، امنحو صوتكم لممثل الشباب والخبير البرلماني الدكتور واصل ، عضو قائمة الحرية والاستقلال". كان وقع هذه الصورة كالعاصفة على الجميع ، وعلى " الدكاترة " خاصة.واجتاحتهم موجة من الخيبة والخذلان ، وحامت فوقهم اسئلة مُرة كثيرة : - كيف يحصل ان شخصا مثل واصل ، اخفق في عمله ، واستغل منصبه لخدمة مصالحه الشخصية ، ونهب المال العام ، يسعى للفوز بعضوية البرلمان ويحظى بالدعم ؟ - وهل يعقل ان يبقى حرا طليقا مؤثرا ، والاتهامات تحاصره من كل حدب وصوب ؟ بقيت هذه الاسئلة معلقة في الهواء . في هذه الاثناء نظم واصل مع كتلته الانتخابية حملات انتخابية واسعة ومُكلفة ماليا . فقد نصبوا "خيما انتخابية " في ارجاء المدينة كلها ، كانت تقدم الطعام والشراب مجانا للزائرين . وكانت صور واصل - مع بقية اعضاء القائمة الانتخابية -لا تغادر شاشات التلفاز وصفحات الجرائد ولوحات الاعلان .وفي يوم الانتخاب ، دُفعت مبالغ مالية طائلة لشراء الاصوات ، واستُؤجرت حافلات لنقل الناخبين الى مراكز الاقتراع . اثبت المال قوته ونجحت القائمة ، وبات واصل عضوا في البرلمان ،ويحظى بحصانة كاملة تحميه من اية ملاحقة قانونية . وفي أول كلمة في البرلمان الجديد خاطب واصل اعضائه بالقول : - لقد جئت الى هنا ممثلا لارادة الشعب ، ومناضلا ضد الظلم والفساد ،ومجسدا للعدالة والنزاهة والحرية ! بعد ان استقال واصل من وظيفته في المديرية ، تم تعيين احد الدكاترة المختصين في الادارة. وقد اعاد المدير الجديد زملاءه الدكاترة الى غرفهم السابقة وانهى تشردهم ، ويقال ، ان امور الموظفين والابقارهناك، بدأت تتحسن . وأعلن المفتش ، انه سيستمر في ملاحقة المدير السابق واصل ،واضاف : - الاموال التي نهبها هي ملك للدولة ، ومال الدولة لا يموت ، ولا يسقط بالتقادم. وانتشرت في المديرية شائعات مفادها ، ان الجهات الرسمية ارسلت كتابا الى رئاسة البرلمان ، تطلب فيه رفع الحصانة عن النائب واصل لا ستكمال التحقيق معه. وعم المديرية ارتياح كبير. لكن احد الموظفين المعروفين بحدة لسانه وسخريته الجارحة ،اطلق ضحكة استهزاء متسائلا: - لا ندري ، هل ستتم تلبية مضمون ذلك الكتاب ؟ وهل سيخضع واصل للحساب وينال جزاءه ؟ ، ام ستوفر شبكة الامان التي نُسجت حوله فرصة له للنجاة مجددا ، كما حدث في المرة السابقة ؟. واضاف الموظف بمرارة : - امثال واصل كثيرون ، وهم مثل " القطط ، يملكون سبعة أرواح ولا يموتون بسهولة ". 11/10/2017



المصدر:
http://chinaasia-rc.org/index.php?d=46&id=2029

Copyright © 2009, All rights reserved - Powered by Platinum Inc