الغضب والنار -6


لا شيء كان يشغل بال ترامب أكثر من القرار الذي كان عليه اتخاذه بالنسبة لأفغانستان، هل يرسل هناك المزيد من الجنود أم يبقي على الوضع القائم؟ للمفارقة؛ فإن «صوت السلام» الذي كان يُثني ترامب عن إرسال المزيد من الجنود هناك كان بانون، الذي عادة ما يوصف بالتطرّف واليمينيّة. وفي سياق الضغط على ترامب لانتزاع قرار منه بشأن القوات الأمريكية في أفغانستان؛ ضغط بانون بالتعاون مع مؤسس شركة «بلاكووتر» من أجل إقناع ترامب بسحب القوات الأمريكية واستبدال رجال الشركات الأمنيّة الخاصة بها وبعض رجال السي آي إيه ومجموعة من المتعاقدين العسكريّين الخواص، وقد اقتنع ترامب بهذا الطرح بالفعل، لكن هذه الفكرة قوبلت بالاستهزاء من طرف وزارة الدفاع الأمريكية. . بالإضافة إلى ذلك طُرح من طرف مساعديه حلّ وسط، لا يرجّح الكفّة الأمريكيّة في الحرب في أفغانستان، ولكنه «يحفظ شيئًا من ماء الوجه» في هذه الحرب من خلال إرسال بضعة آلاف إضافيين من الجنود (7 آلاف كحد أقصى). بحلول الاجتماع النهائي للفصل في هذه القضيّة كان أمام ترامب ثلاثة خيارات: زيادة عدد الجنود بشكل كبير حتى تضمن التفوق النهائي في الحرب مع ما ستصاحبه هذه الزيادة من موجة غضب شعبية، أو خيار المتعاقدين الأمنيين الخواص، أو إرسال بضعة آلاف. هنا يذكر الكتاب أن ترامب كاد يفقد عقله غاضبًا في هذا الاجتماع، وهدّد بأنه سيقيل كل جنرالات الجيش، فقد استغرب أن بعد كل هذه المدّة التي أعطاها إياهم ليحضّروا خطّة متماسكة: يتفاجأ بهذه المقترحات، وقد انتقد كيف أن الولايات المتحدة لا تجني أية أموال من أفغانستان، وأشار إلى الصين التي تملك حقوق استخدام المناجم الأفغانيّة، بينما لا تملك الولايات المتحدة شيئًا. رغم الفوضى التي سادت في ذلك الاجتماع، إلا أن وجهًا مبتسمًا كان موجودًا داخل الاجتماع، فصوت ترامب وهو يصرخ في وجه الجنرالات وينهرهم كان كالموسيقى في أذنيه، وقد رأى أنهم يستحقون هذا التوبيخ بالفعل، وأن هذا الموقف من أهم المواقف التي اتخذها ترامب في رئاسته، إنه ستيف بانون. أسرع إقالة في تاريخ البيت الأبيض أنثوني سكاراموتشي، أحد رجال الأعمال الذين دعموا ترامب خلال حملته الانتخابيّة، إلا أنه اختفى فجأة في الأيام الأخيرة لهذه الحملة بعد أن تهاطلت الفضائح على ترامب وعاش أيامًا عصيبة، مما اعتُبِر مؤشرًا آخر على أن حملة ترامب ستشهد هزيمة مذلّة. عاد سكاراموتشي للظهور مجدّدًا بعد الفوز المفاجئ لترامب وصار يكثر من زياراته لـ«برج ترامب» للاحتكاك بفريق ترامب مجددًا والتقرّب من بانون الذي سيصبح كبير مستشاري الرئيس، لعله يحظى هو أيضًا بوظيفة ما في الإدارة الجديدة. الرجل الذي دعم يومًا باراك أوباما، أحد ألدّ أعداء ترامب السياسيين، وحتّى كلينتون، كان لا يخجل من عرض خدماته ليل نهار والتسكّع في برج ترامب لعله يظفر بلقاء مهمّ أو التفاتة من ترامب، لكن مشكلته هو أنه كان مُبغضًا ومثيرًا للاشمئزاز من كل الطبقة السياسية، حتى بالنسبة لرجل سياسيّ. كان الزوجان كوشنر يريان أن مشكلتهما في الأساس تتعلّق بالإعلام وبالتواصل مع الصحافة، وبالتالي فهما يحتاجان شخصًا له علاقات في عالم التلفزيون، بالإضافة إلى ذلك فإن سكاراموتشي ابن نيويورك، ويعرف عالم وول ستريت جيدًا، فهو أقرب إليهما من شون سبايسر، مسؤول الإعلام في البيت الأبيض. «أنا أتمنى فقط أن أحقق جزءًا صغيرًا من عبقريّتك الفذّة كشخص يجيد التواصل مع الآخرين، فأنت قدوتي ومثلي الأعلى»، بهذا التملّق الواضح، أقنع سكاراموتشي، مسؤولُ الإعلام في البيت الأبيض – الذي لم يدم أكثر من 10 أيام – الرئيسَ ترامب ليظفر بوظيفة في الرئاسة، ويخرج بعدها من الباب الضيّق بفعل تسريبات صحافيّة يشتم فيها بعبارات بذيئة كبير موظّفي الرئاسة بريسبوس، لينتهي ما وصفه الكاتب بأنه أحد أسوأ الاستقدامات في تاريخ البيت الأبيض. جون كيلي يحاول السيطرة على الوضع من أجل احتواء هذه الفوضى التي تعم الرئاسة قرّر ترامب تعيين جون كيلي، الجنرال المتقاعد من الجيش الأمريكي، ذي السنوات السبع والستين، في منصب كبير موظّفي البيت الأبيض مكان بريبوس. «هل يبتسم هذا الرجل أصلًا؟» تساءل ترامب، وهو يرى أن أساليب الجنرال المتقاعد لا تشبه أساليب ترامب في شيء، مما جعله يفكّر مليًّا إن كان قد أخطأ في هذا الاستقدام أيضًا كما فعل مع عشرات الاستقدامات التي سبقته. بانون أيضًا لم يرق له الجنرال، إذ رأى أنه لا يملك مواقف حاسمة وجريئة، من المؤكد أنه ليس ليبراليًّا أو يساريًّا، لكنه لا ينتمي إلى عالم ترامب. محاولات كيلي في بسط شيء من الانضباط داخل المؤسسة من خلال تحجيم نفوذ إيفانكا وزوجها قوبلت باختلاف كبير في الرؤية من قبل الرئيس الذي كان يرى أن ابنته وزوجها يؤديان أدوارًا جيدة، وأن التغيير الذي يتصوره ترامب في المستقبل هو تعيين صهره وزيرًا للخارجية، وليس تحجيم دوره كما يرى كل من كيلي وبانون. بانون كان واثقًا حسب الكتاب من قدرة كيلي على «إرسال الأطفال إلى المنزل»، وقد حاول كيلي ذلك بالفعل بشتّى الوسائل، ونبههما بأنّهما إذا أرادا اللقاء بالرئيس فينبغي أن يتم ذلك عبره. لكن بدل أن يذهب الأطفال إلى المنزل، سيكون بانون هو من يعود إلى منزله، فقد صار وجوده في البيت الأبيض مزعجًا لجميع الأطراف، له هو شخصيًا بسبب الفوضى التي يشهدها يوميًا ولا يستطيع تغييرها، ولإيفانكا وزوجها اللذين يَحُول بانون بين أفكارهما وبين الرئيس، ولترامب الذي تزعجه الأقاويل التي تتردد بأن بانون هو الرئيس الفعلي



المصدر:
http://chinaasia-rc.org/index.php?d=46&id=2004

Copyright © 2009, All rights reserved - Powered by Platinum Inc