آسيا الوسطى والهوية الجديدة


-2- استطاع القادة الشيوعيون (سابقًا) استئناف ديكتاتوريات جديدة أكثر صلابة وتماسكًا من الحقبة الشيوعية السوفيتية؛ ففي تركمانستان أنشأ صابر مراد نيازوف (1985 – 2006) حكمًا فرديًا جمع بيده كل السلطات والموارد، وانتُخب في عام 1999 في المؤتمر السنوي لمجلس الشعب التركستاني رئيسًا دائمًا لجمهورية تركمانستان، وكان ابنه مراد أشد فظاعة منه؛ فقد هيمن على شركات النفط والغاز في تركمانستان ليدير من عوائدها حياة باذخة متهورة، وفي كازاخستان أعاد الرئيس نزارباييف بناء دولة مركزية جديدة وظّفت الغاز والنفط في بناء ديكتاتورية تجمع بين الرأسمالية الاقتصادية والتسلط الشمولي الشيوعي، وفي أذربيحان انفرد حيدر علييف بالحكم ثم خلفه ابنه إلهام علييف، واستمر في أوزبكستان نظام الحاكم الفرد الذي يديره الرئيس كريموف وهو أيضًا من أركان النظام السوفيتي السابق. وفي طاجيكستان تمكن الرئيس رحمنوف من البقاء في الحكم بعدما اجتاز الحرب الأهلية. يقول ليبوفنسكي: إن النخب الحاكمة في آسيا الوسطى أنشأت أنظمة سياسية علمانية سلطوية مستقرة، ولكنها ضحت لأجل ذلك بالديمقراطية، واعتمدت على أجهزتها القمعية، وحاولت القيادات السياسية أن تدير توازنًا صعبًا في علاقاتها الخارجية بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية، وكانت أوزبكستان أكثر ميلاً إلى الولايات المتحدة؛ في حين كانت كازاخستان أكثر ميلاً إلى روسيا. وبالنسبة للاعبين الآخرين المؤثرين في السياسة الآسيوية الوسطى، تركيا وإيران والصين وأوروبا؛ فقد كانت العلاقات الاقتصادية محدودة، وإن أقامت تركيا علاقات ثقافية مهمة مع الدول ذات القومية التركية (أوزبكستان، وكازاخستان، وتركمانستان، وقيرغيزستان)، وطورت إيران علاقات ثقافية مع طاجيكستان الناطقة بالفارسية، ولكن الدول الآسيوية تبدي حذرًا من الطابع الإسلامي الذي تتجه إليه تركيا، وحذرًا عدائيًا تجاه إيران. لقد أدت الحرب الأميركية في أفغانستان عام 2001 إلى نمو العلاقات الأميركية مع دول آسيا الوسطى، ولكن الانسحاب الجزئي للولايات المتحدة والناتو من أفغانستان في 2014 دفع هذه العلاقات إلى المجهول وربما النسيان. وواصلت روسيا انسحابها وتخفيف حضورها في آسيا الوسطى خلال السنوات العشرين الماضية، وقد غادر الدول الآسيوية أكثر من 11 مليون روسي كانوا يعيشون فيها في الحقبة الشيوعية، وعدد الروس اليوم (2012) يقل عن نصف ما كان عليه في 1992، ومعظمهم يعيشون في كازاخستان وقيرغيزستان؛ حيث ما زالت روسيا تؤدي دورًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا في هاتين الدولتين، في حين أدت الحروب الأهلية في طاجيكستان والتحولات السياسية في تركمانستان إلى هجرة أعداد كبيرة من الروس. واكتسب ثلاثة من دول آسيا الوسطى (أوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان) مصادر جديدة للدخل متأتية من استخراج النفط والغاز؛ ما أدى إلى نمو اقتصادي كبير في هذه الدول، ولكن نشأت صراعات وتعقيدات كبيرة بسبب الاختلاف على خطوط الإمداد بالنفط والغاز؛ حيث تصر روسيا على أن تمر بأراضيها. ولم تتمكن دول آسيا الوسطى من أن تحل مشكلتها البيئية، بل إنها اتجهت إلى الأسوأ؛ ما يهدد بحر أورال بالزوال بسبب أسلوب الري المتبع، ونشأت أزمة مائية كبرى يفاقمها النمو السكاني، وأصبح الماء سببًا في النزاع الداخلي والإقليمي وبخاصة في وادي فرغانة المشترك بين أوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان، وعلى سبيل المثال فقد أدى إنشاء سد روغان إلى نزاع جدي بين أوزبكستان وطاجيكستان، التي تحتاج إلى السد للوفاء باحتياجاتها المائية وإلى الطاقة الكهربائية. عودة الإقطاع وحالة ما قبل الشيوعية كانت المفاجأة الكبرى في آسيا الوسطى هي ابتعاث وحيوية القيادات الإقطاعية التي كانت مهيمنة قبل المرحلة الشيوعية؛ ما يعني أن الطابع التقليدي لمجتمعات آسيا الوسطى لم يتأثر بسبعين سنة من الحكم الشيوعي. ولكن المفاجأة الأكبر لهذه الدول وقياداتها أن المنطقة تحولت إلى مركز جذب دولي سياسي واقتصادي بسبب وعود النفط والغاز في المنطقة، وتذكر وزارة الطاقة الأميركية أن حوض بحر قزوين الذي يشمل أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان وأجزاء من روسيا وإيران يختزن 270 بليون برميل من النفط؛ وهو ما يساوي 20% من احتياطيات العالم الإجمالية. وتحتوي المنطقة أيضًا على حوالي 665 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي أي 13.5% من احتياطيات الغاز في العالم، وفي تقرير لوزارة الخارجية الأميركية قُدم إلى الكونغرس في عام 1997 فإن واشنطن تأمل أن تستثمر في المنطقة وتحولها إلى مصدر بديل للطاقة يمكنه أن يسد الحاجات الغربية إذا جُمّد أو عُلّق شحن النفط من الخليج العربي. وتواصلت التدريبات والخطط العسكرية والأمنية لمنطقة آسيا الوسطى، وشمل ذلك إقامة قواعد عسكرية وحماية حقول النفط وخطوط التجارة البحرية والمظاهر الأخرى لأمن الموارد، وقد راجعت دول أخرى غير الولايات المتحدة سياساتها الدفاعية القومية وفقًا للأولويات الاقتصادية الجديدة مثل الصين واليابان. ولكن صراعات وأزمات جديدة أصبحت مرشحة وأطلت على المنطقة، وتبيّن أن حوض بحر قزوين على درجة من التعقيد والتناقضات الاقتصادية والعرقية والدينية لا يفوقه في ذلك إلا الشرق الأوسط، ودخلت الولايات المتحدة في صراع إقليمي جديد حول المنطقة. ولاحظت البروفيسورة مارثا أبريل أولكوت من جامعة كولغيت (1998) أن المسعى المحموم وراء طاقة بحر قزوين فاقم التوترات المحلية، وخلق منطقة عدم استقرار وأزمة يمكن أن تمتد من البحر الأسود إلى المحيط الهندي ومن جبال الأورال إلى حوض تاريم في الصين



المصدر:
http://chinaasia-rc.org/index.php?d=46&id=1830

Copyright © 2009, All rights reserved - Powered by Platinum Inc