روسيا توجه علماءها بالابتعاد عن الأجانب


ترغب الحكومة الروسية في أن يستعيد العلماء الروس المكانة الرفيعة التي اعتادوا التمتع بها في ظل الحقبة السوفياتية ـ لكن مع الخضوع في الوقت ذاته لقيود شبيهة لما كان يفرضه عليهم الاتحاد السوفياتي. إلا أنه لا يبدو أن أياً من الأمرين محتمل الحدوث فعلياً. في وقت سابق من الأسبوع، كشف ألكسندر فرادكوف، العالم المعني بأنظمة التحكم، أن وزارة العلوم الروسية بعثت إلى المراكز البحثية بمختلف أرجاء البلاد مجموعة من التعليمات الجديدة، التي أقرت في فبراير (شباط). وتنظم القواعد التي وافق عليها الوزير، ميخائيل كوتيوكوف، الاتصالات بين الأكاديميين الروس ونظرائهم الأجانب. وتتطلب القواعد الجديدة من الروس إخطار الوزارة مسبقاً بخطط الاجتماعات، وبمحتوى هذه الاجتماعات بعد انعقادها. ويتطلب عقد اجتماع خاص بين عالم روسي وزملاء أجانب له خارج ساعات العمل المقررة، تصريحاً من إدارة المركز الذي يعمل به. ومن بين القواعد شديدة السخافة إلزام المؤسسات البحثية الروسية بمصادرة الأجهزة الإلكترونية للزملاء الأجانب الزائرين، بما في ذلك الساعات. وتحمل هذه القواعد أصداء القيود التي كانت مفروضة أثناء الحقبة الشيوعية والتي كانت تجري مراقبة الالتزام بها بصرامة، خاصة فيما يخص مسؤولين وأكاديميين متهمين بالعمل لحساب وكالات استخباراتية أجنبية. وكان يتعين على هؤلاء العلماء الإبلاغ بأدق تفاصيل اتصالاتهم مع الأجانب. وفي خطاب مفتوح إلى الوزير، كتب فرادكوف: «مثل هذه القواعد السخيفة التي يتعذر تطبيقها لن تحسن مستوى الأمن لدينا، ولن تسفر سوى عن فرض عزلة متنامية ضدنا من قبل الدول المتقدمة. كما أنها ستشوه صورة السلطات في بلادنا، وتزيد مهامنا التي حددها لنا الرئيس لتحقيق ريادة أكاديمية، تعقيداً». بالفعل، أبدى الرئيس فلاديمير بوتين عزمه على استعادة المجد الأكاديمي الروسي الذي ضاع بعد هجرة 20 ألف عالم روسي على الأقل وعدد لا يحصى من المهندسين إلى خارج البلاد خلال عقد التسعينيات. ومن بين «المشروعات الوطنية» التي أقرها بوتين العمل على تحقيق قفزة في عدد ومستوى جودة الأبحاث العلمية الروسية. جدير بالذكر أن الميزانية العلمية لست سنوات بدءاً من عام 2018 تبلغ 636 مليار روبيل (9.6 مليار دولار) ـ رقم مبهر. ويحدد المشروع مؤشرات معينة لتقييم الأداء، مثل نصيب روسيا من الإنتاج العالمي من الأبحاث تبعاً لأعداد الأوراق البحثية المنشورة في دوريات علمية مرموقة ومقدمة أمام مؤتمرات، أو عدد المؤسسات البحثية «ذات المستوى العالمي». وقد أقر بوتين أهدافاً من هذه النوعية منذ عام 2012 عندما عاد للرئاسة بعد فترة كُمون لمدة أربع سنوات. إلا أنه حتى هذه اللحظة، لم تحقق روسيا أهدافها. من بين الأهداف الأخرى التي أقرها بوتين عام 2012 كان دفع خمس جامعات روسية على الأقل إلى داخل قوائم أفضل 100 جامعة بالعالم، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق حتى الآن. اللافت أن جزءاً كبيراً من التحسن الفعلي الذي طرأ على النشاط البحثي الروسي كان نتاج تعاون بين مؤسسات روسية وجهات تمويل من الولايات المتحدة وألمانيا ودول غربية أخرى، حسبما خلصت ورقة نشرتها مجموعة من الباحثين التابعين للأكاديمية الروسية للعلوم، العام الماضي. واليوم، تأتي القواعد الجديدة التي أقرها كوتيوكوف لتضرب هذا التعاون في مقتل. وفي تعليقه على هذه القواعد قال السكرتير الصحافي لبوتين ديمتري بسكوف: «بالطبع، على المرء إظهار بعض اليقظة لأن أجهزة المخابرات الأجنبية ليست نائمة في عملها، ولم يتخل أحد عن التجسس العلمي والصناعي. هذا يحدث على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع ويستهدف علماءنا، خاصة الشباب منهم». إن عدم اتباع نصيحة الكرملين بشأن اليقظة يمكن أن يكون له عواقبه الوخيمة. من وقت لآخر يتعرض الأكاديميون الروس للسجن بزعم تسليمهم مواد حساسة للممولين وللزملاء الأجانب. وتشير رسالة فرادكوف إلى إحدى هذه الحالات، وهي حالة الفيزيائي فيكتور كودريافتسيف الذي اتُّهم بالخيانة العام الماضي بسبب عمله في معهد أبحاث بلجيكي. تعد قواعد «كوتيوكوف» بمثابة تذكير آخر للعلماء الروس بالمفاضلة التي يجب عليهم اتباعها بها حال بقوا في روسيا وقرروا المشاركة في مشروع بوتين للتحديث. فالدولة مستعدة للاستثمار في الأبحاث - ولكن في المقابل، يجب أن يكون التركيز على مصالح الدولة أولاً وقبل كل شيء. بلومبيرغ "صلاة تشرنوبل".. عندما تحوّلت الجنة الموعودة إلى جحيم ما الذي تعنيه تشيرنوبل؟ بالنسبة للآلاف حول العالم، لم تكن كارثة المفاعل النووي تعني أي شيء أكثر من صور مثيرة للدهشة والاستغراب لأطفال مولودين بإعاقات غريبة، ونباتات وحيوانات مصابة بطفرات جينية جعلتها تنمو في أشكال غير مألوفة؛ صور معظمها غير حقيقي، مُلفّق. إلا أن الحقيقة كانت أكثر غرابة، وأكثر عصيانا على التعبير بالحروف والكلمات. احتاج الأمر إلى سنوات طويلة من الضحايا كي يستوعبوا، كي يفهموا ويُشكّلوا سردا لحكاياهم التي لا يوجد لها مثيل. حكاياهم التي امتزج فيها الألم بالوحدة، فمصابهم لم يشاركهم فيه أحد في تاريخ البشرية لا من قبل ولا من بعد، وقصصهم تضافر فيها الحنين لماضٍ لم يعد له وجود، مع العجز عن تجاوزه لمستقبل أقل إيلاما، أما أرواحهم، فحتى بعد أن فقدت القدرة على الإيمان بكل ما آمنت به يوما، ظلت تتعطش إلى المعنى. في نهاية تلك السنوات، كان قلم سفيتلانا أليكسييفيتش في انتظارهم. طافت الصحافية البيلاروسية الفائزة بجائزة نوبل عام 2015 حول الأراضي المنكوبة، لملمت كلمات الضحايا والشهود، سجّلت ما رأوه، ما شعروا به، ما رووه عن حياتهم التي ما عادت لما كانت عليه أبدا، عن أحبائهم الذين فارقوهم، وعن أبنائهم الذين فقدوا طفولتهم قبل أن يعيشوها. حاكت أليكسييفيتش تلك الأصوات معا، لتؤلّف معا كتابها "صلاة تشرنوبل"، الذي صار بمنزلة تاريخ موازٍ لذلك المحفوظ في المستندات الرسمية والأبحاث العلمية، تاريخ ترويه أصوات إنسانية يبحث بعضها عن الالتئام، ويصلي بعضها من أجل المغفرة. سنعود للوراء مع الكتاب، إلى ليلة السادس والعشرين من أبريل/نيسان منذ ثلاثة وثلاثين عاما، ونحاول أن نرى ما حدث عبر العيون التي شهدته، ونفهم عبر مونولوجات الشهود والعلماء والمسؤولين الذين تحدّثت معهم أليكسييفيتش كيف أن الإيمان الأعمى قد يصير أشد فتكا من أي سلاح. "لم نكن نعلم أن الموت جميل هكذا" يستدعي عقلنا البشري مخزونه عن القبح والأهوال عند التفكير في أي كارثة، يرسم لنا صورا تتكاثر فيها الأشلاء والجثث في كل شبر، وتغشاها غيوم من الأدخنة والأتربة. لكن ما حدث في تشرنوبل لم يكن هكذا، فعلى تلك الأرض، تعانقَ الموت مع الجمال، ورسما معا صورة لكارثة لم تخل لحظاتها الأولى من السحر، وظل الغروب يتلألأ فيها فوق الأعشاب والمروج في نهاية كل نهار، حتى بعد أن لم تعد هنالك عيون لتراه. ساعة الانفجار، حل محل الذعر المتوقع حالة من الدهشة، فقد كسا الأفق سحر خاص، ولم يعلم أحد حينها أنه السحر الذي يصحب النهايات. تتحدث ناديجدا فيجوفسكايا، إحدى النازحات من مدينة بريبيات الواقعة غير بعيد عن المُفاعل عن ساعة الانفجار وتقول: "لم يزل كل ما حدث ماثلا حتى هذه اللحظة أمام عيني، وهج شديد قرمزي اللون، سطع المفاعل بضوء بدا كأنه خرج من داخله، لون غريب. كان حريقا استثنائيا، لهيبا، بدا جميلا. ولو تجنبنا التفكير في كارثية الحدث، فإن المشهد بدا رائعا. لم أرَ مثيلا له حتى على شاشات السينما، لا وجه للمقارنة. احتشد الجميع في شرفات المنازل، سيطر الفضول على الجميع، قطع العديد من الناس عشرات الكيلومترات في السيارات لكي يشاهدوا ما جرى، لم نكن نعلم أن الموت قد يكون جميلا هكذا". وحتى بعد ما حدث بعد سنوات طويلة، بعد أن تسربت الإشعاعات النووية لكل ما هنالك، للهواء والماء والزرع، ظلّت تشرنوبل والقرى المجاورة لها مكسوة بالجمال: "الطبيعة هنا في غاية الروعة، احتفظت برونقها، دون زرع، إنما كما خلقت، تمتد امتداد الزمان. تطوف بها الأنهار، بدت المياه فيها بلون الشاي، شفافة - شفافة. كساها العشب الأخضر". لكن تلك الأرض الجميلة يرقد السم في كل شبر منها: "طال التلوث كل شيء، صار كل شيء مسموما". ففي الأيام القليلة التي تلت الانفجار، أخذ المفاعل يطلق 3000 ميكرو رونتجن في الساعة، ليستقر كل ذلك الإشعاع في الطعام الذي يتناوله الناس والماء الذي يشربونه، في الهواء الذي يتنفسونه وداخل أجسادهم التي تتعرض لهذا كله بلا أي واقٍ. يروي مارات كوختوف كبير مهندسي معهد الطاقة الذرية بروسيا عن هذا: "اكتشفنا خلال الزيارة الأولى لمنطقة المفاعل أن معدل الإشعاع في الجو في الغابة أعلى من معدلاته على الأرض بنحو ست مرات. ورغم هذا، ظلّت الحياة تدور، تعمل الجرارات في الحقول، يحرث الفلاحون حدائق منازلهم، فتحت المحلات التجارية أبوابها، تعمل بكامل طاقتها، الأمور كلها في سياقها الطبيعي. نلتقط عيّنات من اللانشون، من البيض، نحصل على بضع صور لتحديد جرعات الرونتجن، لا يمكن اعتبارها مواد غذائية بأي حال، تلك مخلفات إشعاعية. هناك سيدة شابة، تجلس على أريكة بجوار البيت، تطعم رضيعها من ثديها، فحصنا لبن صدرها، وجدنا أنه ملوث إشعاعيا. إنها مريم تشرنوبل العذراء". ورغم كل هذا، لم تحرك السلطات في بيلاروسيا ساكنا، ظلّت ترفع شعار: "الأمور تحت السيطرة" عندما كان كل شيء يتداعى. يروي فاسيلي نيسترينكو العميد السابق لمعهد الطاقة الذرية: "بينما كان الأوكرانيون يركعون في الكرملين طلبا للمال والدواء وأجهزة قياس معدلات الإشعاع، سوّى رئيسنا سليونكوب كل شيء في غضون خمس عشرة دقيقة: "كل شيء على ما يرام، نحن قادرون على تحمل المسؤولية بأنفسنا". تلقّى الإشادة: "يا لهؤلاء الرفاق الرائعين في بيلاروسيا!"، أتساءل: "كم من حياة بشرية دُفعت ثمنا لتلك الإشادة؟" كانت السلطات إذن على علم تام بكل ما جرى، لكنها لم تفعل شيئا، وعرقلت كل من حاول أن يفعل شيئا. فلماذا، لماذا عرفوا وصمتوا؟ لماذا تركوا كل تلك الأرواح تقابل مصائر مظلمة؟ "أنا ابن زمني" صار ما حدث في ليلة السادس والعشرين من أبريل/نيسان عام 1986 جزءا من تاريخ يعرفه الجميع، ولم تعُد أسبابه العلمية تخفى على أحد: مفاعل ذو تصميم معيب، نُفّذ بواسطة مواد رخيصة من أجل التوفير، في فترة زمنية هي نصف الفترة التي تحتاج إليها المفاعلات في البناء، وقام عليه مجموعة من غير الأكفّاء. يصبح ما حدث من انفجار نتاجا طبيعيا لكل ما سبق، لكنّ العصي على الاستيعاب هو لماذا حدث من الأساس كل هذا؟ ولماذا لم يحرك أحد ساكنا بعد وقوع الكارثة؟ هنا نجد اتساقا غريبا بين نسبة ليست بالقليلة من الأفراد الذين شاركوا في الكارثة، من أكبر مسؤول لأصغر فرد، إحجام عن فعل أي شيء قد يُقلّل من الأضرار، والعيش في كذبة أن كل شيء على ما يُرام، كل شيء تحت السيطرة. هذا الاتساق ليس بالمصادفة، فكل من كان هناك كان أسيرا للأيديولوجيا نفسها، الإيمان الأعمى نفسه بعلم مُسيّس، بالشيوعية، بالدولة، أشياء معنوية غير ملموسة، لكنها حملت الوزر الأكبر في كل ما جرى. بعد أن رأى مارات كوختوف كل ما رأى، بعدما رأى الأطفال يلهون على أرض مُشعة والأمهات يُرضعن صغارهن حليبا مسموما، ما الذي فعله؟ لم يفعل شيئا: "رغم أني أعرف جيدا قوانين الفيزياء، وأعرف أن تلك المنطقة كان يجب إخلاء كل حي بها، إلا أننا نفّذنا الأوامر بحذافيرها، لم نفعل شيئا سوى أن واصلنا قياس معدلات الإشعاع وشاهدنا التلفزيون. ها هي إجابة سؤالكم: لماذا عرفنا كل شيء وصمتنا؟ لماذا لم ننفجر غضبا في الميادين ولم تعلُ أصواتنا بالصراخ؟ لأننا جيل تربينا على أن نُصدّق، تربينا على الإيمان. فلزمنا الصمت ونفّذنا الأوامر حرفيا، هذا هو الإيمان الحزبي، وأنا كما تعلمون شيوعي. لم يكن بيننا من يخشى على نفسه بشكل أناني وامتنع عن الذهاب إلى منطقة المفاعل، لا يرجع هذا إلى الخوف من الحرمان من البطاقة الحزبية، الأمر أبعد وأهم من كل هذا بكثير، إنه الإيمان، الثقة الكاملة بأننا نحيا في ظل عالم جميل وعادل". كان ثمن الاحتفاظ بهذا الوهم لعالم جميل وعادل، ثمن الإيمان بيوتوبيا لا وجود لها، هو الانجراف بالواقع إلى جحيم لا مثيل له. فأحيانا، قد يدفع بك اتباع أحلامك إلى حياة أسوأ من الكوابيس. في حديثه عن الشيوعية في "كتاب الضحك والنسيان"، يقول ميلان كونديرا: "ليست الشمولية فقط جحيما، إنها أيضا حلم بجنة، ذلك الحلم القديم قِدم الزمان بعالم يعيش فيه الجميع في انسجام يوحّدهم إيمان واحد وإرادة واحدة. لكن ما إن يبدأ هذا الحلم بالجنة في التحول إلى حقيقة، حتى يبدأ بعض الأشخاص في اقتلاع كل من يقف في طريقهم، ويجد حكام الجنة أنه من الضروري بناء معتقل شرقي عدن. وبمرور الزمن، يكبر هذا المعتقل ويكبر بينما تأخذ الجنة في الاختفاء". ما الذي يفعله الحُكام حينها؟ ينسجون الأوهام والأكاذيب، يجعلون سكان المعتقل يصدّقون أنهم يعيشون في الجنة، وقد صدّقهم معظم سكان تشرنوبل بالفعل لدرجة ضحوا معها بحياة الآلاف حتى يحتفظوا بإيمانهم بنعيم لا وجود له سوى في رؤوسهم. لهذه الدرجة قد تستولي الأكاذيب عندما يصدقها الناس على وعيهم، لدرجة يصيرون فيها عُميًا لا يرون الحقيقة الماثلة أمام أعينهم. صحيح أن بعض المسؤولين أدركوا خطورة الأمر وآثروا أن ينأوا بأنفسهم عن كل ضرر ويتناولوا الآيدوين بينما بقية الشعب يتنفّس إشعاعا، إلا أن الكثيرين آمنوا بالفعل بما قيل لهم، آمنوا أن كل شيء تحت السيطرة، آمنوا إيمانا جعلهم يؤذون أنفسهم ومن يحبون. يروي فلاديمير إيفانوف، المسؤول في الحزب السوفيتي الذي كان ضمن من أصروا على إقامة احتفالات عيد العمال في موعدها مطلع مايو/أيار رغم انفجار المفاعل: "لو كنت أنا مجرما، لماذا أُصيبت حفيدتي بالمرض؟ أنجبَتها ابنتي ذلك الربيع، أحضرَتها إلينا وهي ترتدي الحفاظة في عربة الأطفال، كان ذلك بعد مرور بضعة أسابيع من الكارثة، ترجّتني زوجتي: "علينا إنقاذهما، أن نرسلهما إلى الأقارب، أن نبعدهما من هنا". كنت السكرتير الأول للجنة الحزبية للمنطقة، رفضت كل توسّلاتهما: "ماذا سيقول الناس لو أبعدت ابنتي وطفلتها الصغيرة؟ ماذا عن أولادهم الذين سيبقون هنا؟"ـ أُصيبت حفيدتي باللوكيميا، دفعت ثمن ذلك، كان ثمنا باهظا. لو كنت مجرما بالفعل فلماذا تسبّبت في قتل حفيدتي؟ أنا لست مجرما، أنا ابن زمني". وبالحديث عن احتفالات عيد العمال في الأول من مايو/أيار بُعيد الانفجار، فكما تروي لودميلا بوليانسكا، الشعب لم يُجبر على الحضور، من حضر فعل ذلك بملء إرادته: "لم تكن السلطة هي الطرف الوحيد الذي خدعنا، هناك طرف آخر، إنه نحن، لقد خدعنا أنفسنا، لم تكن لدينا رغبة كافية لمعرفة الحقيقة، هناك، في أعماقنا، في اللاشعور… بالتأكيد نتجنب الاعتراف بالحقيقة، نستمتع ونشعر براحة في إلقاء اللوم على جارباتشوف، على الشيوعيين، الذنب ذنبهم، بينما نحن بريئون، طيبون، ضحايا. قمنا بتجهيز أولادنا للمشاركة في احتفالات الأول من مايو/أيار. لم يجبرنا أحد على المشاركة، كان بإمكاننا الامتناع، الأمر خاضع لإرادتنا. لكننا نظرنا للأمر على أنه من قبيل الواجب. ليس أمامنا خيار آخر! في هذا التوقيت، في هذا اليوم، يجب أن يكون الجميع يدا بيد، أسرعنا نحو الشارع إلى وسط الحشود. لم تكن الأرض وحدها التي أصابها التلوث، إنما وعينا أيضا صار ملوثا، وسيظل هكذا لسنوات قادمة ممتدة". وبالرغم من كل ما جرّه الإيمان على أهل تشرنوبل من مصائب، فإنه كان الوقود الذي حرّك الكثيرين للتضحية بحياتهم في عمليات إنقاذ كانت الأكثر خطورة وحساسية في هذا الزمن؛ وبالرغم من أن أعداد غفيرة فقدت أمام ذلك حياتهم، فإنه لولا ما قاموا به لصارت الحياة في قارة كاملة مهددة بالخطر. "الحنين إلى الدور" بعد كارثة انفجار المفاعل النووي، وبعد أن أيقن الجميع مدى خطورة ما حدث، بدأت جهود استيعاب الموقف للحيلولة دون تفاقم الكارثة. أكثر من نصف مليون مدني وعسكري ذهبوا لمصير غير معلوم، بكارثة ليس لها سابقة في تاريخ البشرية بأكمله. نصفهم راح لفوهة المفاعل ذات السقف المُدمَّر، أكثر نقطة مشعة بالمفاعل التي فشلت حتى الآلة في الاقتراب منها، ليتخلصوا من بقايا الوقود والجرافيت. سبح البعض أسفل المفاعل في مياه ملوثة بالإشعاع ليمنعوا وقوع انفجار آخر كان من شأنه أن يمحو الحياة في أوروبا. ذهب كل أولئك لهذه المهام الانتحارية متطوعين دون أن يُجبرهم أحد، يروي المسؤول الحزبي فلاديمير إيفانوف: "تراكمت فوق مكتبي عشرات الطلبات: "أرجو السماح لي بالذهاب إلى تشرنوبل". كان الناس على استعداد الفداء والتضحية بأنفسهم، استجابة لنداء القلب دون تفكير أو مقابل". يُفسّر سيرجي سوبوليف، نائب رئيس إدارة جمعية "درع تشرنوبل"، هذا الاستعداد لكل تلك الأعداد الغفيرة من رجال كان كثير منهم في مقتبل العمر للتضحية بحياتهم ويقول: "الأمر ليس له علاقة بأن الحياة عندنا تكاد تكون عديمة القيمة، إنها تلك الفلسفة القدرية الآسيوية، إنسان لديه استعداد دائم للتضحية بذاته، دون شعور بأنه لا يملك سوى حياة واحدة، وربما يكون شخصا فريدا ليس مثله أحد. إنها تلك الرغبة المُلِحَّة، ذلك الحنين إلى لعب دور. كان في السابق شخص يعيش دون نَصْ، كأنه عالة على العالم. لم يملك قصة، قابع خلف الستار، في الخلفية. ثم فجأة تأتي إليه الفرصة كي يلعب دورا فاعلا، بين الأبطال. إنه ذلك الشوق إلى المعنى، ما الذي ننشده من حملاتنا الدعائية؟ ما أيديولوجيتنا؟ إنهم يطلبون منك أن تغادر الحياة بصحبة الموت، حتى تجد المعنى. يمنحونك الرفعة، دورا بطوليا! يصير الموت سُمّوًا، يُخلف وراءه خلودا". إن كان الخلود بالفعل مصير أولئك الرجال، فلا يمكننا أن نقول الشيء نفسه عن الشيوعية والاتحاد السوفيتي، الكيانين اللذين آمن الملايين بهما، وراح ضحيّتهما الآلاف. تفكك الاتحاد السوفيتي بعد كارثة تشرنوبل بخمسة أعوام، وقد زاد ذلك أهل تشرنوبل ضياعا على ضياعهم، وجعل كل شيء، حتى تضحية من ماتوا، يبدو عبثيا للغاية. تقول فالنتينا أباناسيفيتش، أرملة أحد أفراد فرقة مكافحة آثار الكارثة: "أخذت أتساءل، من أجل أي شيء يموت؟ يكتبون في الصحف أن الانفجار لم يكن في تشرنوبل فقط، إنما انفجرت الشيوعية. الحياة السوفيتية بأكملها تلاشت. من خطفه من يدي؟ بأي قانون؟". فلو أن كلمة مثل "البطولة" كان لها وقع خلاب مليء بمشاعر الانتصار في نفوس من اختاروا الذهاب والتضحية بحياتهم، فإنها لم تكن بالنسبة لأحبائهم سوى مجموعة من حروف جوفاء باردة، لا يملؤها سوى وحدة وضياع. بعد أن مات عنها زوجها، هذا ما شعرت به نينا ليتفينا: "في يوم ما، شعرت بالحسد تجاه الأبطال، من هؤلاء الذين كان لهم دور في أحداث عظيمة عند منعطف خطير ونجحوا في العبور. الآن، تغيرت طريقة تفكيري، ما بي من رغبة في أن أعيش في التاريخ، في الماضي. ستصير حياتي حينها صغيرة بلا حماية، ستدهسها الأحداث العظيمة، هي أصغر من أن يلحظها أحد، ستندهس دون أن يقف عندها شيء. سنرحل، وسيبقى التاريخ فحسب.. ستبقى، تشرنوبل". مرت ثلاثة وثلاثون عاما على الكارثة، لكنها تظل ندبة في وجه البشرية، تذكار أليم للمكان المعتم الذي قد يأخذنا إليه الإيمان الأعمى بلا تفكير، ويرصف الطريق إليه الخداع والأكاذيب بلومبيرغ



المصدر:
http://chinaasia-rc.org/index.php?d=42&id=2449

Copyright © 2009, All rights reserved - Powered by Platinum Inc