تركيا: خطوات مهمة تجاه الاستقلال الدفاعي


تركيا هي جزء من حلف شمال الأطلسي الذي انضمت إليه منذ عام 1952 هذه حقيقة لاجدال فيها، لكن هناك حقيقة أخرى لا تقل وضوحاً، وهي أن العلاقة مع ذلك الحلف قد دخلت إلى منعطفات ومزالق كثيرة خلال الأعوام الأخيرة، حتى وصل الأمر حد التشكيك في ما إذا كانت القاعدة التي تقول: «الاعتداء على أي دولة داخل الحلف يعتبر اعتداء على جميع دوله»، تنطبق على تركيا. من الناحية الاستراتيجية التاريخية كان الانضمام للحلف يحقق مصلحة مهمة لجميع الأطراف، لأوروبا التي سوف تستفيد من موقع تركيا كجدار صد ضد الطموحات الشيوعية، وللأتراك أيضاً الذين وفرت لهم هذه العضوية مظلة حماية رادعة وجعلتهم يصبحون جزءاً من المنظومة الغربية، التي تتناصر وقت الشدة. نظرياً، فإنه لا شيء جذري تغير في ما يتعلق بالعلاقة التركية مع حلف «ناتو»، فما تزال أنقرة جزءاً منه، وما تزال تشارك في اجتماعاته ونشاطاته. هذا ما يبدو على السطح، لكن في الواقع فإن الوضع يبدو أشبه بحالة مزدوجة لحليف وخصم في آن. هنا لا ينفصل السياسي عن الدفاعي بطبيعة الحال، ولا يمكننا أن نتصور إن الدول التي تعترض على سياسة حزب العدالة والتنمية الحاكم، والتي تنتقد في كل مناسبة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإمكانها أن تفصل ذلك عن شؤون التعاون الدفاعي المشترك. كان كل شيء ينذر بتضارب الأجندات، ابتداء من ردود الأفعال حول الاعتداء الاسرائيلي على السفينة «مرمرة»، مروراً بالتضامن تجاه ما تتعرض له تركيا من إرهاب، أو الأزمة السورية ومضاعفاتها، ومحاولة تفهم الهواجس الأمنية التركية تجاهها، أو بدعوة أنقرة لوقف تسليح المجموعات الكردية التي تبرر لنفسها استخدام العنف والإرهاب بحجة الكفاح الوطني، والتي تجعل من استهداف تركيا أولوية. الحقيقة هي أن تركيا تركت وحيدة أمام كل تلك التحديات، بل تركت وحيدة وبتضامن قليل، مع الاختبار الأهم الذي عاشته خلال الأعوام الأخيرة وهو اختبار الانقلاب العسكري الفاشل، الذي ما يزال الكثير من الأتراك يؤمنون بأنه كان مدبراً من قبل حلفاء مفترضين. وضع تركيا في داخل الحلف كان مثار نقاش، فعلى عكس التفهم الذي كانت تبديه الدول الأطراف لتحركات الدول الأخرى، كالولايات المتحدة أو فرنسا في سبيل الحفاظ على أمنها القومي، كانت التحركات التركية على الدوام محل تشكك وانتقاد، يصل في بعض الأحيان لانتقاد القيادة التركية وما تقوم به من إجراءات، حتى على المستوى الداخلي، بل لم يخف بعض المسؤولين الغربيين خيبة أملهم من نجاح الانتخابات التي أتت بالرئيس أردوغان، ومن بعدها الاستفتاء الذي وسّع من صلاحياته بعد تحول نظام الحكم إلى رئاسي. كل هذا لم يكن ليدفع القيادة التركية للانسحاب من الحلف، وإن كان قد عزز من الرغبة في البحث عن خيارات أخرى، لتأمين النفس بعيداً عن المراهنة على المنظومة الأطلسية. في هذا الإطار كان السعي للوصول إلى تفاهمات استراتيجية مع كل من روسيا وإيران، وهي التفاهمات التي أثارت أكثر حفيظة الدول الغربية التي كانت تتعامل مع موسكو وطهران كمنافسين. بالنسبة لتركيا كان ذلك ضرورياً من أجل تأمين ظهرها، ومن ثم التنسيق حول التحركات الإقليمية بما يوفر عليها الدخول في عداءات جديدة. ساهم ذلك، إضافة إلى تحركات مشابهة مع العراق، في انحسار موجة العمليات الإرهابية التي عانت منها تركيا، كما ساهم في تخفيف الضغط على روسيا وإيران في ما يتعلق بالأزمة السورية، بعد تقديمهما بواسطة تركيا، التي كانت تمثل وجهة نظر مناقضة، كجزء من الحل والمستقبل. بالتوازي مع هذا الحراك، كانت هناك مساعٍ على مستوى آخر من أجل إنجاح الصفقة التي تحصل بموجبها تركيا على منظومة (إس 400) الصاروخية الروسية المتطورة. لم يكن إنجاز هذه الصفقة سهلاً، فقد اعتبر كثيرون أن ليس بإمكان روسيا أن تكشف نفسها أمام طرف هو في النهاية جزء من الحلف، الذي يستهدفها، بالمقابل اعتبر آخرون أن إنجاز هذه الصفقة التي أعلن الحلفاء رفضهم لها سوف يزيد من توتر العلاقة مع تركيا المعتمدة على منظومات التسليح الغربية. لكن كل ذلك بدا للأتراك بلا وزن، وهو ما جعلهم يصرون على إتمام هذه الصفقة التي صمدت أمام التشكيك بشكل أكد وصول العلاقة بين أنقرة وموسكو إلى عتبة استراتيجية غير مسبوقة. بالنسبة للعلاقة مع الولايات المتحدة، وهي الدولة الأهم داخل الحلف، فإن تركيا ليس لديها الكثير لتخسره، فرفض تسليم فتح الله غولن المقيم بالولايات المتحدة والمتهم بتدبير محاولة الانقلاب ومساهمة واشنطن الفاعلة في تسليح المجموعات الكردية الانفصالية التي تخوض حرباً ضد الدولة التركية، كل ذلك لم يكن ليمر بدون تأثير على العلاقة بين الطرفين. هل يمكن اعتبار كل ذلك دليلاً على أن تركيا أدارت ظهرها للحلف الغربي متوجهة نحو المشرق؟ هذه النتيجة التي تسرع البعض للوصول إليها غير واقعية، على الأقل في الوقت الحالي، فيظل من المستبعد أن تخرج تركيا من ذلك الحلف، أو أن تدخل في حالة عداء مفتوح مع الولايات المتحدة، وهو ما ينطبق أيضاً على الطرف الغربي، خاصة الولايات المتحدة، ولعل هيذر نويرت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، كانت تعني ما تقول حين شبهت العلاقة بين بلادها وتركيا بحياة زوجين تحدث بينهما مشادات، لكن في كل مرة يأسف كل منهما على ما بدر منه! على الصعيد الأوروبي، وفي حين تتواصل جهود التفاوض الدبلوماسية سعياً لانضمام أنقرة للاتحاد، تتواصل أيضاً اتفاقات التعاون الدفاعي، حيث تمخض اجتماع وزراء دفاع كل من تركيا وفرنسا وإيطاليا، نهاية العام الماضي في بروكسل عن نتيجة مهمة، هي إعلان هذه الأطراف عن توصلها إلى اتفاق دفاعي مشترك. هذا الاتفاق لا يقل أهمية عن الاتفاق الروسي، بل لعله يكون أكثر أهمية إذ يمثّل خطوة متقدمة نحو الهدف التركي الأهم، وهو الاستقلال الدفاعي الذي يعني في بعض معانيه إنتاج نظام دفاع صاروخي وطني مستقل. تسعى تركيا حالياً للاستفادة من جميع الأطراف وبشكل متوازٍ بما يخدم أهدافها الاستراتيجية، وهو ما جعلها توقع اتفاقية مع فرنسا للمساعدة في إنتاج نظام متطور مستقل. ليس في ذلك تناقض مع مبادئ الحلف، حيث أن بإمكان هذا السلاح المنتج بمساعدة أوروبية أن يعمل ضمن منظومة الدفاع الأطلسية المشتركة، لكن الجديد هو أن بإمكانه أن يعمل كذلك بشكل مستقل، وهي النقلة التي تحتاجها تركيا. بمعنى آخر يمكن القول إن الاتفاقية مع روسيا هي اتفاقية تكتيكية لمدىً مؤقت، في حين يبقى الهدف الاستراتيجي هو الوصول إلى الاستقلال الكامل عن الشرق والغرب معاً، وهو خيار صعب، مقارنة بالخيار الآخر المبني على شراء التكنولوجيا والاعتماد على الأسلحة الجاهزة والمعلبة. ما يزال البعض يقللون من كل هذه الخطوات، معتبرين أن طريق تركيا ما يزال طويلاً نحو الاكتفاء الذاتي التام في مجالات الدفاع والتسليح. في الواقع فإن الطريق الطويل ليس مشكلة بشرط أن يكون صحيحاً، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في الطرق الخاطئة التي تكون في أغلب الأحيان قصيرة، لكنها لا توصل إلى أي مكان.القدس العربي



المصدر:
http://chinaasia-rc.org/index.php?d=42&id=2011

Copyright © 2009, All rights reserved - Powered by Platinum Inc