جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الاقتصاد الصيني: نمو وأزمات

وفقًا لصندوق النقد الدولي خسرت الولايات المتحدة المركز الأول في الاقتصاد العالمي، وحلت محلها الصين، وهذا يزيد من الضجيج الزائد بالفعل حولها. لكن مؤخرًا صدر لماثيو كراب كتابًا بالغ الأهمية فيما يتعلق بالإحصائيات، “أسطورة الأرقام الخارقة للصين”، فعلى سبيل المثال، لو أنك تحسب بالقوة الشرائية للفرد الواحد، فإن الصورة ستختلف تمامًا.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار معدلات النمو الفلكية في الصين على مدى العقدين الماضيين، تمامًا مثل حقيقة أنها تمثل نسبة كبيرة من الإنتاج العالمي من حيث عدد السلع. ويتضح النمو السريع في وتيرة التنمية الحضرية والمدن حديثة الطراز التي نشات وازدهرت خلال فترة زمنية قصيرة. لكن حسابات نجاح الصين باعتبارها طاغوت اقتصادي، لا تأخذ في الاعتبار المشاكل والاضطرابات التي بدأت تظهر في اقتصادها، أو كيف يتصاعد رفض العمال لنموذج الأجور المنخفضة المعروف عنها.

أزمات وديون
وثمة عامل رئيسي تسبب في النمو السريع للصين، وهومعدلات الاستثمارالعالية غير المسبوقة. إن مقدار النسبة المستثمرة من الناتج القومي أعلى بكثير من مثيلاتها في الاقتصاديات النامية الأخرى، وأكثر من ضعف المعدل في الدول الصناعية السبع الكبرى (مجموعة السبع). ولقد أمكن الوصول بالاستثمار لهذا المعدل الهائل عن طريق استغلال العمال ذوي الأجور المنخفضة، واستغلال مستويات الإدخار العالية للعمال والفلاحين، وهو الأمر المميز لجميع الاقتصاديات الآسيوية المتسارعة بعد عام 1945.

ووفقًا للبنك الدولي، بلغ متوسط النمو السنوي للصين في الفترة من 2000 وحتى 2013 حوالي 12.2% تقريبًا، في حين بلغ متوسط نمو الاستهلاك الخاص حوالي 7.3% فقط. وبعبارة أخرى، لم ينمو الاستهلاك بسرعة كافية لاستيعاب ما يُنتج، وكان على الاقتصاد الاعتماد على السلع المصدّرة. تسبب هذا الوضع في مشكلات كبيرة خاصة في أعقاب الأزمة الاقتصادية عام 2008، مع تراجع الطلب في الولايات المتحدة وأوروبا. ثم أدت حزمة التحفيز الضخمة التي ضختها الحكومة الصينية عام 2008، والتي تُقدر بحوالي 570 مليار دولار، إلى مشكلة ربما أسوأ، وهي عدم التوازن بين الاستهلاك والاستثمار.

وكان نصيب الإنفاق الاجتماعي من حزمة الإنقاذ حوالي 20% فقط. وذهب الجزء الأكبر منها نحو المزيد من الاستثمارات في قطاعات تعاني بالفعل من التضخم، مثل الحديد والصلب والأسمنت، ولبناء أسرع أنظمة السكك الحديدية فائقة السرعة في العالم. ساعدت طفرة البنية التحتية والتوسع الهائل في الائتمان في حماية الاقتصاد الصيني من انهيار الصادرات في أعقاب الأزمة، لكن مهّدت الطريق أمام أزمة الرهن العقاري في نسختها الصينية.

وهدد تراكم ديون ضخمة بفعل أجهزة الحكم المحلي، والتوسع السريع في الأسواق غير الرسمية لتزويد الائتمان بالارتداد مرة أخرى على الاقتصاد الحقيقي. وكانت نتيجة الاستجابة لحث الحكومة على المزيد من الاقتراض بعد أزمة عام 2008، ولتنفيذ مشاريع البنية التحتية الضخمة راكمت أجهزة الحكم المحلي مقدار ضخم من الديون لم يحدث من قبل. وبالمثل أُتيح الائتمان الميسّر للشركات المملوكة للدولة، وتضخمت قروض الشركات والحكم المحلي بحيث تجاوزت الاستثمار وهددت الاقتصاد الصيني بشكل عام.

مصدر آخر لعدم الاستقرار، هو نمو قطاع التمويل غير الرسمي أو “الظل المصرفي”، حيث يمنح المقرضون السريون القروض للشركات والأفراد الذين قد يكونوا غير مؤهلين لذلك. وبدورها تذوب هذه القروض داخل الحزم الاستثمارية التي تشبه “السم” القروض المضمونة التي تسببت في المرحلة الأولى من الأزمة العالمية الراهنة. وصفت مجموعة كريدي سويس للمعاملات المالية ازدهار الإقراض غير الرسمي بأنه “قنبلة موقوتة” تشكل خطرًا أكبر يهدد الاقتصاد الصيني، ربما أكثر من مشكلة تراكم ديون أجهزة الحكم المحلي. وتلك إشارة لاقتصاد يعاني من عدم استقرار شديد جدًا.

في عام 2007، أخبر رئيس الوزراء ون جيا باو مجلس الشعب بأن الاقتصاد كان “غير مستقر وغير متوازن وغيرمنسق، وبالأخص غير قادر على الاستمرار”. مما عكس خوف الطبقة الحاكمة في الصين من ألا يدوم مستوى الاستثمار، ودعت الخطة الخمسية الـ12 (2011 – 2015) إلى تغيير حاد في وتيرة وهيكل النمو الاقتصادي، وشمل ذلك الحفاظ على معدلات نمو أبطأ وإعادة التوازن من الاستثمار إلى الاستهلاك.

ولكن، في حين أن السنوات الأخيرة شهدت بعض الزيادة في الأجور، بشكل جزئي نتيجة لنضالات العمال، فإن زيادة الأجور بنسبة كبيرة تسببت للطبقة الحاكمة في صعوبات هائلة. وانخفضت حصة الصادرات كنسبة من الناتج المحلي من حوالي 39.1% عام 2006 إلى حوالي 26.1% عام 2013، لكن ظل نموذج النمو الصيني معتمدًا بشكل كبير على الصادرات إلى الولايات المتحدة وأوروبا.

ولأن الإنتاجية في الصين أقل كثيرًا مما هي عليه في البلدان الرأسمالية المتقدمة، وغيرها من اقتصادات شرق آسيا، فهناك حاجة إلى خفض الأجور للحفاظ على قدرتها التنافسية الدولية. الآن هناك بعض المناطق، مثل جوانجدونج في جنوب شرق البلاد، بالفعل خارج نطاق المنافسة. وحيث أصبحت العاصمة الصينية أكثر اندماجًا مع الاقتصاد العالمي من أي وقت مضى، فإن مسألة القدرة التنافسية تظل مشكلة تؤرق حكام الصين.
التوسع الاقتصادي الخارجي
بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر للصين في أوروبا حوالي 6.1 مليار جنيه استرليني، وبحلول 2012 ازداد إلى حوالي أربعة أضعاف ليصبح 27 مليار جنيه استرليني تقريبًا.

أما منطقة البلقان ووسط وشرق أوروبا، فهي بمثابة “نقطة انطلاق” للاقتصادات الرأسمالية الأساسية للاتحاد الأوروبي. حيث فتحت الويلات الناجمة عن تداعيات أزمة 2007 – 2008، من ضعفٍ في البنية التحتية وخصخصة وتقليص الإنفاق العام، فرصًا جديدة في هذه البلدان. وأصبح الوجود المتزايد للاستثمارات الصينية في هذه المناطق رسميًا، بعد توقيع اتفاقية عام 2012 في بكين بين وزارة الخارجية الصينية ودول ما بعد الشيوعية داخل أوروبا أو على أطرافها.

واشتملت الاتفاقية على خط ائتماني خاص يقدّر بحوالي 10 مليار دولار، وإنشاء صندوق للتعاون الاستثماري، والعمل على زيادة التبادل التجاري. ودُعمت تلك الاتفاقية بسلسلة من الاتفاقيات بين الصين والحكومات كلٍ على حدا، مثل الشراكة الصينية – الصربية في عام 2009. وأكد رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، وهو الآن رئيس حزب فيديسز اليميني، على أهمية الشرق قائلًا: “بالرغم من أن السفينة المجرية تبحر في المياه الغربية، إلا أن الرياح تهب من الشرق”، والمكسب هو الدخول إلى الاقتصادات الأساسية لأوروبا الشرقية، في محاولة للحاق بأعلى سلسلة القيمة العالمية، والولوج إلى سوقٍ للبنية التحتية جديد ومربح.

الآن تمتلك شركة كوسكو، وهي شركة شحن حكومية صينية، جزئيًا محطة MSR، بميناء بيرايوس اليوناني، وهي نقطة الدخول الرئيسية للسلع الصينية إلى أوروبا. ويتطلب الحفاظ على تنافسية الواردات خفض تكاليف الشحن لتعويض ارتفاع التكاليف في الصين. ويمكن أن تبحر الصادرات الصينية عبر قناة السويس مباشرة إلى اليونان، ثم تشحن في القطار لتشق طريقها عبر بلدان أوروبا الوسطى والشرقية وصولاً إلى قلب أوروبا، وهذا سيحد أيضًا من وقت العبور، ليستغرق من 30 إلى 20 يومًا تقريبًا.

في نوفمبر 2013، وقعت كل من الصين وصربيا والمجر مذكرة تفاهم لبناء خط سكة حديدية مجري – صربي فائق السرعة، يربط بين بلجراد وبودابست، لتسهيل نقل الصادرات الصينية من الموانئ اليونانية إلى الأسواق الأوروبية. ومن المقرر أن يبدأ العمل في عام 2015، وسيموَّل المشروع بقروض من بنك الاستيراد والتصدير الصيني، وستنفذه شركة السكك الحديدية والكباري الحكومية الصينية. وهذا يدل على تطلعات جديدة من جانب الدولة الصينية. ومع ذلك، في حين نمت الاستثمارات الأجنبية الصينية في أوروبا بشكل مطرد، إلا أنها لا تزال تمثل نسبة صغيرة.

اضطرابات داخلية
ألقى النمو السريع للصين بالملايين من البشر بين براثن أكثر أشكال الفقر توحشًا، كما أدى الفساد المستشري، والتراكم المتزايد للثروة في جانب واحد، والاستيلاء على الأراضي والاستهلاك المجنون من أولئك الذين راكموا الثروات، إلى تأجج حالة الاستياء والغضب. هناك أيضًا فجوة هائلة بين سكان المناطق الريفية والحضرية، وبين سكان المناطق الساحلية والمناطق النائية.

في عام 2010، ضربت موجة من الإضرابات الشركات متعددة الجنسيات العاملة في جنوب الصين، حيث نجح العمال في الحصول على زيادة كبيرة في الأجور. وفي عام 2011، أصبح العمال المهاجرون هم مصدر القلاقل الاجتماعية، وعكست الاحتجاجات الضخمة مدى الغضب المتراكم الذي كان يعتمل في نفوس هذه الفئة من العمال، والتي هي الأكثر استغلالاً على الإطلاق.

في ذلك الوقت هزت جوانجدونج، وهي المعقل الصيني الجنوبي الذي يحتكر ما يقرب من ثلث الصادرات، احتجاجات حاشدة وعنيفة. واندلعت المعارك في أماكن أخرى، مثل زنج تشنج، حيث وقعت أعمال عنف ومعارك بالشوارع على مدى ثلاثة أيام. هاجم أكثر من 10 آلاف شخص مقرات الشرطة، وأحرقوا العربات المدرعة، وردت الشرطة بنشر أكثر من 6 آلاف شرطي للسيطرة على الوضع.

وعلى مدار الـ 30 عامًا الماضية، كان هذا النمو الاقتصادي الهائل يدفعه التوسع الحضري السريع والإمدادت اللانهائية من العمال رخيصي الثمن من المهاجرين من الريف إلى المدن. وتشير التقارير إلى أنه بحلول عام 2010، هاجر نحو 200 مليون شخص إلى المناطق الحضرية، سواءًا كانت هجرة رسمية أو غير رسمية، للعمل في المصانع ومواقع البناء والمطاعم. ونتج عن هذا الوضع ظهور مجموعة كبيرة من البشر ليس لهم حقوق تقريبًا، ويفتقرون إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية داخل المدن التي ساهموا في إنشائها.

وساعد نظام تسجيل السكان اللعين (نظام هوكو) على عزل العمال في المناطق الحضرية والريفية، ليس جغرافيًا وحسب، وإنما من حيث حصولهم على حقوقهم السياسية وحقهم في الصحة والتعليم والإسكان والضمان الاجتماعي. وهذا يعني أن العمال المهاجرين من غير الحاصلين على إقامة في المدن الكبيرة يعانون من نفس وضعية المهاجرين غير الشرعيين ويخضعون لنفس الانتهاكات والاستغلال.

ومؤخرًا، بحثت “نشرة العمل الصينية” في الأسباب التي أدت إلى إندلاع الاحتجاجات العمالية بين عامي 2010 و 2013، والتي تتلخص في التسريح والإغلاق، أو الاندماج. بشكل جزئي، كان هذا نتيجة لفقدان الصين سمتها المميزة وهي الأجور المنخضة، في بعض المناطق على الأقل. فبعد زيادة أجور عمال المصانع بنحو 50% في الفترة من 2010 وحتى 2013، بحثت الشركات التي تعتمد على أعداد كبيرة من العمال رخيصي الثمن، مثل شركات الملابس والأحذية ولعب الأطفال، عن أماكن داخلية أرخص، أو انتقلت إلى البلدان النامية الصغيرة الأرخص سعرًا مثل بنجلاديش وكمبوديا.

وفي الفترة من 2011 وحتى 2013، سجلت “نشرة العمل الصينية” حوالي 1171 إضراب واحتجاج عمالي في جميع أنحاء البلاد. معظم تلك الإضرابات كانت في قلب المنطقة الصناعية في جوانجدونج، وتمثلت المطالب الرئيسية في التعويض عن البطالة وزيادة الأجور وصرف المتأخر منها. لكن، كانت هناك إضرابات أيضًا خارج المصانع، ففي نفس الفترة كان هناك حوالي 306 إضراب لعمال النقل، و69 إضراب للمعلمين، وسلسلة من الإضرابات لعمال النقل الصحي في جوانتجتشو وما حولها، كل هذه الإضرابات أجبرت الحكومة على تحسين ظروف العمل وزيادة الأجور. ووفقًا لنفس النشرة، كان “العمال يهزمون الفقر، يتخلصون من الفردية ويناضلون بوصفهم مجموعة موحدة نشطة وديناميكية وقادرة على التحرك لمساعدة نفسها”.

في نهاية عام 2014، أشار كل من لاري إليوت وانجيلا موناجان، في تصريحٍ لهما لصحيفة الجارديان البريطانية، إلى أن الصين تُعتبر عنصرًا حاسمًا في أداء الاقتصاد العالمي. ومن شأن التباطؤ أن يؤثر على الصادرات الأوروبية لها، سيؤثر على دول مثل ألمانيا، التي تبيعها أدوات التوسع الصناعي، أو أستراليا التي توفر المواد الخام اللازمة لنموها. والآن تتهاوى أسعار السلع القادمة من الصين، وإذا استمر هذا الوضع فإنه سيؤدي إلى تضخم في منطقة اليورو، مع كل ما ينطوي عليه هذا الوضع من مخاطر. وفي الوقت نفسه، تزايد ثقة العمال في أنفسهم وتنامي وتأجج الغضب يواصلان الضغط على الطبقة العاملة الصينية من الداخل.


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة