جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الطائفيّة مرض المشرق العربي المدمّر

عبر التاريخ يمكن اعتبار الشرق العربي موئل الطائفية، تشكل مرضها الفتاك المدمر الذي ميز تاريخ المنطقة السياسي والاجتماعي و النشاط المعرفي، ابتداء من الامويين والعباسيين من بغداد و البويهيين المسيطريين على قلب الدولة زمن العباسيين، و استقدام السلاجقة من وراء النهر، وطبيعة العلاقة بين بغداد و الدولة الفاطمية في القاهرة و النزاريين الحشاشين في الشام، منذ ذلك الزمن والشرق وتحديدا بلاد مابين النهرين والشام ممزق. الطائفية مفهوما ، هي تعصب لطائفة أو جماعة ذات مذهب معين. تفرض وضعا إجتماعيا سياسيا قائما على التركيب الطائفي و في هذا الإطار الفكري يرى عالم الاجتماع “ماكس فيبر” أن الطائفة، هي:” مجموعة من المؤمنين بمباديء معينة ذات عضوية اختيارية او تعاقدية”. خطورة المفهوم تكمن في كونها تدعي الحقيقة المطلقة و تعمل من اجل وأْد الرأي الآخرونفيه، ومن هنا يجيئ منافاتها لمباديء الوطن والمواطنة والدولة الوطنية، إذ انها ذات طبيعة إقصائية، تعتمد سلوكا متعصبا تجاه المجموعات الأخرى، و تقف خلف الاندثار و التخلف الحضاري..
الطائفية والتدين:
عكس ما يتبادر الى الاذهان، فان الطّائفية لا ترمز الى التدين، فهو ليس منهجا للسير الى الله و جعل المرء الطائفي اكثر قرباً منه، لاتتوفر على سلوك ورياضات روحية لتهذيب النفس و تصفية الروح و تنقية القلب، بل ان جعل القلب ملآن بالكره و الحقد هو من موجبات الالتزام الطائفي، ان كثيراً ممن يتقاتلون من اجل الطائفة من منظورهم متساهلون الى حدِّ اتخاذ موقف اللامبالاة و الترك إزاء الواجبات الدينية الاساسية، مكتفيين بالمظاهر التي تعبر عن الولاء السياسي في صورة رموز و ممارسات محددة، فهو الاطار السياسي الجامع بغلاف ديني، أسير عقلية تاريخية انتجت التنابز والتنابذ مع الآخرين…
تجليات الطائفية:
لايمكن حصر كل تجلياتها التي لم تأتِ سوى بالخراب و الدّمار، وهنا نكتفي بما هو ممكن في الحيِّز المحدود: أولاً: تجسد المفهوم وتطور إلى امتلاك ميليشيات عسكرية ارهابية خارج المؤسسات الرسمية للدولة، تقوم على فتاوى دينية من  مراجع خارجية و علماء الطائفة، وكل ما ميّز التاريخ الشرقي العربي من حروب، يعود في الجزء الكبير منه الى الطائفية التي عرقلت الحركة العلمية النشطة .. في بعض الحالات تتجاوزالطائفية الوضع الفكري الاجتماعي لتتحول الى نظام سياسي للحكم بين جماعات مختلفة الدين والمذهب كما هو الحال في لبنان وإيران، أو تأسيس أطر سياسية منغلقة منكفئة على الذات، كما هو الحال في العراق بحجة منع هيمنة مكون ديني مذهبي على الآخرين. في المقابل تبدو وحدة الجماعة نقيضا موضوعيا حقيقيا لبمبدأ يقوم على الوحدة بين كل الطوائف و عدم التعصب لطائفة ضد اخرى. فمن بدائه الامور ان يكون لكلّ فرد الحرية في ان يؤمن بما يشاء من افكار و دين، وان ينتمي الى الطائفة التي يحمل معتقداتها، سواء اكان ذلك داخل الدين الواحد او بين أديان مختلفة، هو حرّ في ما يذهب اليه، لكن المحذور هو ان يكون التصفية نظريا مقدمة للتصفية الجسدية وجعل ذلك معيارا لمناصبة العداء، يتفاقم الامر عندما تمتلك الطائفة أدوات اسباب الشوكة والدولة الخشنة القاسية، تخدش الاجسام والعقول بعنف، و تستند إلى مقاييسها الفكرية الذاتية في ترتيب الشأن العام بدل الوطن او الدولة الوطنية، فعلى حد تعبير استاذ التاريخ المصري ( يونان لبيب): “الوطن نقيض الطائفية، وعندما يسود النظام الطائفي يغيب الوطن وعندما يفرض هذا الوطن نفسه تتوارى الطائفية”.و لتشريح الظاهرة يتوزع هذا السم القاتل على ثلاث مستويات، وهي مستوى الدولة والوطن و المستوى الاجتماعي.اي داخل ألأمة الواحدة او في العلاقات بين الدول. على مستوى الدولة: تتكون الدولة و اجهزتها في ظل النظام الطائفي من تقسيمات مجتمعية مذهبية بالتوازى مع تقسيماتها الادارية، اي ان كل مؤسسة في الدولة تم النص عليها و تخصيصها لفئة محددة من الشعب، حتى لو كان في الفئة الاخرى من هو اكثر كفاءةً و كانت الدولة تتقدم اكثر بوجوده، فان التقسيم الطائفي يقف حجر عثرة في الطريق، ومن جانب التقبل الفكري او التعدد الثقافي ترى الدستور قد نص على مذهب او رأي فقهي محدد للدولة، من دون ان يعطي الحق الكامل لمن يذهب باتجاه آخر في التفكير او المعتقد، فطائفية الدولة تظهر آثارها في جانبيين، جانب التنصيص الفكري ومضايقة الفكر الآخر، وجانب التوظيف والتولية. ففي لبنان، الطائفية منصوص عليها في الدستور عبر التقسيمات الادارية وحتى الرتب العسكرية نوعا ما، وبحكم القانون، لايجوز للسنة مثلا تولي منصب رئاسة الدولة لانها من حصّة المسيحيين، ولايجوز للشيعة رئاسة الحكومة لانها من حصة السنّة، و يُمنع المسيحيون من تولي رئاستي الحكومة أو البرلمان لانهما مخصصتان للسنة والشيعة، وكذلك قيادة الجيش، بينما في العراق لم ينصّ الدستور ، صراحة، على تقسيمات وفق الطائفة. لكنه ينص تنبيها في المادة التاسعة بشكل واضح على ضرورة حفظ التوازن في مؤسسات الدولة بين المحافظات، و منها الرسمية العسكرية، اي ان الحكومة مكلفة بأن تقبل في أكاديمية الشرطة مثلا او الكلية الحربية عددا معينا من المحافظة الفلانية التي هي سنيّة المذهب ، و عدد معيّنا من المحافظة الفلانية لانها شيعية، و نسبة 17% للجانب الكردي،وهو ما يمحو الكفاءة عسكريا او مهنيا، ما يؤثر حتما في الأداء النوعي و الكمي في كثير من الاحيان. لم ينص الدستور العراقي على تخصيص رئاسة الحكومة للشيعة او الجمهورية للكرد او البرلمان للسنة، لكن العرف و البداية التي رسمتها الولايات المتحدة الامريكية عند دخولها العراق منذ عام 2003 و كذلك التدخلات الايرانية و التسويات التي جرت بينه وبين الامريكيين، كل ذلك جعل الشيعة على رأس الحكومة عُرفا سياسياً، حتى لو جاءت نتيجة الانتخابات مخالفة لذلك، ورغم ان الدستور العراقي ينص على ان الكتلة الفائزة في الانتخابات التشريعية تشكّل الحكومة، لكن تجربة انتخابات عام 2010 التي فازت فيها القائمة العراقية بزعامة الشيعي الليبرالي اياد علاوى، تجاوزت في تكوينها التقسيم الطائفي و الإثني، انتهت ، بحرمان الفائز من حقه الدستوري، لان تولي الحكومة من جانب شخص لاينتمي الى الطائفة الشيعية بالمعنى المذهبي، محرم في الذهنية الشيعية العراقية و الايرانية على حد سَواء، ومن هنا كان تاويل المحكمة الاتحادية بان المقصود هو الكتلة الاكبر داخل البرلمان، وليس الفائز في الانتخابات من بين القوائم المتنافسة، فجيء بالمالكي و أقصي اياد علاوي حتى من رئاسة الجمهورية. روحية الاساس الطائفي في بناء الدولة تفشت كمرض و نزلت الى اصغر دائرة من دوائر الدولة، في البرلمان العراقي مثلا، تتكون الرئاسة من ثلاثة اشخاص، الرئيس عربي سني، النائب الاول عربي شيعي، النائب الثاني كردي، و القرار يتخذ بالاجماع، بل حتى في التوظيف في الدرجات الدنيا، فاذا كان من حصة البرلمان او المؤسسة الفلانية 100 درجة وظيفية للسنة المالية 2016 ، فان العدد مقسم بالأرقام بين المكونات الثلاثة للهيئة الرئاسية، وإن كل عضو من الرئيس و نائبيْه ، لهم الحق فقط على من يوظفون من طائفتهم و الاخرين لايمتلكان غير الموافقة، هذا غير منصوص عليه في الدستور لكن جرى التوافق حوله، وسارت الامور على تلك الوتيرة منذ 12 عاما. و في داخل كل طائفة يبرز الولاء الحزبي و الفكري واحياناً اختيار الرأي الفقهي. وهذا في الجيش ايضاً، والحق ان هذا الامر بدأ منذ تشكيل اول فرقة لما كان يسمّى بالحرس الوطني حينما كان الحاكم الامريكي “بول بريمر” على العراق، الذي يقول في مذكراته، انه عندما اراد تشكيل اول قوة شرطة وطنية ذهب الى ابراهيم الجعفري-وزير الخارجية الحالي- واخبره بذلك فسأله الجعفري ومن يكون قائد هذه الفرقة ؟ يقول بريمر أجبته انه سوف يكون شيعياً، فهز الجعفري رأسه موافقاً. منذ ذلك الوقت حُلّ الجيش السابق ولم تتمكن القوات العسكرية العراقية ان تكون مؤسسة وطنية، بل كانت البصمة الطائفية ومازالت واضحة. في هذا الصدد تقول ( فلورانس غاوب) المحللة في معهد الاتحاد الاوروبي للدراسات الأمنية: ( إن الفرقة الثامنة ذات الاكثرية الشيعية تتأثر بحزب الدعوة للمالكي، والفرقة الرابعة عشر بالاتحاد الوطني الكوردستاني ، و الفرقة السابعة بسنة العراق، والفرقة الخامسة بالمجلس الاسلامي الاعلى)، والذين ينكرون هذا يرون في انفسهم الوطن وليس في غيرهم، يقول عقيد في الجيش حتى أننا رأينا ضباطاً سنة يتظاهرون بانهم شيعة كي لايفقدوا وظائفهم. على مستوى الوطن: في ايران ينص الدّستور على مبادئ تشعر الاخرين غير الشيعة بدرجة أدنى من مواطنه الشيعي الاثني العشري في المواطنة، دين الدولة قُلص من الاسلام الواسع الى المذهب الجعفري الإمامي الاثني عشري، بمعنى ليس الاسلام في مداه الواسع، ولا الشيعة كمذهب بل من الاسلام الى التشيع الى الإمامية، وقد ترتب على هذا الاتجاه اقصاء اصحاب المذهب السني و الديني الاخر من تقلّد مناصب عليا محددة في الدولة، على نقيض المواطنة، فليس من حق الإيراني غير الشيعي تولي منصب رئاسة الدولة، الكردي و السني او اليهودي ليس له ان يحلم بذلك، و لهذا منذ مجيء النظام الحالي الديني الى الحكم، لم يستلم السنة و الاكراد مناصب عليا في الدولة كالوزير او السفير او قيادة الجيش، و الفقه الدستوري الذي يحكم شروط المرشحين هو مؤطر بالفقه الشيعي الجعفري الاثني عشري، و هذا الاتجاه يشكل اساسا متينا في رسم السياسات الخارجية للدولة الايرانية. وفي العراق ومنذ أكثر من عقد من الزمن، يتركز الخطاب السياسي في مجمله على ولاءات جهوية مذهبية بدل الوطن، بل ان التشكيلات السياسية محصورة داخل الطائفة او القوم.الإتكاء على الولاء المذهبي يشكل احد المرتكزات الرئيسة في الخطاب الجماهيري للاحزاب العراقية ولهذا فان الناخب العراقي لن يختار في اطار الوطن بل في إطار المذهب، أي أن الشيعي يختار من بين المرشحين الشيعة و السنة كذلك، و الكرد في الإطار القومي، وأي حزب حاول تجاوز الدائرة الجماهيرية الشعبية الطائفية ينتكس، للتاريخ في انتخابات عام 2010 رشح المجلس الاسلامي الاعلى الشيعي من يمثله في الانتخابات البرلمانية في محافظة السليمانية الكردية التي يبلغ عدد من يحق له التصويت أكثر من 700 الف، لكن المرشح لم يحصل سوى على بضع عشرات من الاصوات. و في العلاقات الخارجية كذلك، فكل كيان سياسي يربطه علاقة مع الدولة التي يرى فيها العون، العلاقات السياسية الدبلوماسية لم تتوقف على ما ترسمها الدولة، بل الحزب له من العلاقات الخاصة ما تتجاوز و تتناقض مع المصلحة العامة للدولة في مرحلة من المراحل.. على مستوى المجتمع: الحق يقال انه في العراق على خلاف الكثير من الاحداث، ان ورقة الطائفية او الحس الطائفي لم يبدأ من الشعب لكي يبرر القادة مواقفهم بانها تلبية لطلب الجماهير، بل ان النزعة الطائفية نزلت من القيادة الى القاعدة وليس العكس، وان الماكينة الاعلامية و المنابر الوعظية هي التي أسست لهذه الروح بحثا عن المصلحة السياسية، فبدأ التمزق الاجتماعي الشعبي بتخطيط و أوامر من فوق. وأول حادثة شعبية جسدت الاتجاه الذي وصل اليه الحال من اقتتال طائفي في العراق كمثال، كان في جامعة المستنصرية في بغداد سنة 2004، حيث تخاصم طالبان وحدث عراك بالايدي وتبادل الشتائم، ولو بقي الامر في هذا الحد لكان سهلا، بل ان الحشد و اللعب بالورقة السياسية الطائفية سرعان ما انتج عنفا طائفياً، شكلت القوات الحكومية جزأً اساسيا منه، عنف طرفاه ميليشات مسلحة من الجانبين، عنف الاقصاء و التهميش داخل دوائر الدولة، وعنف مميت، يشكل تفجير وتدمير المساجد والأضرحة وجها كالحاً من وجوهه.وكان تنظيم القاعدة سببا و لاعبا في تأجيج هذه النار.ان الروح الطائفية لم تتوقف او تتأثر بما يجري داخل البلد فحسب بل تجاوزته الى دول جوار اخرى. خاتمة : أناخت الطائفية بكلكلها على المشهد العربي المشرقي و جعلت طيفا من العراقيين، على سبيل المثال، يصطنعون عدة بطاقات وطنية شخصية، كل بطاقة باسم محدد، عند اي منطقة يرومون دخولها في العاصمة بغداد بالهوية التي تتناسب مع معتقدات و أهواء تلك المنطقة. وفي ندوة عقدت في المقرّ الأوروبي للأمم المتحدة بجنيف، اعتبر الخطر الحقيقي للطائفية في أذرعها المسلحة، ليبقى لها سطوة القادح الاساسي لمعظم المظاهر والجماعات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ونشاطاتها التي انبرت تتمدد في العالم وكان للشّرق النّصيب الاوفر منها. . الكاتب : شيرَوان الشّمِيراني  - بالتعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة