جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
التحدي الصيني: نظرة من واشنطن

ورد في كلام للرئيس الأميركي دونالد ترامب، كما في مضمون زيارة مستشاره للأمن الوطني جون بولتون لموسكو، أن الولايات المتحدة تعتزم الانسحاب من اتفاقية الحد من السلاح النووي المتوسط المدى. وفي حين أن هذه الاتفاقية الثنائية، والتي أبرمت في الفصل الأخير من الحرب الباردة في أواخر الثمانينات، لا تلزم إلا الولايات المتحدة والاتحاد الروسي، بعد الاتحاد السوفياتي، فإن المقصود بالخطوة الأميركية، على ما أثارته من استياء في موسكو ومعظم العواصم الأوروبية، قد لا يكون روسيا، بل الصين، في مجالها الحيوي بين المحيطين الهندي والهادىء. الصورة الغالبة أميركياً حول الصين، بخلفيتها ومآلاتها، هي أنها القوة العالمية الاقتصادية الصاعدة، والتي توازي للتوّ في حجم اقتصادها الفعلي الولايات المتحدة، فيما هي مرشّحة لأن تتبوأ موقعها في الصدارة العالمية، بفضل جهود داخلية جبارة ومثابرة على التدرج نحو تعزيز قدراتها العلمية والاقتصادية. القرن الحادي والعشرون، وفق النظرة الإيجابية، هو الذي يشهد اليقظة الصينية نحو الارتقاء والتفوق بعد طول انتظار، وسواء اتسم عالم الغد بالتعددية القطبية أو بمجرد الثنائية، فإن الصين سوف تكون حاضرة وعن جدارة. ليست هذه هي الصورة التي يراها قطاع واسع من السياسيين والمفكرين المحافظين في العاصمة الأميركية واشنطن. لا حتمية، من وجهة نظرهم، لهذا الارتقاء المفترض، ولا تدرّج بفعل دورة انتاجية ذاتية. فالقراءة الفجة هنا هي أن الصين لم تتقدم بفعل جهودها هي، بل نتيجة لجشع الشركات المتعددة الجنسية، وجلّها من الولايات المتحدة، والتي دخلت في صفقات تحقق لها الربح الآني المرتفع، من خلال نقل التصنيع برمّته إلى الصين، بما يختصر كلفة الإنتاج ويرفع العائدية. فهذه الشركات، ومؤسسات الضغط والتأثير التابعة لها في واشنطن، اجتهدت في الدفاع عن المصالح الصينية، من باب الحرص على حصتها هي طبعاً، فأمّنت للصين امتيازات وإعفاءات بل ودعماً مباشراً، وحصدت من جهودها هذه المزيد من الدخل (كما تمكنت من تخفيض أسعار السلع والخدمات لجمهورها، ما استرضاه ووضعه في أكثر من موقع في صفها). الصين وهذه الشركات بالتالي تقاسمت الفائض. حصة الشركات كانت المزيد من الكسب والإثراء، أما حصة الصين فأعيد تجييرها لتحسين البنى والإنشاءات داخلياً، ولتعزيز السلطة المركزية وأجهزتها، ولإثراء شريحة من المتمكنين. فالمعادلة القائمة هي أن الغرب عموماً والولايات المتحدة بخاصة تستهلك وتدفع، والشركات تصمّم وتربح، والصين تصنّع وتجمع. هي صفقة ومقايضة في نظر البعض، ولكنها استنزاف واستغلال في نظر المحافظين ومنهم من هو في موقع التأثير والقرار اليوم. طمع الشركات المتعددة الجنسية واكبه، وفق هذه القراءة من واشنطن، جشع وتوق إلى المزيد في الصين، يتجاوز القواعد المتوافق عليها، أو يعمل على تطويعها وإعادة صياغتها خلسة وجهاراً. فالصين تمكنت من تحصين مجرى تدفق رأس المال، ليكون باتجاهها، وجنّبت عملتها القيود، وفرضت على الشركات الشروط، واستحصلت منها على الخبرات. والأهم أنها هي أيضاً استفادت من هذا الترتيب الذي يدرّ عليها الدخل المرتفع للشروع بعملية تحديث واسعة النطاق لقواتها العسكرية وقدراتها التقنية. فعلى سبيل المثال، بعد أن كان فن صناعة حاملات الطائرات حكراً بالفعل على الولايات المتحدة، جاءت الصين لتعلن إطلاق حاملاتها. بل تكرر الكلام عن برنامج فضائي يحاكي أمجاد البرنامج الأميركي، بما في ذلك رواد فضاء يستعدون للهبوط على القمر، ومسبارات تتجه إلى الكواكب وأعماق الفضاء. القناعة الراسخة في واشنطن أن كل هذا التقدم التقني ما كان ليصبح إمكانية حقيقية لولا أن الصين أرغمت الشركات الأميركية على تسليم خبراتها المتطورة كشرط للتعاقد، إضافة إلى مسعاها الصريح إلى اغتراف العلوم والمعارف الأميركية، سواء عبر الاندفاع إلى الجامعات في الولايات المتحدة، أو من خلال الحالات الكثيرة التي انكشف فيها تورطها بالتجسس. فالسائد، إلى ما قبل هذه القراءة، كان تصوير الواقع على أنه منافسة بين عملاقين اقتصاديين علميين، لأحدهما، أي الولايات المتحدة، أفضلية عائدة إلى الثروة الحالية والتاريخ، وللآخر أي الصين، أفضلية مبنية على العزم والحجم السكاني، والذي يفوق بأربعة أضعاف الولايات المتحدة، وعلى الطاقة والمستقبل. ليس الأمر كذلك من وجهة النظر المحافظة في واشنطن. بل هو عملاق علمي واقتصادي حقيقي، أي الولايات المتحدة، وترتيب طفيلي استنزافي لتنشئة عملاق آخر، هو الصين. إلى اليوم، لا تكافؤ بين الولايات المتحدة والصين من حيث القوة العسكرية. وعلى رغم ذلك فإن الصين تبدو عدائية وقطعية وغير مستعدة للتفاوض والمساومة بكل ما تنسبه إلى نفسها. المسألة لا تتوقف عند تايوان، والتي سلّمت واشنطن بالسيادة الصينية عليها، بل تتسع لتشمل مواقع وحدوداً بحرية يختلف عليها بين الصين والفيليبين وفييتنام، بل وجزرا اصطناعية تقيمها الصين في المياه الدولية. وفيما الصين تمضي قدماً في المسعى الحثيث لتطوير الصواريخ المتوسطة المدى الخارقة السرعة والقادرة على حمل الرؤوس النووية، فإن الولايات المتحدة، بحكم الاتفاقية مع روسيا، غير قادرة على إنتاج ما هو مقابل ونشره. فالمسألة من وجهة نظر هؤلاء المحافظين في واشنطن هي أن الولايات المتحدة، بفعل جشع شركاتها وغفلة مواطنيها وبلادة حكوماتها، تنشئ في الصين خصماً يتعاظم قوة ويزداد جسارة. فلها إما أن تتجاهل هذا الواقع إلى حين فوات الأوان، أو أن تعمد على الفور إلى التصدي له. والمطلوب ليس اعتداء على الصين لنجاحها المفترض في التقدم وصولاً إلى منافسة الولايات المتحدة، بل منع الصين من استغلال الانفتاح الأميركي لاستجماع المقومات التي تحتاجها لتحدي الولايات المتحدة والإضرار بمصالحها. أما الرد على هذا الواقع، فيبتدئ بما ينسجم مع الأفق التجاري لدونالد ترامب، والذي لا يروقه البتة الاختلال في ميزان التبادل بين البلدين. ولكن الأمر لا يتوقف هنا. فلا بد من لجم الصين وتطويقها ومنعها من الانتقال بقدرتها على التحدي من الشأن الاقتصادي إلى المجال العسكري. فالانسحاب من الاتفاقية مع موسكو هو خطوة أولى في هذا السياق، على أن تتضح الخطوات التالية وفق نتائج الحرب التجارية، والمرشحة أن تصبح حرباً اقتصادية مفتوحة. أما كيف تتجاوب الصين، هذا المارد الذي يستفيق بالفعل، على مفاجأة تبدّل القواعد التي استفاد منها على مدى العقود الماضية، فمسألة غير واضحة ولا محسومة. المؤكد وحسب، من وجهة النظر المحافظة في واشنطن، أن المواجهة في مطلعها، وأن من الخير، وفق ما يؤكدون، أن يكون الطرف المفاجأ فيها الصين، لا الولايات المتحدة نفسها<الكاتب : حسن منيمنة


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة