جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
ظلال الإسلام على الأدب الروسي

لعب الأدب دائما دورا جوهريا في تعارف الثقافات العربية الإسلامية والروسية الأرثوذكسية. ومع أن هناك الكثير من الدراسات بالروسية والعربية، التي تكشف عن عمق وروحية تلك الشراكة، غير أن الموضوع يتطلب وجود عمل شامل يعمم نتائج ذلك التفاعل، ويوضح تلك الشراكة بكل أبعادها. ويكون تفاعل الحضارات والثقافات مجالا لمعرفة الذات وإنمائها، وجسرا لتشكيل صورة واقعية عن الآخر، وللمجالات السياسية والتبادلات النفعية الاقتصادية والتجارية وخلق المصالح المشتركة. كان جفريل ديرجافين (1741 ـ 1816) وهو أعظم الشعراء الروس قبل الكسندر بوشكين ورجل دولة مرموق، وأول من تحدث باحترام وتقدير بالغ عن الإسلام، وافتخر بكونه منحدراً من عائلة ميرزا (أمير) باجريم التي عاشت في كنف «الأورطة الذهبية» وأمضى طفولته في مدينة قازان عاصمة تترستان في يومنا الحالي. وقد تسربل كل حنينه وشوقه لإمارة قازان في العبارة المشهورة عنه « تسرنا حلاوة الوطن والدخان». أخذ الشعراء الروس الآخرون يمعنون التفكير بقصائدهم في موضوع: الأواصر التي تقرب بين المسلم والمسيحي والخليفة ورعيته. وراحوا يترجمون كلاسيكيي الشرق ومؤلفات شعراء أوروبا الذين ولعوا بالشرق. ومن بين الأعمال الشعرية الروسية في مرحلة ازدهار الاتجاه العاطفي في الأدب في نهاية القرن الثامن عشر، التي تميزت بأصالتها رواية بافل كاتينين الشعرية «عش الحمامة» وهو الذي تغنى بها في زمن ظهور الإسلام وقيمَ انتشار الدين الجديد بين العرب على أنه خير للبشر. وكان من شعراء مرحلة ما قبل بوشكين الذين تناولوا موضوع الإسلام، جريبيدوف وفيازيمنسكي ومورافيوف. وجرى تعرف الأوروبيين على الإسلام في بداية القرن التاسع عشر، من خلال دراسات المستشرقين. ومع اتساع الاحتكاك والشراكة بين الحضارتين ألهمت الحضارة الإسلامية في ما بعد الشعراء والمفكرين الذين كان من بينهم شاعر روسيا الكسندر بوشكين. فعكس في رواياته الشعرية «نافورة باختشي سراي» و«أسير القفقاز» جزئيا احتكاكه المباشر بمعيشة ونمط حياة الشعوب المسلمة في جنوب روسيا. وتناول في قصيدة «تازيت» الطويلة تقاليد أخذ الثأر عند الشيشان، حيث تتضافر مواضيع العادات المتوارثة وتناقضها مع الإسلام. ولا يمكن إلا الاتفاق مع مؤلف كتاب «الإسلام في الأدب الروسي» على تجاور الشيشاني ذي الروح المحاربة مع الجمال الآسر والرحمة والإحسان. وتُعد مثابة قمة موضوعات الإسلام لدى بوشكين القصائد التي اطلق عليها اسم «من وحي القرآن «أو تترجم أحيانا «مقتبسات من القرآن» وهي التي ظهرت لها ترجمات عديدة باللغة العربية، وظهرت عنها دراسة وافية في كتاب مكارم الغمري تحت عنوان «مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي». ولم يبتعد أحد الباحثين الروس في الموضوع عن الحقيقة، حينما أشار إلى أن قراءة تلك القصائد تترك انطباعا قويا لدى القارئ بأن بوشكين يلوح وكأنه شاعر إسلامي يُمَجد عقيدته. وكتب الشاعر والناقد الكسندر بيستوجيف ـ مارلينسكي (1797 ـ 1837 ) وهو من المشاركين في حركة ديسمبر/كانون الأول التي حاولت إسقاط القيصر في 1825، عن حياة المسلمين روايته «آللمات ـ بيك». وكتب الكسندر بوليجايف (1805 – 1838) قصائد «الحريم» و«السلطان» وغيرها. وغدت صورة الشرق الإسلامي بجماله السحري مصدرا لكثير من أعمال الشاعر ميخائيل ليرمنتوف (1814ـ 1841) صاحب رواية «بطل من ذلك الزمان» التي ترجمها سامي الدروبي للعربية. وتناول الكسي تولستوي موضوع الحتمية، وخلق سبحانه وتعالى للطبيعة في «مقالات القرم». كما رسم الشاعر الروسي نيقولاي نيكراسوف (1821 ـ 1878) في «تورتشانكا» (التركية) صورة حسناء شرقية بديعة. وكتب نيقولاي غوغول (1809 ـ 1852) صاحب النفوس الميتة، الكثير من المواد عن الإسلام، أشاد فيها بشخصية النبي محمد «صلى الله عليه وسلم». وأبدى جوجل اهتماما كبيرا بهندسة الشرق المعمارية التي انطوت على الغابات الناعسة، كما يرى أنها بمجملها تتكون من الزهور. وفي مقالته «المأمون» وصف تاريخي، عبّر به الأديب عن إعجاب منقطع النظير بحكم الخليفة المأمون. وكانت حضارة الإسلام والمسلمين محط اهتمام الفيلسوف والشاعر فلاديمير صولوفيوف (1900 ـ 1953) الذي يعد أحد أوائل الداعين للحوار بين المسيحية والإسلام، وناقش في دراسته «محمد: سيرته، وتعاليمه الدينية» (1896) «مسألة الإسلام»، فجاءت كنوع من الدفاع المسيحي عن الإسلام، وعن كون النبي محمد امتداداً عضوياً توحيدياً «للشجرة الإبراهيمية»، وكانت من موضوعات فلسفته وإبداعاته قضايا الشفاعة في يوم القيامة، والحتمية في الإسلام والجهاد أو الحرب المقدسة. وقدّر الفيلسوف عاليا دور الإسلام والنبي محمد والإسلام في الحضارة البشرية. وقيّم ليف تولستوي (1828 ـ 1910) صاحب روايات «الحرب والسلام» و«آنا كارنينا» عاليا القرآن الكريم والثقافة العربية ودرس العادات والتقاليد الإسلامية وشخصية النبي محمد، وترجم عن الإنكليزية «كتاب حكم النبي محمد» واهتم الأديب تولستوي، خلال مشاركته في الحرب الروسية القفقازية بنمط حياة الشعوب الجبلية المسلمة، وجسدت شخصية رواية حجي ـ مراد الكثير من سمات المسلمين في القفقاز. لقد كف الشرق في بداية القرن العشرين عن أن يكون بالنسبة للأدباء والمفكرين وطن الجنيات والسحر. وهنا تناول الكاتب الروسي الحائز جائزة نوبل، أيفان بونين (1870 ـ 1953 ) موضوعات الإسلام الخالدة. ودرس الأعمال المكرسة للبلدان العربية، وجذبته المنارات وزخارفها والجوامع. وكتب المختصون بسيرته بأنه كان ينظر بإعجاب كبير إلى كبرياء المسلمين وتحديهم للمستعمرين الأوروبيين واعتزازهم بكرامتهم في التعامل مع المحتلين. وكان الشاعر نيكولاي جوميليوف مسحورا أيضا بالرحلات بين الدول العربية. كما انعكست أصداء الشرق في قصائد سيرجي يسينين الرقيقة. وما زال الإسلام محط اهتـــمام الأدباء والمفكرين في روسيا، وتناولته أيضا الأعــــمال السينمائــــية لا سيما فيلم «المسلم» الذي يتحدث عن ذلك الشاب الذي عاد من أفغانستان بعــــد اشتراكه في الحرب هناك ووقوعه في الأسر واعتناقه الإسلام. كما رسمت الكاتبة الروسية جوزيل ياخينا المنحدرة من أصول تترية في روايتها «زُليخة تفتـــح عينيها» الصادرة عام 2015 جــــوانب من حياة المسلمين ونمط حياتهم وعلاقاتهم بدينهم في ظل الدولة السوفييتية


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة