جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
بحر الصين المشتعل

يُعتبر بحر الصين الجنوبي مجالا للأزمة المشتعلة منذ سنوات بين الصين ودول أخرى حوله . يقع هذا المسطح المائي الذى تبلغ مساحته نحو ثلاثة ملايين وخمسمائة ألف كيلو متر مربع في جنوب الصين، وتتنازع عليه مع الصين كل من الفلبين وفيتنام وماليزيا وأندونيسيا وبروناى وتايلاند ولاوس وكمبوديا وسنغافورة، حول حرية الملاحة والصيد وملكيات الجزر، حيث تدّعي الصين ملكية نحو 90 بالمائة من هذه الجزر التي يحتوي محيطها على احتياطيات نفط مؤكّدة تقدّرعلى الأقل ب 7 مليارات برميل نفط، يُضاف إليها أكثر من 800 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، وتشكّل في ما بينها أرخبيلاً به عدد من الممرات البحرية الهامة، خصوصاً الممرات الموجودة في مجموعة جزر "سبراتلي" التي تُعد أهم ما يحتويه بحر الصين الجنوبي. تبلغ مساحة هذه الجزر نحو أربعة كيلو مترات مربعة وتنبع أهميتها الأساسية في أنها تمثل مفتاح ترسيم الحدود الدولية بكامل منطقة شرق آسيا، كما أنها تضم مصائد كبرى للأسماك بجانب غناها بأحتياطيات كبيرة من النفط والغاز، وتحتوي على أهم الممرات التجارية البحرية في شرق آسيا مثل ممر "ملقا" شديد الأهمية والذي يربط المحيط الهادئ بالمحيط الهندي، وتمر منه نحو نصف تجارة الغاز والنفط على مستوى العالم وحوالي 40 بالمائة من حركة نقل البضائع على مستوى العالم. وممر "سوندا" الذي يربط ما بين جنوب شرق آسيا وأستراليا وممر "لومبوك" الذي يربط إندونيسيا بالمحيط الهندي. تعتبر كل من الفلبين وفيتنام واليابان هي الدول الرئيسية في النزاع ضد الصين تدعمها كل من أستراليا والولايات المتحدة، باقي الدول مثل ماليزيا وأندونيسيا وبروناي وتايلاند ولاوس وكمبوديا اتخذت مواقف أقل حدّة، وتمحورت مواقفها حول ضمان حرية الملاحة والتبادل الأقتصاد، عبر ممرات البحر. يمثل بحر الصين الجنوبي بالنسبة للصين مسطحاً إقليمياً مهماً على المستويين العسكري والأقتصادي، نظراً لما يحتويه من ثروات وممرات مائية استراتيجية، خصوصاً أن معظم التبادل التجاري الصيني مع العالم الخارجي يمر من خلال هذا البحر. شهد هذا الملف تحركات ميدانية وعسكرية صينية منذ سبعينيات القرن الماضي، ففي عام 1974 شنّت البحرية الصينية غارات على جزر "باراسيل" التي كانت فيتنام تسيطر عليها، وطردت القوات الفيتنامية منها بعد أن قتلت عشرات من جنودها، وتكررت هذه الغارات عدة مرات خلال الثمانينيات على جزر "سبراتلي" الاستراتيجية لتبسط الصين سيطرتها العسكرية على معظم جزر البحر، ولتبدأ سلسلة من التجاذبات والاحتكاكات العسكرية مع الفلبين وفيتنام وأستراليا والولايات المتحدة، أستمرت حتى الآن. ونظراً لتصاعد التوتر العسكري في المنطقة المحيطة بالبحر، أطلقت البحرية الصينية سلسلة من التدريبات والمناورات البحرية في هذه المنطقة، كما بدأت في تعزيز التعاون البحري مع عدد من الدول مثل روسيا التي نفذّت معها مناورات بحرية في البحر المتوسط، وفرنسا التي زارت إحدى فرقاطاتها ميناء "تشانجيانج" جنوبي الصين للمرة الأولى في تاريخ العلاقات العسكرية بين البلدين، وسنغافورة التي تعتبر ضمن الدول المتنازعة مع الصين في هذا الملف، قامت الصين للمرة الأولى بأرسال فرقاطة صاروخية تابعة لها "يولينا" في أيار/ مايو الماضي للمشاركة في تدريبات "ايميديكس آسيا 2015" البحرية. على المستوى الميداني تنفّذ البحرية الصينية دوريات في منطقة البحر الجنوبي، وتنفّذ اعتراضات واقتحامات بحرية لأي قطع حربية أو مدنية تدخل إلى المناطق المتنازع عليها، كان آخرها الشهر الماضي حين دخلت ثلاث زوارق تابعة لخفر السواحل الصيني إلى منطقة قرب جزر "سينكاكو" المتنازع عليها مع اليابان، ومنذ عام 1970 وحتى الآن نفّذت الصين عدة إجراءات لتثبيت سيطرتها على المنطقة حيث أنشأت عام 2014 سبع جزر صناعية تشكّل امتداداً لجزر "سبارتلي" لتصبح المساحة الصالحة للاستخدام والبناء في هذه المنطقة ما يقرب من 900 هكتار من ضمنها مهبط للطائرات تمّ الانتهاء منه مؤخراً، وشرعت في تنفيذ خطط لاستصلاح الأراضي وإنشاء مصائد سمكية ومنشآت دفاعية وخدمية بحرية في بعض الجزر مثل جزر "ناشا" وتخطط لبدء عمليات التنقيب عن النفط ونشر منظومات للدفاع الجوي لمواجهة التحليقات المستمرة للطائرات الأميركية والأسترالية في المنطقة. وتتنازع اليابان مع الصين حول ملكية جزر "سينكاكو" الثماني في أرخبيل"سينكاكو دياويو"، وقامت بالفعل بالسيطرة على بعض الجزر فيه عام 2012 وأعلنت عن نيتها نشر كتيبة من 500 جندي مزودة بمنظومات صاروخية في أحدى جزر الأرخبيل "أيشيجاكي". كما نفذّت تدريبات بحرية مع الفلبين وبدأت في مباحثات معها للسماح باستخدام سلاح الجو الياباني لقواعدها الجوية، وأعلنت عن حزمة مساعدات للحكومة الفلبينية التي تشارك أيضاً في النزاع على منطقة بحر الصين الجنوبي ضد الصين. وفي ظل التصعيد العسكري في المنطقة أعلنت الحكومة اليابانية عن أكبر ميزانية دفاعية في تاريخها ضمن زيادات سنوية في ميزانية إنفاقها العسكري بدأت منذ ثلاث سنوات تترافق مع حصول الحكومة اليابانية على قرار يخوّلها إرسال قوات إلى خارج الأراضي اليابانية، وهو حدث غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. تتشارك الفلبين مع ماليزيا وفيتنام في النزاع مع الصين على مجموعة جزر "سبارتلي" وقد أعلنت بشكل صريح تأييدها للدوريات البحرية والجوية التي تنفذها الولايات المتحدة وأستراليا في المناطق المُتنازع عليها وجاء هذه الإعلان مباشرة عقب لقاء مشترك جمع بين قائد البحرية الصينية ووفد عسكري فلبيني، مما شكل تحدياً واضحاً للصين يُضاف إلى قيام الجيش الفلبيني بتفكيك ثلاث لوحات ترقيم صينية من على ثلاث جزر متنازع عليها، وأعلنت عن خطط للتنقيب عن النفط والغاز في المنطقة وكذا مناورات بحرية وهذا أدى إلى نزاعات متكررة مع البحرية الصينية كان آخرها عام 2012 حين تبادل الطرفان الاتهامات حول اختراقات لمنطقة "سكاربوروشوال" المتنازع عليها بين البلدين. فيتنام: تصاعد التوتر بينها وبين الصين مؤخراً بعد قيام البحرية الفيتنامية بمناورات بالذخيرة الحية عقب طردها لسفينة صيد صينية دخلت منطقة قرب جزر "سبارتلي" وبعد تكرار إفساد الصين لمحاولات فيتنام للتنقيب عن النفط في المنطقة. أستراليا: تنظر إلى أزمة بحر الصين الجنوبي على أنها أزمة تمسها أقتصادياً بالدرجة الأولى بحكم طبيعة الممرات المائية الموجودة فيه، وبالتالي حرصت على إدامة طلعات الاستطلاع الجوي فوق هذه المنطقة برغم الاعتراض الصيني الشديد والذي وصل إلى تحذير وسائل الإعلام الصينية لأستراليا بأن الصين ستسقط أي طائرة استطلاع استرالية تمر فوق الجزر التي تسيطر عليها الصين في هذه المنطقة. تتخذ الولايات المتحدة الأميركية من هذا الملف اداة أستراتيجية لمنع الصين من نشر نفوذها في الشرق الأوسط، وإشغالها الدائم بتفاصيل هذه الأزمة، ولذلك كانت حريصة على استمرار تصاعد التوتر العسكري في المنطقة حيث استمرت طلعات الاستطلاع الأميركية من نوع"R8A في أجواء المناطق المتنازع عليها ولزيادة التوتر حلّقت في الشهر الجاري قاذفتان أستراتيجيان من نوع "B52" فوق أحدى جزر "ناشا" المتنازع عليها وكذا إبحار المدمرة "USS Lassen" على بعد أقل من 12 ميلاً بحرىياً من الجزر الصناعية التي قامت الصين ببنائها في منطقة جزر "سبراتلي" مما أدى إلى احتجاجات قوية من قبل الحكومة الصينية وصلت إلى استدعاء رسمي للقائم بأعمال السفارة الأميركية في بكين للاحتجاج على المساعدات التي تعتزم الولايات المتحدة تقديمها إلى تايوان، وتشمل فرقاطتين وصواريخ مضادة للدروع ومضادة للطائرات وآليات برمائية وذخائر متنوعة، وهي مساعدات ذات طابع هجومي بحري تصعّد من حدة التوتر العسكري في المنطقة حسب وجهة النظر الصينية. هذه الاستراتيجية الأميركية في التعامل مع الصين أكدها "تقرير أبعاد الأستراتيجية العسكرية للولايات المتحدة الأميركية" الذي أصدرته مؤخراً الحكومة الأميركية، هو تعزيز العلاقات العسكرية مع دول جنوب شرقي آسيا عموماً وخصوصاً الفلبين وتايوان وفيتنام لتكوين ما يشبه "جبهة عسكرية" توقف توغل النفوذ الصيني في هذه المنطقة أو على الأقل توازن ما بينه وبين النفوذ الأميركي والأسترالي. ويتقاطع هذا التأكيد مع خطة أميركية تمّ الأعلان عنها أواخر عام 2012 لنشر ما يقرب من نصف قوتها البحرية في منطقة جنوب شرق آسيا، ونشر صواريخ دفاعية في كوريا الجنوبية وإدامة طلعات الاستطلاع والمراقبة وزيادة الدعم العسكري للفلبين وفيتنام والذي يصل إلى أكثر من 20 مليون دولار. وبالتالي نستطيع أن نقول في هذا الصدد إن الولايات المتحدة تطبق حرفياً الأسلوب الجديد في تعاملها مع القضايا الدولية وهو تقليل التورط الأميركي المباشر في الملفات الدولية مع إعطاء دور أكبر في هذه الملفات لحلفائها، وهو ما يحقّق في الملف الصيني حتى الآن.


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة