جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصين وبريطانيا.. والتاريخ المؤلم

شتان ما بين زيارتين، زيارة الرئيس الصيني تشي جين بينغ إلى الولايات المتحدة قبل أسبوعين، وزيارته إلى المملكة المتحدة هذا الأسبوع. أوجه الشبه قليلة للغاية، أبرزها أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة دولتان غربيتان تعتنق نخبتاهما الحاكمتان أيديولوجية واحدة، وأن كلتيهما ناصبتا الصين العداء مدة طويلة من الزمن، وأن اقتصاد الدولتين يعتمد في شكل متزايد على استمرار صعود الصين بوتيرة عالية. كل هذه الأوجه وغيرها لا تعني شيئاً مهماً إذا قورنت بوجه اختلاف واحد بين الدولتين، وهو أن بريطانيا دولة أوروبية استعمارية، بينما الولايات المتحدة دولة أميركية حديثة النشأة طالما كررت أنها، مثل الصين، ثارت ذات يوم على الاستعمار الأوروبي، ومثل الصين حصلت على استقلالها بعد أن تعرض سكانها إلى ظلم شديد على أيدي المستعمرين الأوروبيين. لدى الأميركيين ما يشكون منه من قمع واستغلال وقعا خلال مراحل الحكم البريطاني، لكنه الظلم الذي لم يخلف غضباً وآلاماً يعجز التاريخ عن التخفيف منهما. أما في الصين فقد تراكم رصيد أكبر جداً من غضب أعمق، وتراكم شعور مهانة نتيجة فظائع أخلاقية ومادية وعنصرية ارتكبتها حكومات إنكلترا على امتداد القرن التاسع عشر ضد أمة تمتد جذورها في بطن التاريخ. لا يستطيع الصينيون الادعاء بأن أميركا مارست ضدهم قدراً كبيراً أو صغيراً من الإساءات كتلك التي مارسها الأوروبيون. لم يبعث الأميركيون إلى إمبراطور الصين ببعثة كالبعثة التي أرسلتها حكومة لندن تطالبه بفتح أبواب الصين أمام التجارة، وحين رفض الإمبراطور مبرراً رفضه بأن الشعب في الصين زاهد في منتجات بريطانيا وليس لديه في كل الأحوال ما يبادل به أرسلت بريطانيا بارجتين دمرتا مدينتين صينيتين وحصلت على ما تريد، حصلت على الشاي الصيني وعلى ميناء هونج كونج، وعرضت، ثم فرضت، الأفيون الذي تنتجه في الهند، سلعة إجبارية بأسعار مخفضة للغاية، ليصبح طرفاً في عملية ثلاثية، لندن تحصل على الشاي من الصين وتصدر لها الأفيون ثمناً للشاي وتغرقها بمنتجات الثورة الصناعية، هكذا أفرغت بريطانيا خزائن الصين من الفضة، وأبطلت القدرة الإنتاجية لشعب الصين لقرنين على الأقل، ودمرت البنية الإمبراطورية للصين. كنت شاهداً على أثر من آثار التمييز العنصري الأوروبي ضد الشعب الصيني. أذكر جيداً هذه اللوحة النحاسية المعلقة على مدخل الشارع الضيق الموصل إلى مكاتب السفارة البريطانية في بكين، وقد كتب عليها باللغتين الصينية والإنكليزية: «ممنوع دخول الصينيين». لوحات مماثلة رأيتها في عدد من أحياء شنغهاي، خصوصاً على مداخل النوادي الاجتماعية في الأحياء البريطانية والألمانية والروسية والفرنسية، وكلها تحرّم دخول الصينيين والكلاب. لاشك عندي في أنه إذا كنت، وأنا الغريب عن الصين، مازالت صور هذه اللوحات محفورة في ذاكرتي، فالمؤكد أن هذه الصور محفورة أيضاً في ذاكرة النخبة الحاكمة في الصين وأساتذة الجامعات وشبابها وقادة الجيوش، ومحفورة خصوصاً وبعمق في ذاكرة الرئيس تشي، حتى أنني وبخيال إنساني محض رحت أتصور ما دار بذهن الرئيس تشي عندما استقل العربة المفتوحة التي تجرها الأحصنة الملكية متجولاً في بعض شوارع عاصمة الإمبراطورية البريطانية. تخيلته أيضاً وهو جالس في مقعد الضيف العظيم يستمع إلى رئيس مجلس العموم وهو يتحدث عن حقوق الإنسان في الصين، وضرورة احترام الصين لمنظومة الأخلاق والقيم العالمية. يعلم الرئيس الصيني أن البريطانيين، وقد أفلسوا ولم تعد لديهم أرصدة مادية معتبرة يساومون بها، استعدوا له بخطب ودروس عن القيم والأخلاق، لذلك وعندما جاء دوره في الحديث لم يفته أن ينبه هذه الرموز الباهتة من إمبراطورية كانت الأعظم، أن الصين سبقت بريطانيا بأكثر من ألفي عام فكانت صاحبة أول وثيقة قانونية في التاريخ تحدد علاقة الشعب والحاكم بالقوانين، وصاحبة أول حضارة تضع منظومة أخلاقية عندما لم يكن الغرب قد لامس الحضارة أو تعرف عليها من بعيد أو قريب، قالها خلال الزيارة أكثر من مرة: «لكم قيمكم ولنا قيمنا». قال لهم أيضاً إنه جاء إليهم لأنهم، أي البريطانيين، يحتاجون الصين لتساعدهم في تجديد وتحديث ثورتهم الصناعية والتكنولوجية. قالها واضحة وصريحة: «أنتم في حاجة إلينا». تكفي هذه الكلمات الأربع ليرد بها رئيس من الصين على إساءة قرن ونصف القرن من الهيمنة الغربية. لاحظت، ولا شك لاحظ غيري، أن الرئيس تشي لم يستخدم هذه العبارة أو عبارة مقاربة خلال زيارته لأميركا، لم يقل للأميركيين إنه ذهب إلى بلادهم ليساعدهم، أو مستجيباً لحاجتهم إلى بلاده، ما يعني أيضاً أن الصين تدرك جيداً أن صعودها «السلمي» يعتمد على تعاون الولايات المتحدة. بمعنى آخر أن أمر السباق على القمة الدولية لم يحسم بينهما. أمر العلاقة مع بريطانيا حسم بالفعل، حين رأينا الإمبراطورية «العجوز» تتوسل إلى الإمبراطورية الصاعدة مساعدتها لتستمر مركزاً مالياً أساسياً في الاقتصاد العالمي. والأفضل لو عادت لندن لتحتل بمساعدة الصين موقع «المركز المالي» الأكبر في العالم. ومع ذلك، لم أشعر خلال متابعتي زيارة بريطانيا أن الرئيس الصيني كان يتعالى على مضيفيه. كالوا المديح لنجاح الصين في تحقيق النهضة بالسرعة اللافتة، وكان رده أن بلاده تريد علاقة طبيعية مع الغرب. قال لهم: «هنا، عندكم، مازال الإبداع وفيراً والأفكار غنية. نحن أيضاً في حاجة إليكم». كان واضحاً في إشارته إلى أن العالم النامي لن ينفع الصين بنفس قدر نفع العالم الغربي لها في ظروفها الراهنة، وخلال مراحل صعودها المقبلة. نعرف أن الصين تحصل من العالم النامي على المواد الخام، وهي ضرورية، ولكن في العالم الغربي، أو المتقدم، تحصل الصين على التكنولوجيا والتقدم العلمي والإبداع المتواصل، وكله من الضرورات الأساسية، بل لعلها أهم كثيراً من مواد خام صماء، ضرورية ولكن ليست حيوية. لم يكن بعيداً من ذهني خلال متابعتي للزيارة الشعور بأن الرئيس الصيني لابد من أن يكون سعيداً بالنقاش (الدافئ حتى الآن) الدائر في أنحاء العالم الغربي، وموضوعه الفجوة المتزايدة الاتساع في الدخول والثروات. راح الرئيس تشي إلى أميركا في وقت كان البابا فرانسيس يتحدث عن اللامساواة في أكبر معاقل الرأسمالية في العالم. كان هناك وسمع بأذنيه مرشحاً لمنصب الرئاسة ينطق بكلمة الاشتراكية، الكلمة الحرام في المنظومة العقائدية للمجتمع الأميركي. قبلها، كان الرئيس تشي في كوبا ليلمس بنفسه معنى غياب هذه المشكلة ويلاحظ آثار هذا الغياب في مسيرة المرحلة الانتقالية في أميركا اللاتينية، وها هو يأتي إلى لندن ليرى بعينيه صعود زعيم من حزب «العمال» محذراً ضد خطر اللامساواة في المجتمع البريطاني، بل في الاتحاد الأوروبي بأسره. ها هو يسمع أيضاً عن احتمالات صعود ائتلاف «بوديموس» اليساري في إسبانيا في الانتخابات المقبلة في كانون الأول (ديسمبر)، ومغزى هذا الصعود، ليس فقط في كل دول جنوب أوروبا، لكن أيضاً في معاقل الفكر المحافظ في ألمانيا وغيرها. بدا الرئيس تشي سعيداً وهو يستمع إلى تحليلات الخبراء لمسيرة البحث عن المساواة، لأنه وجماعته في الحزب الشيوعي الصيني، استطاعوا خلال ثلاثين عاماً أو أكثر بناء نظام اقتصادي يعتمد شكلاً مخففاً من الرأسمالية ومزوداً بإجراءات وقواعد وقيم رعاية اجتماعية، تطمح إلى تقليدها نخب معارضة في دول عدة. بمعنى آخر صارت الصين نموذجاً يمكن أن تحتذيه قوى سياسية ليس فقط في أفريقيا وروسيا ودول وسط آسيا، بل أيضاً في أوروبا الغربية. كدت أقرأ في رسائل الرئيس الصيني إلى النخبة الحاكمة في إنكلترا وأميركا وأوروبا في شكل عام تحذيره من أن «رأسماليتكم دخلت إلى طريق مسدود، ونحن في الصين مستعدون لمساعدتكم للخروج منه». كدت أقرأ أيضاً في سلوكات الزائر الصيني للغرب، سواء في أميركا كما في إنكلترا، عزمه وعزم حكومته على التوقف عن تقديم الاعتذار عن واقع أن الصين نهضت وكبرت ونجحت. كانت لهجة الاعتذار، كما نذكر، اللهجة الطاغية في عهد الرئيس دنغ شياوبنغ، قائد التحديث والتحول إلى «اشتراكية السوق» كما في عهود من حكموا بعده. لم تعد الصين تعتذر عن نجاحها وتقدمها، بل لعلها الآن لا تجد ما يمنعها من أن تفخر وتفاخر، وقد تختار أن تسلك سلوك امبراطوريات سبقتها، وأن يتصرف حكامها وقادة الحزب الشيوعي الصيني كما كان يتصرف الأباطرة


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة