جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
نهرالميكونغ شريان جنوب آسيا

*- ينبع نهر الميكونغ من جبال إقليم التبت في الصين ويتجه جنوباً ليحمل معه أديان وثقافات ولغات متنوعة إلى بلدان متعددة في جنوب شرق آسيا. في التبت يسمى النهر بنهر الصخور فيما يسمى باللغة التايلاندية أم الأنهار، مختصره “الميكونغ”. يمر أم الأنهار عبر أراضي الصين وميانمار ولاوس وتايلاند وكمبوديا وفيتنام إلى أن يدخل بحر الصين الجنوبي، وهو من أطول الأنهار في جنوب شرق آسيا إذ يصل طوله إلى ١٨٠٠ كم .
يعتمد ما يقارب ١٠٠ مليون إنسان من هويات دينية وقومية وعرقية متنوعة على نهر الميكونغ للغذاء والطاقة. وينتج النهر أكثر مليونين ونصف مليون طن من البروتين للساكنين علي ضفتيه وبالقرب منه. وحسب الإحصاءات المتوفرة يسكن ٤٠٪ من سكان حوض الميكونغ، أي ما يقارب ٣٠ مليون إنسان على بعد ١٥ كيلومتر من النهر، ويعتمد هذا العدد في أمنه الغذائي على ما ينتجه نهر الميكونغ من الغذاء، ذاك انه مصدر رئيسي للتنوع الحيوي في المنطقة ويحتضن عشرات الآلاف من النباتات والطيور والزواحف والثدييات والبرمائيات والأسماك. وتعتمد أسواق كبيرة في العالم على أسماك و روبيان والثروات البحرية الأخرى في نهر الميكونغ الذي يوفر وفق معلومات أعلنتها مفوضية نهر الميكونغ يوم ١٧ تشرين الثاني ٢٠١٤ في مكتب المفوضية بعاصمة كمبوديا (بنوم بين) مليون وثلاثمائة طن من الأسماك للأسواق العالمية سنوياً. كما ان النهر مصدر للطاقة والزراعة والبيئة، أي انه مصدر للتنمية المستدامة إضافة الى انها مصدر للسلام بين الدول المتشاطئة له. وقد أبرم أول اتفاق حول النهر في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، إنما لم يكن اتفاقاً فعالاً في ظل حروب فيتنام ولاوس في الستينات و حرب بول بوت ضد الكمبوديين في نهاية السبعينات، وجاءت اتفاقية عام ١٩٩٥ التي نتجت عنها تشكيل مفوضية نهر الميكونغ وأسست لمنطقة شرق آسيا بدايات تجربة حديثة فيما خص الشراكة في المياه والطاقة والتنمية والسلام.

مفوضية نهر الميكونغ
على غرار اتفاق الأوروبيين حول نهر (الراين)، اتفقت الدول المتشاطئة لأم الأنهار ورسمت لمستقبلها شراكة وتنمية دائمتين، وقبلهما سلام دائم. ففي عام ١٩٩٥ تم تأسيس مفوضية نهر الميكونغ بعضوية كل من تايلاند ولاوس و كمبوديا وفيتنام، وكل من الصين وميانمار بصفتهما مراقبين في المفوضية. وجاء الجزء الأكبر من تمويل المشروع مؤسسات أوروبية وأمريكية واسترالية ويابانية. لا يقتصر عمل هذه المفوضية على إيجاد الحلول للنزاعات والمشكلات السياسية في جنوب شرق آسيا بقدر تركيزها على مشاريع للتنمية المستدامة اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وذلك من خلال عمل مشترك تنظمه هيئة عليا مشتركة بين البلدان الأربعة (لاوس، تايلاند، كمبوديا، فيتنام)، كما ان هناك هيئة محلية لكل بلد.
هناك مجالات متعددة تنشط فيها المفوضية مثل الصيد والزراعة والري والطاقة والمواصلات والبيئة وإدارة الفيضانات. ويدخل كل مجال ضمن مشروع التنمية المستدامة المحلي والإقليمي في جنوب شرق آسيا، وذلك من خلال شراكة استراتيجية نتج عنها الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة، ناهيك عن النشاط السياحي والثقافي على طول النهر والبلدان المتقاسمة له. وكما يعرف تاريخياً، نقلت مياه نهر الميكونغ الكثير من الثقافات واللغات والديانات معه وزاوجت بينها في الأراضي التي يمرّ فيها، ولذلك يسميه الكثير بنهر الثقافات.
حسب المعلومات التي توردها دوائر مفوضية نهر الميكونغ، هناك ٧٠ مليون انسان من ثقافات وديانات ولغات مختلفة تعيش في محيط حوض الميكونغ ويزداد العدد في تخوم عام ٢٠٢٥ ليصل إلى ١٠٠ مليون شخص وفق المعلومات ذاتها. وإلى جانب هذا التنوع تعتبر السياحة الدينية والثقافية عاملاً آخر من عوامل غناء الميكونغ واعتباره نهر الثقافات.

إدارة الفيضانات
في موسم الأمطار تدخل مياه الأنهر الفرعية إلى الميكونغ وتسبب ارتفاع نسبة المياه وحصول الفيضان وإلحاق الأضرار بالزراعة والثروة المائية، لذلك يتركز جزء مهم من عمل المفوضية على إدارة الفيضانات، وذلك من خلال نظام تكنولوجي متقدم للمراقبة وتأسيس قاعدة بيانات مشتركة في البلدان الأعضاء في المفوضية حول النهر والتغيرات التي تحصل في جميع الفصول. وضمن مشاريع إدارة الفيضانات هناك خطة لبناء ٨٣ سد خلال سنوات الخمس القادمة، كما ان هناك ١٣ سداً قيد التنفيذ وهناك ١٩ سد آخر تم بناءه في السنوات الماضية.
هناك ظاهرة طبيعية خلال موسم الأمطار في كمبوديا، فحين يفيض النهر بالقرب من العاصمة (فنوم بين)، تغير المياه مجراه نحو الشمال مرة أخرى وتدخل بحيرة (تونلي ساب) وهي من كبرى البحيرات في المنطقة وأهم مصدر للثروة السمكية في كمبوديا. لا يتخذ أي بلد من البلدان المذكورة قرارات مستقلة فيما خص النهر أو بناء السدود وذلك وفقاً لمقررات المفوضية، ان انه (النهر) مصدر للطاقة والأمن الغذائي والنقل والمواصلات والبيئة والتنوع الحيوي للمنطقة وسكانها الشركاء في الحاضر والمستقبل كما كانوا الشركاء في الماضي.
السلام الأزرق
يمكن القول بأن اتفاقية عام ١٩٩٥ بين دول جنوب شرق آسيا، بالإضافة إلى خلق سلام أزرق دائم بين الأطراف المتشاطئة لنهر الثقافات وإبعاد أي وسيلة يمكن ان تؤدي إلى العنف أو سلب حقوق الغير فيما خص الماء، خلقت بيئة مناسبة للشراكة الاقتصادية و والتجارية والثقافة، شراكة تضمن المصالح الداخلية والإقليمية للدول الأعضاء في المنظمة الإقليمية (مفوضية نهر المكيونغ) بالإضافة إلى الصين وميانمار. لا يخفي المسؤولون الذين التقيناهم في كل من كمبوديا ولاوس بأنهم استفادوا كثيراً من خبرة الأوروبيين فيما خص الاتفاق والشراكة على نهر (الراين) إنما وفق الخصوصيات السياسية والثقافية لبلدان جنوب شرق آسيا.
لا يخلو حوض الميكونغ ومصادر النهر من المشاكل والصعوبات، ففي الصين قبل الوصول إلى أراضي ميانمار ثم تايلاند ولاوس، يتعرض نهر الصخور ان استخدمنا اسم أهل (التبت) لاستخدام مفرط من أحل بناء مرافق سياحية، وفي فيتنام أيضاً هناك إفراط كبير فيما خص قنوات الري لحقول الأرز الذي يعيش عليه أكثر من ٢٠ مليون إنسان. بالإضافة إلى ما ذكر من المشاكل هناك مشكلة التغييرات البيئية وتسخين الأرض تواجه النهر حيث تشير وثيقة من وثائق مفوضية الميكونغ إلى ازدياد أيام وليال ساخنة على النهر، فيما تقل البرودة بشكل يلاحظه قاطني حوض الميكونغ بسهولة.


* *-هذا التقرير هو نتاج زيارة وفد من العراق وتركيا ولبنان والأردن وسوريا لكل من كمبوديا ولاوس واللقاء مع القائمين والعاملين في مفوضية نهر الميكونغ . وكان من ضمن الوفد أعضاء برلمان وأساتذة جامعات وصحفيين وقد نظم (strategic foresight Group) الزيارة بتاريخ ١٧-٢٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠١٤ ضمن مشروع السلام الأزرق في شرق الأوسط بغية الاستفادة من تجارب عالمية فيما خص المياه واستثمارها كمصدر للسلام والتنمية والتعايش والشراكة


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة