جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
نزاعات بحر الصين الجنوبي

ظلت النزاعات الإقليمية حول جزر بحر الصين الجنوبي، لفترة طويلة، تهديدا كامنا للأمن والتعاون في منطقة شرقي آسيا. هذه النزاعات ليست بين الصين وبعض دول جنوب شرقي آسيا فقط، وإنما أيضا بين أعضاء رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)، ومنها مثلا النزاعات حول السيادة على بعض الجزر بين الفليبين وفيتنام وماليزيا وإندونيسيا وبروناي. يتطلب حل هذه النزاعات حكمة دبلوماسية وإرادة سياسية. ولا شك أن العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الوثيقة بين الصين ودول آسيان توفر ضمانات قوية لحل تلك النزاعات. لكن غيوما داكنة حامت فوق بحر الصين الجنوبي، بعد إعلان إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما استراتيجية "إعادة التوازن" في منطقة آسيا والمحيط الهادئ في نوفمبر عام 2011. إن واشنطن، من أجل تعزيز هيمنتها في هذه المنطقة، تلعب دورا مزدوجا: فمن جهة تحرض بعض الدول لإثارة النزاعات وتقدم الحماية العسكرية لها؛ ومن جهة أخرى، تعكر صفو الهدوء الدبلوماسي في المنطقة، وهذا في نهاية المطاف لا يساعد في حل النزاعات حول بحر الصين الجنوبي، وإنما يزيد من حدة التوترات في المنطقة.

شهدت الفترة الأخيرة واقعتين تشيران إلى التحول الكبير في السياسة الأمريكية تجاه نزاعات بحر الصين الجنوبي. أولا، في مقابلة مع وكالة الأنباء اليابانية يوم 30 يناير الماضي، وعند الحديث عن إمكانية قيام الصين بإنشاء منطقة لها للدفاع الجوي في بحر الصين الجنوبي، أدان إيفان ميديروس، مدير إدارة شؤون آسيا في مجلس الأمن الوطني بالبيت الأبيض الأمريكي، ما وصفه بـ"سلوك الصين الاستفزازي الخطير جدا"، وقال إن الصين "اضطرت" الولايات المتحدة الأمريكية إلى تغيير موقفها العسكري في منطقة بحر الصين الجنوبي. لم يكن من المألوف أن يتحدث مسؤول كبير في مجلس الأمن القومي الأمريكي بهذه الحدة حول قضية بحر الصين الجنوبي. ثانيا، قال مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون شرقي آسيا والمحيط الهادي دانيل راسل في جلسة استماع للكونغرس الأمريكي في الخامس من فبراير عام 2014 إن مطالبة الصين بحقوق ومصالح بحرية في بحر الصين الجنوبي على أساس "خط القطاعات التسعة" في حاجة إلى تفسير أو أساس واضح بموجب القانون الدولي، زاعما أن ذلك لا يتفق مع مبادئ القانون الدولي. كما زعم راسل أنه لا يمكن لأي بلد أن يطالب بالسيادة على جزر استنادا إلى سجلات تاريخية، ولا يمكن لأي بلد أن يتحدث عن حق السيادة على جزر من دون مراعاة مصالح البلدان المجاورة. ومن ثم فإن راسل يعتقد أن مطالبة الصين "ليست لها أساس قانوني، وتمثل مصدر زعزعة في المنطقة". كانت هذه أول مرة تطلب فيها واشنطن توضيح معنى "خط القطاعات التسعة"، كما أنها أول مرة يصدر فيها تصريح لمسؤول أمريكي ينكر فيه سيادة الصين على الجزر المعنية في المنطقة التي يحددها "خط القطاعات التسعة".

في نفس الوقت، تواترت تصريحات مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) التي زعموا فيها أن واشنطن، كحليف لمانيلا، لن تقف وقفة المتفرج، في حالة وقوع هجوم من جانب الصين في منطقة بحر الصين الجنوبي. الولايات المتحدة الأمريكية ليست من الأطراف المتنازعة على جزر بحر الصين الجنوبي، كما أنها ليست من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، ومن ثم ليس هناك مبرر لتدخلها في هذه القضية. لقد ظلت واشنطن، لفترة طويلة، تعتبر قوانينها المحلية أعلى من القوانين الدولية بشأن الأمن البحري ورسم الحدود البحرية. في حقبة تسعينيات القرن الماضي، وانطلاقا من حذرها من قوة الصين الصاعدة، كثفت واشنطن أعمال استطلاعاتها البحرية والجوية بالقرب من السواحل الصينية، فكان ذلك أحد عوامل زعزعة الاستقرار في بحار شرقي آسيا. تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بشكل واضح، على أنه "مع عدم المساس بما للدولة من حقوق في المنطقة الاقتصادية الخالصة، تضمن الدولة حرية الملاحة والطيران ومد الأسلاك والأنابيب المغمورة في منطقتها الاقتصادية الخالصة." لكن السفن والطائرات الأمريكية تدخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للصين للقيام بعمليات التجسس على أهداف عسكرية ومنشآت القوات البحرية والجوية الصينية. في الحقيقة، هذه التصرفات لا تعكس عدم ثقة واشنطن ببكين فحسب، وإنما أيضا خوفها من صعود الصين و"تهديدها" للهيمنة الأمريكية في الساحة الدولية.

لقد جعلت التدخلات السياسية والدبلوماسية الأمريكية، بدافع من رغبة الهيمنة، قضية بحر الصين الجنوبي برميل بارود قابلا للانفجار وتهديدا للأمن الإقليمي في شرقي آسيا. تزعم واشنطن أنها "تحافظ على حرية الملاحة في المنطقة"، ولكن ذلك مجرد ذريعة للحد من زيادة القوة البحرية للصين. واشنطن قلقة من أنه إذا امتلكت الصين السيادة على الجزر المعنية في بحر الصين الجنوبي بشكل شرعي، فقد تمتد قوتها جنوبا، مما ينهي الهيمنة الأمريكية في غربي المحيط الهادي، والمستمرة منذ الحرب العالمية الثانية.

بعد انتهاء الحرب الباردة، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تقليص وجودها العسكري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. في عام 1992، أغلقت على التوالي قاعدتها العسكرية في خليج سوبيك وقاعدة كلارك الجوية في الفليبين. كانت هاتان القاعدتان مركزين عسكريين للتدخل العسكري الأمريكي في شؤون شرقي آسيا خلال حرب فيتنام. أما بعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق، وسحب روسيا قواتها من خليج كام رانه في فيتنام، والدور الناجح الذي لعبته آسيان في دفع مسيرة التعاون بين دول جنوب شرقي آسيا، ظنت واشنطن أن منطقة بحر الصين الجنوبي لم تعد نقطة ساخنة للتنافس الاستراتيجي داخل آسيا والمحيط الهادئ. ولوقت طويل تبنت واشنطن موقف عدم التدخل في نزاعات السيادة حول جزر بحر الصين الجنوبي بين الصين وتايوان الصينية وبعض دول آسيان، استنادا إلى أن قوة الصين البحرية والجوية تفتقر إلى القدرة على الوصول إلى أبعد من مياهها الساحلية.

لكن، مع تقدم مسيرة تحديث القوة العسكرية الصينية، بدأت واشنطن تشعر بـ "الضغط الصيني"، وتنظر إلى بكين على أنها تهديد. في عام 2008، نشرت الولايات المتحدة الأمريكية التقرير السنوي حول القوة العسكرية الصينية، حيث أكدت فيه أن الصين "تسعى إلى إرسال قوتها العسكرية إلى الخارج". وفي عام 2010، ذكرت واشنطن لأول مرة أن الصين تعمل على تحقيق الهدف العسكري "AD/A2"، أي "منع دخول القوات العسكرية من مسافات بعيدة". وفي عام 2011، أعلنت إدارة أوباما استراتيجية "إعادة التوازن" في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي تمثل في جوهرها خطوة لتعزيز هيمنة واشنطن في المنطقة على ضوء صعود القوة العسكرية الصينية، كما تهدف إلى تجنب أي تحول قد يؤدي إلى زعزعة مكانة واشنطن أو إضعاف قوتها في المنطقة.

يرجع تاريخ أولوثيقة لمطالبة الصين بالحقوق والمصالح البحرية على أساس "خط القطاعات التسعة" إلى عام 1947، عندما حددت حكومة نانجينغ هذا الخط. وفي عام 1982، وضعت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. تتضمن الاتفاقية عددا من المفاهيم المستقرة في الأعراف الدولية، بما يشكل نظاما فعليا للقوانين البحرية، ولكنها لا تنكر سيادة الدول الساحلية ومصالحها على أساس الحقوق التاريخية. منذ تسعينيات القرن الماضي، بادرت الصين بطرح مبدأ "السيادة لنا، تجنب الصراع، والتنمية المشتركة"، وأكدت حل النزاعات بصورة عقلانية وسلمية على أساس احترام التاريخ. وفي عام 2002، وقعت الصين ودول آسيان على "إعلان مدونة سلوك الأطراف في بحر الصين الجنوبي"، الذي أكد على حل نزاعات بحر الصين الجنوبي عن طريق المفاوضات والمشاورات. وفي يوليو عام 2013، أعلن وزير الخارجية الصيني وانغ يي نيابة عن الحكومة الصينية، أن الصين تشارك مع دول آسيان في مفاوضات "مدونة سلوك الأطراف في بحر الصين الجنوبي"، بهدف تدقيق سلوك الأطراف المعنية في المنطقة. وفي أكتوبر عام 2013، أشار الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال مؤتمر العمل الدبلوماسي الصيني إلى ضرورة تأسيس عمل دبلوماسي جيد في الدول المجاورة، وأكد على ضرورة أن نعمل جاهدين لجعل الدول المجاورة أكثر ودا سياسيا وأكثر قربا اقتصاديا.

مع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة، بتحريض ودعم من واشنطن، قيام بعض دول آسيان بتحركات استفزازية في بحر الصين الجنوبي. في إبريل عام 2012، قامت سفينة حربية فلبينية باحتجاز قوارب صيد صينية. وفي يناير عام 2013، طلبت الفليبين من المحكمة الخاصة بمعاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار أن تقوم بالإدارة القانونية للجزر المتنازع عليها، بحجة أن "خط القطاعات التسعة" غير شرعي. مثل هذه التصرفات الاستفزازية لا تساعد في حفظ سلام واستقرار منطقة جنوب شرقي آسيا، وإنما تشيع أجواء من التوتر في المنطقة.


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة