جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
صفحات من كتاب : التجربة اليابانية - 3

-3- الفصل الثالث: رهانات التفكير في النموذج الياباني يقول الكاتب: قدّم باحثون يابانيون تفسيرًا لسيرورة التحديث في اليابان، ومن الأمثلة الواردة في الكتاب: “تتضح العلاقة بين التحديث من حيث هو اقتباس لعلوم الغرب العصرية، والحداثة من حيث هي استيعاب للعلوم العصرية، والمشاركة في الإبداع فيها على المستوى الكوني (…) فاليابان لم تتخل عن تراثها الثقافي التقليدي (…) واستفادت من مقولات فلسفية ونظم غربية متنوعة، لكنها لم تتبنها كما هي، بل اختارت منها ما يتلاءم مع مكونات المجتمع الياباني فقط”. أولًا: في الوعي الحضاري بشروط النهضة يستحضر الكاتب هنا، خلفية مالك بن نبي الفكرية والحضارية الحاملة أسئلة ثقيلة ومركبة في طرحها لسؤال النهضة، ومما ذكره في هذا الشأن: “دعوة مالك بن نبي إلى ضرورة إرجاع المشكلات الحضارية إلى أساسها الفكري أولًا، ثم إلى محيطها الثقافي ثانيًا”. “الفرق الشاسع بين تعامل الإنسان العربي مع الغرب، وتعامل الإنسان الياباني معه، حيث إنه ترك القشور واهتم بالجوهر، فتمكن من استيعاب العلوم الغربية من دون أن يؤدي ذلك إلى فقدان هويته والسقوط في التبعية”. “اليابان وقف من الحضارة الغربية موقف التلميذ، ووقفنا منها موقف الزبون، إنه استورد منها الأفكار ونحن استوردنا الأشياء”. “إن الأفكار بوصفها خبرة حضارية جماعية قائمة على شكل بنية جماعية عقلية ونفسية، تجعل المجتمع يبني الهيكل المادي للحضارة، حتى لو تعرضت للتدمير بعد كارثة، وهذا ينطبق على المجتمع الياباني الذي خرج بعد الحرب العالمية الثانية مُدمرًا (…) فأصبح اليابان في حالة عوز هائل في الأشياء، ولكنه ظل غنيًا بالأفكار”. “المشكل لا يكمن في طبيعة العلاقة بالثقافة الغربية بل بالطبيعة الخاصة بعلاقتنا بها”. “يمكن تفسير الاهتمام الأسمى بالنسبة إلى الفرد، على أنه علاقة عضوية تربطه بعالم الأفكار وعالم الأشياء، فإذا ما انعدمت هذه العلاقة، لم تعد للفرد سيطرة لا على الأفكار ولا على الأشياء، فهو يمر بها من دون أن يتصل بكيانها، ويتعلق بظزاهر الأشياء من دون أن يتعمقها، ويلم بالأفكار بعض إلمام من دون أن يتعرف إليها. وهذا الاتصال السطحي لا يؤدي مطلقًا إلى إثارة سؤال، ولا يخلق أبدًا مشكلة، لقد استنطق نيوتن التفاحة، لأن اهتمامه الأسمى قد تعلق بها، بينما لو حدث ذلك قبل نيوتن بألف سنة مثلًا، فمن أبسط الأشياء أن تُلتهم التفاحة، لأن الاهتمام الأسمى آنئذٍ غير موجود بالمجتمع الإنكليزي”. “إن الثقافة في مهمتها، أسلوب حضارة، تحرك الإنسان ووسائله عبر القنوات الأربع: المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي والمنطق العملي، ومن ثم فمسيرة الحضارة تمضي بالمجتمع صعودًا وهبوطًا، تبعًا لدرجة تمحوره حول الأفكار أو الأشياء المحيطة به”. ثانيًا: الثقافة والقيم في معركة النهوض يقول الكاتب: لقد نهضت اليابان على أسس ثقافية تكاد تكون مخالفة للمسلمات الثقافية الغربية، فهذا المعطى يحيل على أهمية استصحاب البعد الثقافي في التفسير والتحليل داخل هذه التجربة في مستويين؛ الأول: أن هناك أنماط سلوكية عامة تؤثر في طبيعة التنمية بمفهومها الحضاري وطبيعة أهدافها النهائية، والثاني: أن إدراك شرط انسجام التنمية مع المناخ الثقافي أمر حيوي، فهذه الملاءمة هي التي تضمن النجاح على المدى البعيد. ويؤكد الكاتب: إذا لم تتأسس النهضة اليابانية بتدمير البنى التقليدية أو عبر التخلي عن القيم الثقافية الخاصة، بل على العكس، جرى توظيفها وتفعيلها في بناء أسس النهوض، فالأفراد وإنتاجيتهم، والمال وطرائق استثماره، والتقنية وفن استعمالها، والتعليم ومدى عمقه وشموله، والقانون والارتياح إليه، والقدرة على إنفاذه، هذه العوامل كلها تستنشق أثيرًا ثقافيًا يوجّه عمليتي التفكير والترابط اللتين تسمحان بالوجود المجتمعي أصلًا وترشد فعل النهضة الحضاري. يكثّف الكاتب فكرة هذا الفصل من الكتاب بقوله: إن كل تفكير في مشكلة الإنسان، هو تفكير في مشكلة الحضارة، وكل تفكير في مشكلة الحضارة، هو في الأساس تفكير في مشكلة الثقافة، بوصف الحضارة في جوهرها مجموعة من القيم الثقافية المحققة، وإذا أردنا للنهضة أن تبرز إلى عالم الوجود، فعلينا أن نواجه مشكلة الثقافة في أصولها، فالإنسان هو العنصر الأساسي الذي يحدد مضمون المعادلة الحضارية من خلال حركيته وفاعليته، وهذه المعادلة هي خلاصة ثقافة يتشربها الإنسان في محيطه الاجتماعي الذي يكثّف وجوده. يختم الكاتب فصل كتابه هذا بالقول: تقدم اليابان نموذجًا بالغ الدلالة بخصوص تجاوز منطق الاستهلاك التكنولوجي إلى الإبداع والإنتاج والريادة (…) وليس الغرض من التفكير في النموذج الياباني السعي إلى تعميمه ونقله، ولكنه مؤشر على دور الإدارة والقدرة الذاتية في مواكبة التقدم وبناء نموذج فريد ومبدع وفق الشروط الثقافية والحضارية الخاصة. على سبيل الختام: آفاق التفكير في النموذج النهضوي “إن الأزمة الحضارية التي ما يزال يشهدها العالم العربي الراهن، المتجلية في التخلف الحضاري والفكري والثقافي، المنعكسة على باقي المجالات الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية، تعود في جزء منها إلى النظام المعرفي والعقلية التي تحرس شجرة المعرفة، فهذا المرض الثقافي ليس وليد اليوم، بل حصيلة تراكمية عبر قرون، قد أورثت العقل العربي المعاصر مجموعة من الأمراض المزمنة التي أصابته بالكساح، لعل أهمها تكريس العقل باتجاه إعمال الوظيفة النقلية، حيث نتج من حرمان العقل من الطاقة النقدية والتحريرية، تحوله إلى حاوٍ فوضوي في تحشيد المعلومات بدلًا من تشكيل عقلية ذات نسق وتركيب معرفي، فتوقفت الوظيفة التحليلية والتركيبية والوظيفة النقدية للعقل، بل نسف أي مشروع لبناء معرفي مستقبلي. المؤلف: سلمان بونعمان


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة