جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
صفحات من كتاب : التجربة اليابانية - 2

-2- الفصل الثاني: أسس النهضة اليابانية، ثورة الإصلاحات في عهد الميجي “وجه الكومندور الأميركي “بيري” إنذارًا إلى اليابانيين عام 1853 قضى بفتح الموانئ اليابانية أمام الملاحة الدولية، وشكلت هذه الاتفاقية مع اتفاقيات أخرى مع كل من هولندا وروسيا وبريطانيا وفرنسا انتقاصًا من السيادة اليابانية، وأجبرتها على التخلي عن سياسة العزلة، وعلى الرغم من ذلك، لم تكن الضغوط والشروط التي أملاها المفاوضون الغربيون سلبية في نتائجها على مستقبل اليابان؛ فقد حركت المفكرين اليابانيين، ودعتهم إلى التفكير ببديل ممكن، يجنب اليابان الاستسلام للقوى الغربية (…) فعملوا على تصليب الجبهة الداخلية وتماسكها بحيث تعجز القوى الأجنبية عن اختراقها، وكانت أولى الخطوات العملية، إنهاء حكم أسرة توكوغاوا سلميًا (…) والالتفاف حول الإمبراطور الميجي، والاشتغال الجدي لبناء مجتمع عصري قادر على المجابهة على جميع الصعد: العسكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية. ويعدد الكاتب ميزات مرحلة حكم الميجي أو ما عرف بإعلان مبادئ الإصلاح الخمسة في آذار/ مارس 1868: يجب أن تتخذ القرارات والتدابير مناقشة جماعية للدفاع عن المصلحة العامة. لا فرق بين أعلى وأدنى في اليابان، بل الجميع متساوون، مع المحافظة بدقة على التراتبية الاجتماعية. ضرورة توحد السلطتين العسكرية والمدنية في يد واحدة لحماية حقوق الطبقات كلها والمصلحة القومية العليا. التخلي عن التقاليد الشكلية القديمة، والعمل على بروز المساواة بين الجميع. السعي لاكتساب تعليم عصري من أي مكان في العالم، واستخدامه لبناء ركائز الإمبراطورية اليابانية. ليجري بعد ذلك إلغاء مفهوم المقاطعات، وظهور البرلمان، وعرفت البلاد الدستور القومي على غرار الدستور الذي أدخله بسمارك في ألمانيا سنة 1889، وفُرض التعليم الإجباري عام 1872، بعد صدور قانون مماثل في إنكلترا بعامين فقط، رافق ذلك إصلاحًا زراعيًا، وتشييدًا للجامعات، وقانون صحافة، وقانون تنظيم الاجتماعات والجمعيات وغيرها. أي إن اليابانيين في أثناء نهضتهم لم يعتمدوا نموذجًا سياسيًا واحدًا ومقتبسًا من دولة غربية واحدة، تلاها إصدار الإمبراطور الميجي وثيقة “أوات” الخمسة التي نصت على تأسيس مجلس تمثيلي، وضمان حرية الرأي والعمل والتجمع، وإلغاء التقاليد الطبيعية الموروثة تدريجيًا، وتنشيط العمل الثقافي، وقد عبّر الدستور الجديد عن جمعه بين التقاليد اليابانية والحداثة الغربية. حول المحاور الأساسية التي ركز دعاة الإصلاح اليابانيون عليها، يقول الكاتب: “بناء جيش عصري، وإحداث تغيير جذري في قوى الإنتاج وعلاقاته، والحفاظ على الهوية اليابانية”. “فالأفكار التنويرية في فترة الميجي حرصت على تطوير القاعدة الاقتصادية والتكنولوجية، وبالمقابل حصّنت الشعب من التغريب والتفكك القيمي” فكان شعار النهضة الجديد: “التكنيك غربي، أما الروح فيابانية”. أما عن تحصين الهوية اليابانية وضمان تلاحمها، والمحافظة على الروح القومية عند الشعب الياباني، يقول الكاتب: ظهرت “الكوكوتاي” بوصفها أيديولوجية قومية متشددة، تجلت في تماهي الأمة والعائلة والدولة. والإمبراطور هو رمز وحدة اليابانيين (…) وذم كل أشكال الدعوة إلى الطائفية أو التجزئة أو التناحر داخل المجتمع (…) وحق التعلم حق مقدس للجميع اولًا: المعرفة أساس النهضة والتحرر “مثّل الرهان على الجانب المعرفي في البناء الحضاري أحد مرتكزات نهضة اليابان الأولى، وفي سبيل استمرار ذلك، يوضّح الكاتب: انطلق رواد الإصلاح من الحاجة الملحة إلى تطوير النظام التعليمي الياباني ليواكب مستجدات العصر ومناهجه، مستحضرين الخبرة الحضارية التاريخية المراكمة في مرحلة توكوغاوا، لكنهم سعوا لتجاوز منطقها المنغلق على الذات، وفي الوقت ذاته عدم إحداث قطيعة مع التراث الثقافي الياباني (…) أي التجديد الجذري في المضامين والمناهج والأشكال من دون السقوط في التقليد الغبي، أو استنساخ التجارب الفاشلة أو التغريب الاستلابي تجاه الآخر”. ويضيف: “إن توجهات السياسة التعليمية كانت تشدد على نشر الروح الوطنية والمحافظة على الهوية وترسيخ التقاليد النافعة”. ويسوق الكاتب نموذجًا متمثلًا في قطاع الحرير، لملاحظة العلاقة العضوية بين انتشار القراءة والمعرفة وحركة الإنتاج الاقتصادي، فيقول: طبعت 3000 نسخة من كتاب يتحدث عن إنتاج الحرير الخام، فازدهرت أدبيات الزراعة، والنتيجة كانت تصنيف المحصولات اليابانية من بين أغلى المحصولات في العالم. يقول الكاتب: أيقنت القرى اليابانية أن الأخذ بأسباب التقدم، والحرص على نهضة الأمة اليابانية، أن ذلك خيار لا رجعة فيه، فازداد إقبال طبقة المزارعين الأثرياء على التعليم (…) فأصبحت الحالة الثقافية السائدة بين الجمعيات اليابانية التي كان أعضاؤها من المزارعين الأثرياء والتجار (…) وقد تحولت تلك الجمعيات إلى مراكز تطالب الحكومة بمنح الشعب حقوقه، وتعمل على قيام ثورة فكرية (…) وشمل نشاط تلك الجمعيات الاعتماد على النفس في الدراسة والتدريب على الفكر الغربي المعاصر الذي تمثّلت فيه المناقشة المتبادلة وتبادل المثقفين في المدن للأفكار في ما بينهم وندوات القراءة المنتظمة وإلقاء الخطب حول الآداب والعلوم، وعقد الاجتماعات السياسية. وقد اتخذ الناس زمام المبادرة للقيام بذلك النشاط، فلم يعتمدوا على دعم حكومي لهم. وعن ذلك يقول الباحث “فرانك” معلقًا: هزت التغييرات الثقافية كل ركن من أركان المجتمع الياباني، وكان وقع التغييرات الثقافية على اليابان يماثل وقع عصر الاكتشافات والتنوير في أوروبا. “عندما سئل إمبراطور اليابان عن أهم أسباب تقدم دولته في هذا الوقت القصير قال: بدأنا من حيث انتهى الآخرون، وتعلمنا من أخطائهم وأعطينا المعلم حصانة الدبلوماسي وراتب الوزير”. ففي هذه المرحلة اعتمدت النهضة العلمية باليابان على ثلاثة أسس رئيسة، يفندها الكاتب على النحور الآتي: 1- الاستعانة بالعلماء والمعلمين الأوروبيين، ودعوة الخبراء الفنيين من كل الدول المتقدمة. 2- ترجمة الكتب إلى اللغة اليابانية، وإنشاء المدارس الحديثة، ومن أهم الكتب المترجمة: مؤلفات جان جاك روسو وهيوم وتولستوي وغيرهم من كبار المفكرين العالميين الذين ساعدت أفكارهم في زيادة وعي اليابانيين بأحوال العالم. 3- إرسال البعثات إلى الدول الأوروبية المتقدمة من أجل العلوم الحديثة. ثانيُا: منهج استنبات التكنولوجيا والاستفادة من الغرب “أدخلت اليابان العلوم والتقنية الغربية على مرحلتين: الأولى: عن طريق البضائع التامة الصنع، لتستبدل في ما بعد كونها تورث التبعية، وانتقلت إلى الاستنبات، عن طريق إعادة إنتاجها (وصل الأمر في بعض الأحيان إلى تفكيك قطار كامل، صُنع في أميركا، بعد تسلمه مباشرة، وصناعة آخر شبيهًا له. الثانية: أسبقية التقنية الحربية على التقنيات الأخرى المختلفة في دخولها إلى اليابان (المدافع والسفن الحربية) وقد بدأت عمليات التصنيع الرئيسة في اليابان بالصناعات التقليدية. ثالثًا: الإنسان الياباني فاعلًا في النهضة وحاملًا للمعنى يقول الكاتب هنا: إن أعظم اكتشافات اليابان هو الإنسان ذاته (…) فجوهر التجربة اليابانية هو الارتكاز على الإنسان (…) واليابانيون جماعة منتجة ظلت منذ فجر تاريخها تشترط لاستمرارها وتفوقها وتقدمها أن: كل يد ينبغي أن تعمل.


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة