جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
منبر البحث العلمي
صفحات من كتاب :التجربة اليابانية

المؤلف: سلمان بونعمان -1- يتناول الكاتب في مدخل كتابه مسألة “استئثار التجربة اليابانية باهتمام واسع في الخطاب النهضوي المعاصر، في محاولة للمقارنة بين النهضتين اليابانية والعربية” ويورد الكاتب دراسة لـ “شارل عيساوي” (لماذا اليابان؟) مثالًا على ذلك. ويعدّه بمنزلة “أول جهد علمي وفكري محكم في فهم ميزات اليابان وتحليل أسباب نهضتها، لماذا اليابان من دون بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية التي فعلتها في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؟ ولماذا ليس العرب؟ لينتقل “بونعمان” إلى تناول السؤال الذي طرح في الخطاب النهضوي في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينات: لماذا نجح اليابانيون وفشل العرب؟ ويضيف: خطابات النهضة العربية المقارنة بالنهضة اليابانية أنتجت تصورًا منهجيًا ومعرفيًا وتاريخيًا عميقًا بطبيعة الفارق في السياق التاريخي والحضاري بين المنظومتين” مشيدًا “بالتحليل المستفيض والعميق الذي قدمه المؤرخ محمد أعفيف في هذا الإطار بكتابه “أصول التحديث في اليابان 1568-1868” الذي يقول فيه: إننا لا نجد نعتًا آخر نصف به هذا الاطمئنان إلى المقارنة الممكنة بل والأكيدة عند ثلة من مؤرخينا ومفكرينا العرب، بين النهضة العربية والنهضة اليابانية سوى نعت المقارنة الساذجة”، إذ يبين المؤلف “أن المعجزة اليابانية لم تبدأ مع عصر “ميجي” في القرن التاسع عشر، وإنما استندت إلى مرجعية فكرية عميقة وطويلة بدأت منذ القرن 16 (…) فقد توافرت لدى اليابان مقدمات تاريخية باهرة، تشكلت على مهل طوال أربعة قرون سابقة على عصر “الميجي” ومعها حركة فكرية وسياسية عميقة، تدعو إلى الإصلاح والتغيير، وهكذا لم تشكل إصلاحات “الميجي” طفرة أو تطورًا تاريخيًا مفاجئًا سمّاه بعضهم معجزة منقطعة الصلة عما سبقها. يقول الكاتب: اختلفت أحوال اليابان عن أحوال البلدان العربية التي أخذت ترزح تباعًا تحت الهيمنة الاستعمارية المباشرة منذ أواسط القرن التاسع عشر، وكانت اليابان قد دخلت قبلها دورة كمون وعزلة حضارية وبخاصة منذ مطلع القرن السادس عشر، وهي اللحظة نفسها التي شهدت دخولها في دورة ممتدة للتطوير الحضاري”. ويضيف “بونعمان”: عن التجربة اليابانية تطرح أسئلة دالة تتعلق بفلسفة النهوض، وعلاقة الهوية والثقافة بالنهضة والتغيير (…) إن دراسة معمقة لمسار النهضة اليابانية في مختلف مظاهرها، تظهر بالملموس مدى فائدة دروس تجارب التحديث الآسيوية لإطلاق نهضة عربية جديدة”. يشير الكاتب إلى أن الأبحاث العربية عن اليابان تفتقر –في أغلبها- إلى الحد الأدنى من “التدقيق العلمي، ويطغى عليها الخطاب الانطباعي الانبهاري، في ظل غياب واضح للموضوعية الاجتهادية المركبة” ويرى الكاتب أن “أغلب الدراسات المنجزة طغت عليها مقاربتان: مقاربة انبهارية ومقاربة تبسيطية اختزالية”. الفصل الأول: إرهاصات النهضة اليابانية ينطلق الكاتب هنا من قاعدة مفادها: “نجاح التجربة اليابانية هو حصيلة مركبة ومعقدة من التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والحضارية التي عرفتها اليابان منذ القرن السابع عشر على الأقل” ويضيف: “فمرحلة الأسرة اليابانية توكوغاوا حكمت اليابان فترة 1603-1867، وهي المركزية في إقلاع باليابان”. وعن المتغير الحاسم لهذه المرحلة في التأسيس لنهضة اليابان يقول: “شهدت اليابان في هذه المرحلة تطورًا في المجال الاقتصادي، لا يقل أهمية عمّا شهده الغرب في المرحلة نفسها، وبلغت الثقافة اليابانية ذروة تألقها (…) وأهم ما تحقق في هذه المرحلة هو الأمن والاستقرار الاجتماعي والسياسي، فبعد حرب أهلية دامت قرنًا من الزمن؛ نعمت اليابان بفترة استثنائية من السلم، استمرت قرنين ونصف القرن (…) شهدت نموًا ديموغرافيًا غير مسبوق، وتوسعًا في المعرفة وبالقراءة والكتابة، وازدهار دور النشر والمسارح (…) كما تم إنشاء مدن جديدة، الأمر الذي يؤكد بروز ملامح حضرية ذات أنماط اجتماعية واقتصادية وثقافية متطورة، يسودها الترابط العائلي والعمل الجماعي (…) وكثرة المؤسسات التعليمية ونشاطها (…) وقد انبثق عن هذه التجمعات الحضرية الكبرى، فئة متميزة من التجار والصناع، عرفت في التاريخ الياباني بمصطلح “تشونين” وهو قريب من مصطلح البورجوازية، حيث رعوا نشأة عدد من الفنون وأنتجوا صنوفًا من الأدب، وعجّت الأحياء بالمسارح (…) وفي أواخر القرن الثامن عشر، عاش أدباء ورسامون كانوا طليعة تيار ثقافي جديد”. ويستطرد الكاتب قائلًا: “هناك أسباب كثيرة تفسر الازدهار الثقافي وتوجهه الشعبي، في مقدمتها التوسع الحضاري وتنامي سكان الحضر، وتمتع فئة التجار وسكان المدن بقدر من الثروة وارتفاع نسبة القراءة والكتابة، بالإضافة إلى تحسين المواصلات وسيادة الأمن والاستقرار السياسي”. ويضيف: عدّت أسرة توكوغارا أن التعليم أداة فاعلة لنشر التعاليم الكونفوشيوسية (…) وهدفت السياسة التعليمية إلى التركيز على الجانب القيمي والأخلاقي وترسيخ مبادئ الفلسفة الكونفوشيوسية (…) وبرز في منتصف القرن الثامن عشر تيار قومي يركز على الثقافة المحلية والقومية اليابانية، ويدعو إلى إعطائهما الأولوية في مجال التدريس (…) وبلغت دور النشر في آخر عصر توكوغارا زهاء 3000 دار، وتحررت المطبوعات من هيمنة الموضوعات الدينية (…) وإن متوسط ماكان يطبع من العناوين يراوح بين 400 و600 عنوانًا سنويًا (…) وشكلت المكتبات ومحلات الإعارة الخاصة عنصرًا آخر ساهم بشكل كبير في رواج الكتاب وتداوله”. يقول الكاتب: “تبلور الفهم العلمي وحب المعرفة وانتشارها المجتمعي، في تواصل أعداد مهمة من العلماء والباحثين اليابانيين مع الألمان في جلسات علمية، وتعلموا اللغة الألمانية، وترجموا إلى اليابانية عددًا من مستجدات البحوث العلمية (…) ما سمح بتطور بارز في عدد من التخصصات العلمية والانفتاح على حقول معرفية وتقنية متنوعة (…) ومن أهم المشروعات التي أقدمت عليها سلكات توكوغاوا في التعرف على ثقافة الغرب، هو خطوة مأسسة مشروع الترجمة عام 1811م”. ويستشهد الكاتب بما أورده الباحث محمد أعفيف بقوله: إن جهد الرعيل الأول من دعاة الأخذ بثقافة الغرب قد أثمرت، وكان من نتائجها إنشاء معاهد خاصة بالدراسات الهولندية (…) وكان تأثيرها بالغًا، ففيها تخرج كثير من رواد الإصلاح وزعماء حركة “الميجي” (…) فهذه المعاهد اتسمت بحرية البحث والانفتاح على الآخر وثقافته، وكان اليابانيون بفضلها في نهاية القرن الثامن عشر أكثر الشعوب القريبة من أوروبا اطلاعًا على الثقافة الغربية. أولًا: جدلية الانفتاح والانغلاق في الثقافة اليابانية يقول الكاتب: إن تفاعل البيئة والإنسان والمجال، أكسب اليابانيين تفردًا وارتباطًا قويًا بالمجال، وصل إلى حد التقديس، وخلق ملامح الشحصية اليابانية (…) وساهم التجانس الثقافي والعرقي -بوساطة لغة متفردة ومعتقد ديني يقدس الإمبراطور ويسترضي الطبيعة- في استنبات ثقافة قومية ذات ملامح قوية يصعب محوها، فهي ثقافة تنفتح على الآخر، غير أنها تنتقي وتستوعب ما تراه ملائمًا لها من أصالتها (…) فمن الصين أخذوا البوذية وتعاليم الكونفوشيوسية ورموز الكتابة ونظم الإدارة والحكم وفنون الشعر والعمارة والرسم (…) وإن حدود تعاملها معها كان في حدود الاستفادة العملية (…) ولم يكن اليابانيون مقلدين أو مستهلكين، بل أعادوا إنتاج ما أخذوه ومنحوه صبغة محلية متميزة تكاد تتفوق على الأصل (…) وبرهنت الثقافة اليابانية في القرن الثامن عشر على حيويتها؛ إذ كانت الأساس لتيار قومي يدعو إلى التخلي عن الثقافة الصينية وإحياء القيم الأصلية التي شكلت جوهر إصلاحات الميجي. “لقد شكل الانفتاح الياباني على الثقافة الصينية في فترة مبكرة، وانفتاحهم على الثقافة الغربية في فترة قريبة، تجربتين في تاريخ اليابان، ففي أواخر القرن السادس عشر، تطلع اليابانيون إلى الصين ونهلوا من معارفها ومعتقداتها وفلسفتها لينسجوا على منوالها حضارة تكاد تضاهي الأصل. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تطلعوا إلى الغرب واستفادوا من خبراته التقنية والعلمية والعسكرية”. ثانيًا: دور العزلة الطوعية في نهضة اليابان يزعم الكاتب أن خصوصية التجربة اليابانية تكمن في إحساس اليابانيين المبكر بخطر التدخل الخارجي، بعد أن نصّر مبشرون مسيحيون ما يزيد على 300 ألف ياباني، وهي نسبة مهمة قياسًا بسكان اليابان قليلي العدد في مطلع القرن السابع عشر “اتخذت اليابان قرارًا بتصفية الركائز المحلية التي بناها الغرب في اليابان طوال ما يقارب قرنًا من الزمن 1543-1637م والدخول في عزلة طوعية لحماية اليابان من مخاطر غزو خارجي (…) ومُنعت الإرساليات الأجنبية عن العمل في اليابان ومنع تصدير الأسلحة اليابانية إلى الخارج (…) ومنعت الديانة المسيحية نهائيًا في اليابان (…) ومنعت اللغات الأجنبية وعدم ترجمة نصوص منها إلى اليابانية (…) وشهدت مرحلة العزلة الطوعية عن العالم الخارجي 1637-1853 ولادة تطور الوحدة السياسية والإدارية القومية في اليابان (…) وسمحت لها تلك العزلة بتطوير قواها الذاتية وتصليب وحدتها القومية وتنمية ثقافتها الخاصة. يضيف الكاتب: شهدت مرحلة توكوغارا تحولات مهمة على مختلف الصعد، تبلور خلالها كثير من الإيجابيات بصورتها الجنينية التي ستصبح القاعدة الأساسية للفكر السياسي الياباني في مرحلة النهضة الأولى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ تخلى أغلب حكام المقاطعات عن نزعتهم الانفصالية وخضعوا طوعًا للسلطة المركزية. يشير الكاتب إلى خاصية “نقص الموارد الطبيعية في اليابان” وكيف كان لها الفضل الأكبر في توجه الإدارة إلى الاستثمار في الإنسان بوصفه القاعدة الصلبة لكل إصلاح وتغيير إيجابي يهدف إلى تدارك الفجوة الحضارية مع الغرب. ويؤكد أن هذا الخيار “ساعد في تجانس المجتمع الياباني وتلاحمه اجتماعيًا، وخلوه إلى حد بعيد من عناصر التوتر الداخلي التي تقطع الطريق على التغيير الدائم بوتيرة متصاعدة.


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة