جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصقيع الملتهب- 13

المؤلف: محمد خير الوادي . عمق اعتراف نينا اندريفنا قناعة ابنتها ، من ان سالم لا يتحمل المسؤولية كلها ، لا بل انها قدرت التزامه بوعده لوالدتها ،ولم يخبرها بما طلبته منه أمها من ضرورة اختفائه . ومع ذلك ، فان قلبها لم يسامحه. كانت ناتاشا مسؤولة عن اعتماد اسماء الوفود ومنحها بطاقات الدخول الى الندوة، ونسخ الابحاث التي ستلقى وتوزيعها ، ولذلك كانت متأكدة ان سالم سيحضر اليها أولا. ارتدت الفتاة أجمل ما عندها من ثياب ، وذهبت مبكرة – على غير العادة – الى مكان انعقاد الندوة . جلست ناتاشا خلف طاولة كبيرة ، وحضرت الوفود تباعا . وعندما اقترب الوفد السوري ، عرفته . كان يرتدي طقما اسودا انيقا ، وظهرت خطوط من الشعر الابيض على صدغيه ، وعلى شاربيه اللذان اطلقهما خلال فترة غيابه عنها. ارتبكت المرأة ، واطرقت رأسها وتفادت النظر اليه . كان سالم مشغولا بحديث مرح مع احد اعضاء الوفد ، ولما جاء دوره ، قدم لها جواز سفره دون ان يهتم بها . دونت ناتاشا المعلومات الخاصة به بيد راعشة، وطلبت منه مرافقتها من أجل اخذ صورة فورية له .اثار صوتها اهتمامه ، فهو يعرف رنته ويميزه من بين مئات الاصوات . دقق النظر فيها وهو يتبعها . انه يعرف هذه المشية ، هذا القوام ، اسرع اليها ونظر في وجهها وقال: - ناتاشا ، اهذه انت ؟ صمتت الفتاة وشعرت ان قلبها سيقفز من صدرها ، وتوتر نفسها ، وتفصد من جبينها عرق بارد . - سالم . - اجابت المرأة بصوت منخفض – لقد انقضى دهر على مغادرتك - يا لها من مصافة سعيدة. ، اتصلت بك أمس ، ذهبت الى البيت .تمتم سالم بتأثر . - اعلم . لقد قرات قصاصتك ، واعرف عن مشاركتك في الندوة.هتفت ناتاشا بصوت خافت. هم سالم بضمها ، لكنه تراجع عندما احس بعيون كثيرة تراقبه،.بما فيها عينا عضو الوفد الذى مزح معه أمس . - ادعوك اليوم الى العشاء في مطعم براغ بعد الجلسة المسائية . اقترح الرجل . - حقا؟ -علٌقت ناتاشا بنشوة– يبدو ان وضعك المادي جيد ، فهو مطعم غال جدا .حسنا ، سآتي ، لكن لن أكون لوحدي . ابتعدت المراة لمواصلة عملها ، فقد تحلق عدد من الوفود حول طاولتها . اضطرب سالم ، واسترجع كلماتها التي هزته من الصميم : - لن أت لوحدي. وسأل نفسه : هل يعني هذا انها ستأتي مع أمها ؟ام انها قد تكون متزوجة وستحضر مع زوجها ؟ وهل لديها أولاد ؟ اذا كان الامر كذلك ، فعلى الحب السلام .اكفهر وجهه ، وغامت الدنيا في عينيه .وأخرج لفافة تبغ ، وأخذ منها نفسا طويلا . نظر الى ساعته : بقي اربع ساعات على الموعد . سيشغل نفسه بالجلسه ، وسيعيد قراءة البحث الذي سيلقيه غدا ، وسيغتسل وبعدها سينطلق الى المطعم . جرى اللقاء في احدى امسيات شهر تموز الحارة في موسكو . فعلى الرغم من ان عقارب الساعة كانت تقترب من التاسعة مساء ، الا ان الشمس كانت لا تزال ساطعة ، وتغمر باشعتها الذهبية المدينة كلها . ويقع مكان اللقاء عند مدخل احد اعرق شوارع موسكو واقدمها، وهو شارع اربات القديم المخصص للمشاة، والذي يرتاده عادة هواة الفن والادب ، والرسم والغناء او محبو قضاء اوقات ممتعة في المقاهي المنتشرة على الارصفة .وقد غص الشارع الذي ازدان بالتماثيل واللوحات والصور ، بالمارة ،أغلبهم نساء ، ارتدين البسة خفيفة وبالغن في اظهار مفاتن اجسادهن. وقف سالم ، الذي وصل مبكرا الى المطعم ، أمام نافذة كبيرة في الطابق الثاني تطل على الشارع ، وصار يراقب هذه اللوحة البشرية الجميلة . وفجأة اطلت ناتاشا من وسط الزحام . كانت ترتدي ثوبا من الحرير الزهري ،وتضع على راسها مشبكا اسودا لتثبيت شعرها الاشقر الذهبي .ورغم ان عمرها قد تجاوز قليلا السابعة والثلاثين ، الا انها احتفظت بجمالهاالأخاذ ،وانوثتها الجذابة ولياقتها اللافتة للانظار . كانت أمها برفقتها ، وقد بدا الكبر على مشيتها البطيئة ، وتأبطت ناتاشا ذراع رجل طويل، لم يتبين سالم ملامحه بدقة . وقد اثار ظهور الرجل هواجس مزعجة في نفس بطلنا ، فتعكر مزاجه ، وامتقع وجهه ،وأدار ظهره للنافذة .بعد دقائق وصلت المرأة وصحبها .بادر سالم بالقاء التحية على معلمته وصافحها بحرارة ،وأراد معانقة ناتاشا ، لكنها صدته برفق وأكتفت بمصافحته . واقترب سالم لالقاء التحية على الرجل الذي اثار خشيته ، فتبين انها شاب في الخامسة عشرة من عمره ، طويل القامة ذو ملامح شرقية وشعر ناعم اسود ، ضربت وجهه سمرة خفيفة . تنفس سالم الصعداء ، وقال في نفسه : - الحمد لله انه ليس زوجها ، ولكن قد يكون ابنها لزوج من منطقة القفقاس ، فالرجال هناك لهم ملامح عربية . اقلع سالم عن هواجسه هذه مؤقتا ، وعادت الابتسامة تملأ وجهه . - المهم - فكر هو - ان ناتاشا موجودة ، بغض النظر عن وضعها الاسروي . ثم لماذا يغضب منها ان هي اقترنت برجل آخر . هو نفسه متزوج و، ولذلك لا يحق له الامتعاض منها . قبيل وصولهم ، احضر نادل قائمة الطعام لسالم ، الذي اعادها مخاطبا عامل المطعم : - اترك الخيار اليوم لك ، اريد مائدة فخمة .فلدي ضيوف اعزاء . - سابذل جهدي . اجاب النادل. وحيا زبونه بانحنائة صغيرة وانصرف .و لم يبخل في تقديم ما اشتهر به المطعم . جلس الجميع خلف طاولة تضم ما لذ وطاب من المأكولات الروسية . من كافيار اسود ، الى سمك أحمر مدخن ومكعبات الزبدة المالحة وانواع كثيرة من الخبز المحمص ، وفطورمشوية مع الكريما ، اضافة الى سلطة " العاصمة " الشهيرة و طبق كبير يحتوي انواعا مختلفة من الاسماك والقريدس ، وآخر من اللحوم المشوية . وآنية طافحة بحساء الملفوف الروسي الشهير ،وغير ذلك . تبادلت الام نظرات الدهشة مع ابنتها ، التي هزت راسها ، وزمت شفتيها ورفعت حاجبيها باعتداد واعجاب.فقد سرها ان أولم سالم بكرم ، كانت بحاجة ماسة لهذه اللفتة من صديقها أمام امها وابنها . وكعادة الشرقيين ، بدأ سالم بالحديث مع الاكبر سنا على الطاولة وهي نينا اندريفنا .سألها عن صحتها ، وعن عملها وعن زوجها . وهنا امتلأت عينا الام بالدموع ، واخرجت من حقيبتها منديلا مسحت وجنتيها وصمتت بعد أن أطرقت راسها حزنا . تولت ناتاشا الكلام : - لقد توفي بابا منذ سنوات بجلطة قلبية حادة . لم يدر سالم ما يقول ،فالمتوفي وقف في طريق صداقته مع ناتاشا ، وهو الذي اجبر أمها على الطلب منه الاختفاء . ومع ذلك فلا شماتة في الموت . استجمع سالم قواه ، وخاطب المعلمة : - البقية بحياتك ، فالموت حدث مؤلم دائما للاقرباء . كانت ناتاشا تحبه كثيرا ، وحبها هذا انتقل اليٌ احتراما وتقديرا له . - شكرا . اجابت المعلمة بصوت مكسور .واضافت : - بالنسبة لعملي ، فان أحلت على التقاعد ، فلم تعد لدي القوة السابقة للذهاب يوميا الى المعهد . - انت فضلك علي كبير ، ولن انسى ابدا حرصك على تعليمي اللغة الروسية .قاطعها الرجل . - يبدو انك بدأت تنسى اللغة الروسية ، فصرت تكثر من الاخطاء في حديثك . قالت المعلمة وقد انفرجت اساريرها . - منذ خمسة عشر عاما لم اتكلم الروسية ، وهذا خطأ كبير سأصححه .ووجه نظرة ذات مغزى نحو ناتاشا . لفت نظر سالم احجام ناتاشا عن تقديم الشاب له ، وحاول جاهدا تفسير سلوكها ، ولكنه لم يعثر على جواب شاف. ، اهو ابنها ؟ ام ابن جيرانها او قريب لها ؟ . طغى عليه الفضول ، وقرر ان يتولى الامر بنفسه . خاطبه: - ما اسمك ؟ - سالم – اجاب الشاب . صعق سالم الاب ، وسأل نفسه: هل يعقل ان يحمل هذا الشاب اسما عربيا ، واسمه بالذات ؟.وفكر ، لعله ابن لقريبة لها تزوجت من عربي .شعرت ناتاشا بما يدور في خلد الرجل ، ولذلك غمزته للحاق بها ، واعتذرت لامها واعلمتها انهاستغيب للحظات . بعد دقيقة تبعها سالم الاب .عثرت المرأة على مكان قصي في احدى قاعات المطعم ، خال من الزبائن . وجلست هناك . حضر سالم . بادرته بالكلام : - هنا يمكننا الحديث بهدوء ، لا أريد الان الدخول في تفصيلات حياتك . الظاهر ان كل شيء لديك يسير على مايرام . اعرف بماذا تفكر بشأن الشاب . - هل هو ابنك ؟ عاجلها سالم بالسؤال. - نعم . - ومن ابوه ، هل انت متزوجة ؟ واصل سالم . - لا ؟ اجابت المرأة . - كيف ذلك ، تقولين انه ابنك وانت لست متزوجة ، اذا هو ابن من ؟ قال سالم بلهفة . - ابنك انت . لقد رفضت الزواج طيلة هذه السنوات ، وخصصت حياتي لتربيته .فهو - بالنسبة لي- كل شيء . وقد اطلقت عليه اسمك ، لتبقى ذكراك حية في قلبي.ولم اخبر ابني شيئا عنك ، قلت له ان اباه سافر ولم يعد . لم اشأ الاثقال عليه ،وزجه في مشكلات لا ناقة له فيها ولا جمل. باختصار - تابعت ناتاشا – انه لا يعرف انك ابوه. - ابني انا ؟ - الحمد لله ، صار عندي ابن وناتاشا لم تتزوج وهي لا تزال تحبني انا.- صرخ سالم بفرح – وقفز اليها ، وعانقها . حاولت المرأة التملص منه ، ولكن ذراعيه كانتا أقوى . عندها بدأت تلطمه على صدره بكفيها وهو يشدها اكثر اليه . صار اللطم اخف ، وارتخت يدا ناتاشا ، وطوقت عنقه، واستسلم الاثنان لقبلة حارة ، لذيذة ، اذابت الصقيع الذي غلف قلبها سنوات ، وبددت ضباب الحرمان والفراق الكثيف .في تلك اللحظات الحلوة اللذيذة ، شعرت ناتاشا وكأن حبيبها لم يهجرها سنوات ، واحست بجدول الحب يتدفق مجددا في قلبها ، فيسقي عطشها ، ويروى ما جف في روحها . وادركت ان حبها لسالم قد انتعش مرة اخرى ،وان غيابه عن عينيها لم يسقطه من قلبها .فالحب الحقيقي يشبه حبات قمح جافة ،لاتذوي ولا تموت مع الزمن ،لأنها تختزن اسباب الحياة فيها , وتنبت من جديد سنابل خضراء تملأ الافق جمالا وروعة ، وتحمل في حناياها بذورا ذهبية جديدة. ارخت رأسها على كتفه طويلا ، بينما استسلم هو لدفء لذيذ، سرى في كيانه كله . شعرت المراة بارتخاء في مفاصلها ، وبدوخة عابرة في رأسها من فرط الانفعالات . فارتخت ركبتاها ، وجلست على الكرسي . اخذت نفسا عميقا ، واصلحت تسريحة شعرها ، وقالت بصوت مرتجف : - انا لن أخبر سالم الصغير بشيء الان . بداية يجب ان تتعارفا ، وان تتقرب منه كي تفوز بصداقته . - انا مستعد لفعل اي شيء من أجله . اجاب سالم الاب بسرعة . بعد الندوة استأذن سالم البقاء في موسكو لاسبوع آخر . في النهار كان – اثناء عمل ناتاشا لا يفارق ابنه ، بينما يخصص المساء لها. غمر سالم الشاب بعواطفه وبسيل من الهدايا ، ونشأت بينهما علاقات من الود والتفاهم والاعجاب المتبادل .في آخر يوم لوجود سالم في موسكو ، ذهب الثلاثة : سالم وناتاشا والشاب الى مقهى للوجبات السريعة التي يفضلها الابن . وبعد العشاء ، وقفت ناتاشا أمام ابنها ، وسألته : - هل يعجبك صديقك الجديد ؟ - نعم جدا . اجاب الشاب بعفوية . - هل تود الاستمرار بصداقته ؟ نعم . قال الشاب . - والان اسمعني جيدا . واخبرته بالحقيقة كلها . - هل تدرين – علق الشاب ضاحكا – لقد شككت بالامر ، فهو يشبهني تماما واسمه مثل اسمي . (يتبع)


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة