جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصقيع الملتهب -10

المؤلف: محمد خير الوادي . توقع الشاب ان تبدأ ناتاشا الكلام ، لكنها التزمت الصمت . وهوفعل الامر نفسه ، لأنه لم يرغب في نكأ جراحها والضغط على مواطن الالم في روحها ،و تظاهر بترتيب بعض الاوراق والكتب على الطاولة ، بينما كان يراقبها خفية . مرت على هذه الحال عدة دقائق كانت تزحف ببطء ، اقترب منها وقال مداعبا : - اظن ان الغرفة ليست خاوية ففيها اجمل الفتيات ، وفيها ايضا شاب يتحرق شوقا لضمها . وجلس بالقرب من ناتاشا وداعب خصلات شعرها .عادت البسمة الى محيا الفتاة ، وبادرت بالقول : - كان حديثا صعبا ،فامي انحازت بالكامل الى والدي ، وهي لا تريد ان تفهمني . انعصر قلب سالم ، فهو يشعر انه بات سببا لما حدث بين ناتاشا ووالديها ،واطرق برأسه الى الارض . لاحظت الفتاة تعابير الشجن على وجه سالم ، وادركت انه يعاني ،وخاطبته : - دعنا من الحزن الآن ، فلدينا امر واحد ينبغي الفراغ منه خلال الاسبوعين القادمين . علينا ان نستعد جيدا للدفاع عن اطروحتينا .وبعدها نفكر بالمرحلة القادمة . توافق الشابان على ذلك ،ونذرا نفسيهما لاستكمال التخرج من الجامعة . شعر سالم أن الوقت يمر بسرعة . وكانت تنتظره اعمال كثيرة قبل الدفاع عن اطروحته . كان عليه ان ينال مباركة مشرفه العلمي النهائية على رسالته ، وانهاء طباعة عدة نسخ منها وتسليمها للجهات المختصة ،وان يعد دفاعا علميا أمام اللجنة الفاحصة ،وتنظيم حفل لائق للتخرج ، يدعو اليه اصدقاءه وزملاءه .ولم تكن ناتاشا- كعادتها - غائبة عن ذلك ، على الرغم من انها هي نفسها تنتظرها الخطوات ذاتها للتخرج . لكنها آثرت مساعدة سالم ، فتولت تدقيق اطروحته لغويا و تنظيم حفل تخرجه . مرت هذه الاجراءات كلها بسلام ، ونال سالم درجة الدبلوم بامتياز . وكذلك فعلت الفتاة . ذات مرة ، وبينما كان الشاب يخرج من مكتب عميد الاجانب في الجامعة ،بعد ان صدق بعض الوثائق ، اصطدم بمعلمته التي اعترضت طريقه .لم ينتبه بداية لذلك ، لكنها نادته بالاسم ،فالتفت اليها مشدوها .وبادرته بالكلام : - مبارك تخرجك ، وحصولك على الدبلوم بامتياز . هذا يسعدني جدا . - نينا اندرييفنا –قال سالم مدهوشا – ،يا لها من مفاجأة سارة . شكرا جزيلا على تهنئتي ، ولك الفضل في ذلك كله ، واعذريني لانني لم ادعوك الى حفل التخرج . - أود ان اتحدث معك على انفراد .رجته المعلمة. - لاباس. أجاب سالم ،وقد توجس من ذلك واجتاحه قلق شديد من اعادة الحديث عن علاقته مع ابنتها مرة أخرى. - اذا ،فلنذهب الان الى حديقة الجامعة . قالت المعلمة . جلس الاثنان على مقعد طويل تظلله شجرة تفاح عملاقة . وشخص سالم بنظره الى الاعلى ، فرأى بعض ثمار التفاح الغضة الصغيرة . تذكر لقاءه بناتاشا ، وكيف حملها على كتفيه لقطف حبة من التفاح الناضج. كان ذلك قبل سنوات . وشاء القدر ان يجلس مع امها الآن تحت شجرة مماثلة . يا لها من مصادفة! فكر الشاب في نفسه . بدأت المعلمة الحديث بصوت مبحوح : - اود ان اشرح لك بعض الامور ، وارجو ان تصغي الي حتى النهاية . تحدثت المعلمة طويلا ، كيف بدأت معه من الصفرفي تعليم اللغة الروسية ،وشجعته على ممارسة الانشطة الثقافية والادبية ،والانخراط بالحياة في روسيا . ،وكيف توسمت فيه الخير ، وذكرتٌه من انها لم تمانع بداية في صداقته مع ابنتها . واضافت المعلمة بصوت لا يخلو من مرارة : - لكن تبين ان هذه الصداقة التي تطورت الى حب ، باتت تلحق أذى كبيرا بزوجي وبي وحتى بناتاشا .وقد اقترحت عليك مرة – كمخرج - ان تبقى في روسيا ، ولكن تبين – بعد السؤال – ان ذلك مستحيل ، لانه يتوجب عليك ،بما انك موفد من الدولة السورية ، العودة أولا الى بلدك ، والايفاء بالتزاماتك هناك ،وبعد ذلك يمكنك القدوم للعيش في روسيا . وصمتت المعلمة وبلعت ريقها ، واخذت نفسا عميقا ،واستأنفت الحديث: -ان وضع زوجي الوظيفي بات مهددا ، وقد وجهوا له انذارا ثانيا قبل ايام ، ثم ان فكرة الفراق مع ابنتي الوحيدة تعذبني كثيرا،وقد تحولت الى كابوس ثقيل يقض مضاجعي . وانت رأيت كيف هجرتنا ناتاشا ، وآثرت العيش معك ،حتى انها لم تخبرنا بموعد دفاعها وتخرجها من الجامعة .وبت اشعر الان ،ان اسرتنا كلها باتت على حافة الانهيار . طفرت دموع غزيرة من عينيها ، وتناولت منديلا جففتت وجنتيها المبللتين ،وحاولت الاستمرار بالحديث ، لكن صوتها تلاشى ، واجهشت بالبكاءوضمت يديها الى صدرها ، وتوجهت اليه بصوت مخنوق بعدما وقفت أمامه : - ارجوك ، اترك لي ناتاشا ، لا تدمر اسرتنا ، اتوسل اليك ، ابتعد عنها .اختفي من حياتنا .فمن يحب لا يعذب حبيبه ولا يجلب الشقاء له. صعق سالم. فمعلمته التي تحظى على الدوام بتقديره واحترامه ، تتتوسله بحرارة ! لقد كان يجلها ،لانها لم تبخل بوقتها وجهدها لوضعه على سكة النجاح ،لا بل انه اعتبرها بمنزلة أمه الثانية، فهي قد غمرته باهتمامها وعطفها . كُبر هذا الامر عليه ،وهزٌ كيانه كله ،ولم يجد وسيلة أخرى للتعبير عن اسفه سوى ان يقترب منها ويأخذ بيدها و ،ويجلسها على المقعد. ارتبكت المعلمة ،وأحمروجهها خجلا، وبادرته بصوت خافت وقد طأطأت رأسها : - اعذرني فانا منفعلة جدا ، ولم أعد ادري ماذا أفعل . انت اثير لدي ،وابنتي واسرتي كذلك ، رباه ،ساعدني على الخروج من هذا الالم . - سأفكر بالأمر -قال سالم بصوت حزين محطم – . - ارجوك فكر سريعا -قاطعته المعلمة - فانا لم اعد قادرة على الاحتمال ، ولا تخبر ابنتي بلقائنا ، وليبقى سرا بيننا .وغادرت في الحال . هام الشاب على وجهه ،ومشى دون هدى ،ونشب في داخله صراع عنيف ،لم يعهده من قبل ، وانفجرت في دماغه اسئلة حارقة كحمم بركان ،وثقيلة كرصاص مصهور : - هل ستكون ناتاشا – بعد هذا الذي حصل -سعيدة فعلا معه ؟وهل هو قادر على توفير مقومات الحياة السعيدة لها ؟ ثم كيف ستكون هانئة وهي تخاصم والديها ؟ وهل يمكن التلذذ بسعادة ،تحمل البؤس والشقاء للآخرين؟ وتابع سالم حبل افكاره ، وهو يهيم على وجهه في حديقة الجامعة : صحيح انه يحترم معلمته ، ولكنها الآن تطلب منه المستحيل ، تطلب ، ان يبتر جزءا عزيزا من كيانه ، وان يشطر قلبه ، ويدمي روحه . ثم ان الفتاة أخبرته مرارا ، أنها لن تتخلى عنه مهما كان الثمن ، وبرهنت على ذلك عندما ابتعدت عن اهلها من أجله .وهو مستعد الآن لفعل الامر نفسه من أجلها ، ان يبقى في موسكو لأنه يحبها حتى العبادة ، و ليس من العدل ان يتركها لوحدها في هذه المعمعة . التقط سالم غصن شجرة القته الرياح على الارض، وبدأت اصابعه المرتجفة تعبث به وتنزع الاوراق عنه .اراد بذلك التخفيف من وطأة الصراع العنيف الذي يكتنفه ،ويكاد أن يفجر رأسه ،ولكن هذه الحركة لم تسعفه . توقف عن المشي واستند الى ساق شجرة عملاقة ،واغمض عينيه ،وسرح بعيدا في الزمن . تذكرواقعة حدثت معه وهو في الصف السابع ،عندما شاكس معلمته التي شكته للمدير وهي تصرخ بحدة : - اما انا في الصف ،واما هذا التلميذ الازعر . وأشارت بالبنان اليه ، وكيف أجابها المدير بهدوء: - اهدأي يا ابنتي ، لا تكوني حادة في الحياة ، فكل مشكلة ولها حل . وتشبث سالم بهذه الفكرة : كل مشكلة ولها حل ، ولكن ، كيف ومتى سيجد الحلول لمشكلته هو ؟ استرد قليلا من هدوئه ، وعادت قدرته على التفكير ، وبدأ يطرح السبل الممكنة للخروج من أزمته هذه، وفي مقدمتها امكانية بقائه مع ناتاشا في موسكو . ولكن هذا الخيار مشحون بالمخاطر ،فهو سيفاقم وضع ابيها الوظيفي وسيخلق عداءا دائما معه، وستنتج عن ذلك عواقب وخيمة ، سيكون هو المسبب لها . وتجهم وجهه، وانعصر قلبه عندما تذكر ما قالته أمها للتو، من ان الانظمة لا تسمح له بالبقاء بعد الدراسة مباشرة في روسيا ، وان عليه أولا العودة الى بلده وتسوية وضعه هناك. اذاً - فكر سالم – في هذه الحالة ، بقي ان تسافرناتاشا للاقامة معه في سورية ، وهي موافقة على هذا الامر .وشخٌص مشكلات هذا الاحتمال : مشكلتها مع والديها ستبقى قائمة ،ثم انه لن يتمكن من تسجيل زواجه في سورية قبل انهاء الخدمة الالزامية ،التي قد تطول سنوات كثيرة تبعا للحالة السياسية في البلاد.صحيح ان الفتاة ابدت استعدادا لانتظاره مهما طال الزمن ، ولكن هذا يبقى نظريا ولا يعرف كيف سيبدو الامر في الواقع . فضلا عن ذلك ، ستتوتر علاقاته مع ابيه الذي وجد له عروسا ، وسينعكس ذلك على حياته كلها . فسالم ترعرع في مجتمع شرقي محافظ ، حيث مقام الأب في الاسرة مختلف عن وضع الآباء في روسيا . ففي العائلات الشرقية يملك الاب – عادة - سلطة كبيرة. فهو الذي ينفق على أولاده ، وفي أحاين كثيرة ،يحدد مصيرهم ومستقبلهم .والوالد قادر على معاقبة من يعصيه من ابنائه ماديا ،عبر حرمانه عمليا من الميراث ، لأن من حقه ان يبيع أملاكه أو يسجلها باسماء البارين من أولاده وحرمان العاقين منهم .ثم ان سالم غير مهيأ ماديا– لا سيما في الفترة التي تلي تخرجه – من البدء بحياة مستقلة تماما عن أبيه . فهو سيكون عمليا بلا دخل خلال سنوات الخدمة في الجندية ،وليس له ملاذ سوى ابيه ، كما أن سالم بحاجة الى علاقات والده الواسعة للفوز بوظيفة لائقة . والاهم من ذلك كله ، ان سالم يهاب والده منذ الصغر ، وهذا الاحساس لم يتضاءل بمرور الوقت . وتفهٌم أمه لعلاقتة مع ناتاشا ،لا يغير الامر كثيرا ، لأن الكلمة الاخيرة في الاسرة لا تعود لها . لو تسنى له العيش في موسكو ، لخرج عن سلطان ابيه ، لكنه في دمشق سيكون عاجزا عن ذلك واسترسل الشاب في مناقشة الحلول الممكنة : - ثم ان ناتاشا اختصت بالتاريخ ، ولن يكون من السهولة العثور على عمل لها في سورية . فلو كانت طبيبة أو مهندسة ، لتغيرت الامور،ولفتحت أمامها مجالات كثيرة ، وخاطب نفسه : - كيف يمكن ان أتصور ناتاشا ، وهي فتاة في مقتبل العمر ،قوية الشخصية ،أبية ، صلبة الارادة ،وتملك طاقات لا تنضب من المبادرات والانشطة الخلاقة ، عاطلة عن العمل؟ اختلطت الامور في رأسه ، ولم يعد يدري ماذا يفعل . فخياراته كلها مؤلمة ومُرٌة .وكان الشي الوحيد الواضح والمتيسر له ، ان يمشي ويمشي ، لان التوقف عن الحركة سيفضي به الى السقوط في هاوية اليأس والعجز التام ,ويؤجج مزيدا من الحرائق في روحه . قطع شارعا عريضا ، وقادته قدماه الى حافة تلال لينين الخضراء،التي تتربع عليها جامعته الشاهقة ،الشبيهة بحصن اسطوري بديع . وسرح بنظره في أفق منظر مهيب . كانت المدينة مستلقية في الاسفل ، يحتضنها نهرموسكو العظيم ، الذي يربطها ببحار العالم ومحيطاته ، وكانت اشجار الصنوبر والصفصاف والبتولا والكستناء تكسو سفح التل ، وتحوله الى بحر اخضر ،تتماهي اطرافه مع زرقة مياه النهر.لقد أحبت ناتاشا هذا السفح واختارته مكانا للقاءاتهما . كانت هذه التلال اثيرة لديها ، وصارت الان جزءا من كيانه . فكل نسمة هواء تهب هناك ، مشبعة بعبق عطر فتاته ، ولا يزال يسمع صدى ضحكاتها الطفولية ،وهي تداعب باصابعها النحيلة الناعمة ، ذوائب الاشجارالناعمة ووريقاتها الغضة ،وتشم ازهارها الفواحة . وكل ممر هناك يذكره بمشيتها الغانجة ،ويردد أصداء صوتها الملائكي . اغرورقت عيناه بالدموع ،وغلفت سحائب الحزن روحه ، وشعر بتنفسه يضيق ، وناجى نفسه بالقول: - لقد خلق الله الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا، ليتحابوا ليعيشوا معا ، لا ليرفعوا حواجز التفرقة ،ويسخٌروا القوانين معاول لتهديم جسورالحب ، وحفر الخنادق بين القلوب ، واغراقها بدموع الحزن والفراق ! فهذه الحواجز والقوانين باتت عقبة كأداء امام حياته مع ناتاشا ، وهي- كالغول – تفترس حبه واحلامه . فكر سالم باطلاع فتاته على هواجسه هذه. ولكنه أقلع عن ذلك لانه لا يرغب في تعذيبها ،ولا يستطيع اخبارها الحقيقة كاملة عن لقائه بامها، لا سيما طلبها منه الابتعاد عن ابنتها، والخروج من حياتها . طبعا لن توافق ناتاشا ابدا على هذا الامر، فهو يعرفها جيدا ، ولن تستسلم ، وستتفاقم الخصومة مع والديها ، وستورث مزيدا من التعقيدات . .ثم ان الفتاة لاتدرك الصعوبات التى تنتظرها في سورية ،و لا تعرف ما خطط له ابوه بتزويجه من فتاة أخرى . رنت في اذنيه كلمات المعلمة : من يحب لا يعذب حبيبه . وهو مغرم بناتاشا ، وطبعا لا يود الحاق ادنى أذى بها ، أو التسبب في معاناتها.واتخذ قراره الذي سيغير مجرى حياته . (يتبع)


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة