جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصقيع الملتهب-9

تأليف : محمد خير الوادي . قضى الشاب ايام العطلة الطويلة كلها في بيت ناتاشا ، وعادا كما كانا-عاشقين ، يستمتعان بطلاوة الحب ، ويرشفان من نبيذه المسكر . حتى المعلمة التي كانت تنتظر جوابا من الشاب ، تخلت عن ذلك . فهي لا تريد افساد اجواء السعادة الغامرة التي تعيشها ابنتها . وذات ليلة ، رأى سالم حلما ازعجه واثار مخاوفه من جديد .فقد شاهد ابيه جالسا في البيت ، وقد تحلق حوله بعض الضيوف ،بمن فيهم المرأة الغريبة التي زارتهم وابنتها . كان والده يروي ،بصوت عال ، نجاحات ابنه الذي سيعود قريبا من الدراسة .وفجأة اقتربت منه المرأة وهمست شيئا ما في اذنه ، فقهقه الاب عاليا وهو يردد: - طبعا ،بالتأكيد ، فنحن ننتظره على أحر من الجمر . وتقدم ابوه نحو البنت ودعاها ، بلطافة ورقة غير معهودتين به، للجلوس ال جانبه ، وتحدث معها طويلا . استيقض سالم مزعوجا ، وحمد الله ان ما رآه كان حلما ، ومع ذلك ،تذكر اصرار ابيه على العودة من اجل الاقتران بهذه الفتاة التي ستساعده- كما قال - في تسنم منصب رفيع . فكر سالم: - لقد مرت سنوات على ذلك ، والدنيا كلها تغيرت ، وتغير هو ايضا . فاذا كان في السابق يهاب ابيه ويخضع لارادته ، أما الان فهو قد بات رجلا ، ويملك حرية التصرف بحياته .ثم انه اليوم مرتبط بفتاة عاش معها سنوات وتذوق معها مر الحياة وحلوها , وهو لن يتخلى ابدا عنها ،وان تطلب ذلك البقاء في موسكو . لكن سالم تذكر عواقب قراره هذا. فسيكون على ابيه الذي قدم ضمانة خطية بعودة ابنه، ان يواجه القضاء وان يدفع غرامات مالية طائلة للدولة . كما برزت امامه مشكلة اخرى ، وهي انه سيعتبر فارا من الخدمة العسكرية و،سيطارد كخارج على القانون ،ان لم يلتحق نهاية هذا العام بالخدمة الالزامية ،وسيحرم عندها من الدخول الى سورية . تكدر مزاجه مرة أخرى ، ونشب في داخله صراع ضروس ،جوهره : كيف سيتجاوز هذه العقبات كلها ويبقى مع ناتاشا ؟ وهل هذا ممكن ؟ انقضى الشتاء الطويل ، وبدأ الربيع يشق طريقه بقوة ،وغمرت اشعة الشمس الدافئة مدينة موسكو التي استيقظت بعد طول سبات ،وبدأ البساط الثلجي بالانحسار .وانشغل سالم بالاعداد لاطروحة التخرج .وقد ساعدته ناتاشا – التي كانت تلتقيه يوميا - باختيار المراجع وطباعة الاطروحة وتدقيقها لغويا . مساء الجمعة انتظرها في الموعد المتفق عليه ، ولكنها لم تأت . كان سالم يذرع الارض جيئة وذهابا أمام محطة قطار الانفاق ، ويحدق في ساعة يده بين الفينة والاخرى. مرت ساعة واحدة، ولم تظهر ناتاشا بين الجموع الخارجة من بوابة المحطة . بدأ القلق يظهر على الشاب ، فأسرع الى اقرب مركز هاتف عام واتصل ببيتها ، لكن احدا لم يجب .انقضت ساعتان على الموعد ، والفتاة لم تأت .وثارت مخاوف الشاب ، وتزاحمت في رأسه هواجس ثقيلة: - ماذا حصل لها؟، قد يكون ألمٌ بها عارض صحي ؟ اواصيبت بحادث ما في الطريق؟ ، او اعتدى عليها سيرغي ؟ ،أو لا سمح الله ....- وخاف ان يكمل . طاردته هذه الكوابيس البغيضة . لم يتحمل مزيدا من الصبر والانتظار ، وقرر الذهاب الى بيتها .قرع الجرس عدة مرات ، ولكن الباب ظل موصدا . انتظر بالقرب من مدخل البناء ، وجلس هناك على مقعد خشبي . بعد عدة ساعات ظهرت أمها ، وقد بدا الغم والقلق على وجهها . اسرع اليها سالم وسألها عن ناتاشا. اجابته بصوت متهدج : - لا أدري الى اين ذهبت ، لقد تشاجرت مع والدها ، وغادرت البيت غاضبة الى جهة غير معروفة . وانا ابحث عنها منذ الصباح . جمُد الشاب من هول الخبر ، وتاهت بصيرته ولم يعد يدري ماذا يفعل ،والى اين يذهب .فهو لايعرف عناوين اصدقاء ناتاشا ولا ارقام هواتفهم. وزاد نحيب الام ، التي رمقته بنظرات حزينة وغير ودية ،وضعه سوءا.وندم على مغادرته مكان اللقاء ، فقد تكون الفتاة قد حضرت الى هناك، وقرر الذهاب الى الجامعة ، عله يجد اثرا للفتاة . لم يسمع سالم تحذيرات مصلحة الطقس في موسكو ، من ان عاصفة هوجاء ستهب على المدينة. فهو عادة يستقي مثل هذه الاخبار من ناتاشا .سدت الغيوم السوداء الافق ، وانفجر قصف رعد يصم الآذان ، وشق عنان السماء سوط برق ناري اضاء الافق ، و هبت رياح عاتية أحنت الاشجار المعمرة ، وحطمت لوحات الاعلان ،واقتلعت سطح موقف الحافلات ، حيث كان الشاب ينتظر .هطل مطر غزير لم يره سالم من قبل ، كانت قطراته تصفع الوجوه ،وتموج حباله مع هبات الرياح القوية. وخلت الطرقات من الناس ،وتشكٌل ضباب كثيف ، وتدنت الرؤية ، فلم يعد يتبين طريقه ، وابتل حتى عظامه ، وصار يرتجف من البرد .داخله خوف شديد ،فالمطر يزداد غزارة ، والرعود تهدر .والرياح تصفر بضراوة . وادرك سالم ، ان بقاءه بالقرب من مظلة الحافلات ينطوي على خطر شديد .واراد الابتعاد . في هذه اللحظة أحس سالم ان شخصا ما يدفعه بقوة للاحتماء من المطر المدرار، التفت الى الوراء ، كانت ناتاشا . - لقد بحثت عنك في كل مكان – قالت الفتاة ملهوفة - جئت متأخرة الى مكان الموعد ، لم اجدك ، ذهبت الى الجامعة وتشاجرت مع البوابة في بيت طلبتكم ودخلت عنوة الى هناك ،لكنك لم تكن موجودا . وخمنت ، انك يمكن ان تأتي الى هنا .والآن دعنا نحتمي من العاصفة في احدي مداخل البنايات ، ريثما تاتي الحافلة. ركض الاثنان بسرعة تحت وابل المطر ، ولم تنفع المظلة التي فتحتها الفتاة. فقد كانت الرياح قوية الى حد ،انها قلبت المظلة وكادت ان تسحب ناتاشا معها . بعد نصف ساعة ، استقل الاثنان حافلة عامة الى حيث تعيش ناتاشا . دخلا الى غرفة صغيرة في بناية لم يألفها سالم من قبل .علقت الفتاة معطفها المطري على مشجب خلف الباب، وأمرته ان يخلع ملابسه المبتلة ، ولفته في شرشف جاف وأجلسته على حافة السريروهو يرتجف وتصطك اسنانه وقعدت بالقرب منه . - انا ساعيش مؤقتا هنا ، ويمكنك البقاء معي اذا رغبت – قالت ناتاشا بصوت حزين -. - ماذا حدث ؟– سأل سالم بقلق -، لقد اخبرتني والدتك بانك تشاجرت مع ابيك وتركت المنزل ، وهي تبحث عنك . - هل رايتها ؟ استفسرت الفتاة . - نعم. - اجاب سالم بصوت خافت - كانت تبكي، وهي قلقة عليك . اجهشت الفتاة بالبكاء ، وانفطر قلب الشاب ، فهو أول مرة يراها ضعيفة تذرف الدموع بحرقة , عز عليه ذلك . ضمها وجفف دموعها بطرف الشرشف ، وحاول تهدئتها . واليكم الان ما حدث بين ناتاشا وابيها .بعد ان عاد والدها من مهمته الطويلة ، دخل مكتبه ، فرأى "ضيفا " ينتظره ، قدم نفسه على انه من مكتب الامن القومي (ك ج ب)، وانه حضر اليه في أمر غاية في الاهمية . - لقد جئت الى هنا بتكليف من الادارة –قال الضيف – لتسليمكم هذه الرسالة . وناوله مغلفا مغلقا موشى بعدة اختام .قرأ فالوديا مضمون الرسالة بتمعن ، ورفع رأسه وتوجه الى الضيف قائلا: - هذه سخافات ، لقد رأيت الشاب عدة مرات ، وهو – حسب معلوماتي – طالب مجتهد ، ومن بلد صديق لنا .ولا اعتقد انه يمكن ان يتورط بانشطة تمس امننا الوطني .أما فيما يتعلق بعلاقته مع ابنتي ، فلم اكن على علم بذلك ،وساطلب منها على الفور قطع صلاتها به . في المساء ، عاد الاب الى البيت ، وجلس مع ابنته ، ولم يمانع بحضور والدتها.اخبرها بالرسالة ، وبالحديث الذي جرى في مكتبه، واضاف : - انت ابنتي الوحيدة ، وانا احبك جدا ، ولايمكن ان اتصور انك ستكونين سببا في الحاق الاذى بوالدك .فالقانون واضح في هذا المجال ، وهو يحظر على ابناء وبنات مسؤولي القوات المسلحة اقامة اية علاقات مع الاجانب . وانا لا استطيع خرق القانون ,وارجو ان تتفهمي الامر . اعتادت ناتاشا على ان ابيها لا يرفض طلبا لها .وكانت متأكدة هذه المرة ايضا من انها قادرة على اقناعه بما تريد ،واعتقدت ان موضوع اليوم لن يكون استثناءا . ولذلك خاطبته بصوت ناعم لا يخلو من الدلال : - بابا ، وهل تصدق ان سالم يمكن ان يفعل ذلك ؟ انه شاب جيد وخلوق ،وانا اعرفه جيدا منذ اربع سنوات ونصف ، - واردفت والبسمة تعلو وجها - وانت تعلم ان ابنتك لا يمكن ان تخطىء الاختيار . واقتربت من ابيها وطبعت قبلة على رأسه ، وعانقته بقوة . اجلسها الوالد في حضنه ، وقال لها بصوت حنون: - اعلم ذلك ، ولكن يا ابنتي الأمر هذه المرة لا يخصني وحدي ، فهناك جهات في الدولة تطلب ذلك ، واذا تلكات في التنفيذ ـ فان منصبي ووجودي في الجيش سيكون في خطر . - ولكنني احب الشاب كثيرا ، وسعادتي كلها متعلقة به . اجابت الفتاة والدموع تسح عل وجنتيها . - شخصيا اقدر ذلك ، ولكن الموضوع خرج من يدي . قال الاب بصوت حازم . علا بكاء الفتاة ، وتوجهت الى أمها طالبة العون ، لكن الام صمتت وأطرقت رأسها. فهي تدرك العواقب الوخيمة لاستمرار علاقة ناتاشا مع سالم ، فضلا عن ذلك ، فهي لا تريد ان تفارق ابنتها الوحيد للعيش في بلد آخر . اصيبت الفتاة بيأس كامل ، وصارت تنتحب ، وادركت ان عليها وحدها اتخاذ القرار المناسب .ولذلك استجمعت ما تبقى من قواها ، وخاطبت والديها بتحد: - انا لن ابتعد عن سالم مهما حصل . - بهذه الحالة يجب ان تغادري المنزل ، - صرخ الوالد بعصبية - فلن اسمح لنزواتك بتهديم كل ما بنيته خلال عشرات السنين . خرجت الفتاة غاضبة هائمة على وجهها،لا تدري الى اين تذهب .وشعرت انها وحيدة ضعيفة مرتبكة ،وانها تهوي في حفرة لا قعر لها ، وقد حز في نفسها صدامها مع والدها وعصيانها لرغبته ، كما آ لمها صمت والدتها غير المعهود . ورغم ذلك كله ، قررت الفتاة عدم العودة الى البيت ، لان ثمن ذلك سيكون باهظا وهي غير قادرة على تحمله . تذكرت ناتاشا صديقتها ، التي تعيش مع امها في شقة ليست بعيدة ، وذهبت اليها . أسرع سالم ،ودونما ادنى تردد، بنقل ملابسه وكتبه الى المكان الجديد ،وغمره شعور اسروي لذيذ ، عمق حبه لناتاشا . فهو سيعيش الان معها تحت سقف واحد.ونما احترامه وتقديره لها ، فهي قد ضحت عمليا باسرتها للبقاء معه ، و تحدٌت الاعراف والقوانين كلها من أجله ، ودخلت في حرب مع سيرغي لانقاذه ، ولم تدخر وسعا لمساعدته.وفي لحظة صفاء همس لنفسه : - كم انت محظوظ يا سالم ، فقد فزت باروع بنات العالم . وكم انتِ عزيزة على وأثيرة لدي يا ناتاشا . رشف سالم من كأس السعادة الاسروية ،وتذوق رحيق الدفء المنزلي . فكان يشارك ناتاشا في اعداد الطعام ،وشراء السلع ،.كانا كعصفورين طليقين ، يحلقان كما يحلو لهما ، ولم يكن يثقل عليهما شيء ،سوى الانتهاء من اللمسات الاخيرة من اطروحتيهما للتخرج . وكانا يتجنبان عمدا الخوض في الحديث عن وضعهما ،فلا وقت، ولا رغبة لديهما لمزيد من الكدر والهم وتهييج نار الحزن والندم . انقضى اسبوعان على هذه الحال . وذات مرة قرع جرس الشقة ، ولم تكن صديقة ناتاشا موجودة ، فتح سالم الباب ، وفوجيء بمعلمته واقفة في المدخل . ارتبك الشاب ، ولم يدري ما يقول .مرت لحظات صمت ، قطعتها نينا اندرييفنا بالقول : - أهكذا تستقبلون الضيوف؟ وهل سنبقى واقفين في المدخل ؟ في هذه الاثناء حضرت ناتاشا ، وكانت ترتدي ثوبا منزليا خفيفا.ارتمت على أمها ، وقبلتها وقادتها الى الداخل . - مرت أيام كثيرة لم اراك ، كنت اعرف عنوانك، وتوقعت اتصالا منك - قالت الام بصوت ملؤه الحنان - ولكنك لم تفعلي . وها انا الان جئت بنفسي لأطمئن عليك . ومسحت بكفها وجه ابنتها ، وأجلستها الى جانبها على اريكة خشبية . وتابعت الام : - كيف تعيشين ، الم تشتاقي لوالديك ؟ - انا سعيدة هنا –اجابت الفتاة بصوت خافت حزين- ،وأحن الى البيت واليكما . وصمتت ، لأنها لا تود نكأ جراح لا تزال نازفة، ولاالخوض فيما جرى . اقترب سالم من معلمته ، وقبل يدها ، واعتذر لانه لم يرحب بها وقال: - لا أعرف ما حل بي ،لقد انعقد لساني من هول المفاجأة، وفقدت القدرة على الكلام . واعتذر عن تصرفي هذا. ابتسمت نينا اندرييفنا ، وردت عليه بلطف : - لا بأس ، لو كنت مكانك لحصل معي الامر نفسه . ذهب الشاب الى المطبخ لاعداد الشاي ، واحضار بعض الحلويات . وتعمد البقاء هناك اطول فترة ممكنة ، لاتاحة فرصة للمرأتين للحديث على انفراد ، وكان بين الفينة والاخرى يسترق النظر الى وجه ناتاشا ، الذي اكتسب تعابير جادة وحتى صارمة . وفهم مضمون الحديث . دخل سالم وهو يحمل ابريق الشاي وطبقا فيه حلويات متنوعة ، وقال لهما مداعبا : - سيكون الكلام أحلى بعد تناول الحلويات . لم يعلق احدا على كلماته ، وادرك ، ان الامور لا تحتمل الدعابة . غادرت الام دون ان تقبٌل ابنتها ،ولم تتناول الشاي والحلويات واراد سالم مرافقتها الى محطة قطار الانفاق ، لكنها اعتذرت بلباقة ، وفضلت الذهاب وحيدة.(يتبع)


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة