جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصقيع الملتهب -8

المؤلف: محمد خير الوادي . اقبلت اعياد رأ س السنة والميلاد ، فتدثرت شوارع موسكو بحلة قشيبة من الزينة .فكانت شجيرات السنة الجديدة تتلالأ باضوائها الملونة في الساحات كلها ، وشدت اسلاك تحمل مصابيح ورسوم كهربائية في الشوارع الرئيسية ،ولفٌت الاشجار على طرفي الشوارع بحبال من مصابيح صغيرة تشع اضواء صفراء وحمراء وبيضاء ، وتسابقت واجهات المحلات التجارية في عرض هدايا العيد، من حبال لينة مرصعة ،وكرات زجاجية لامعة مختلفة الالوان والحجوم لتزيين اشجار الميلاد، الى لعب ترمز الى" العم ماروز " اله الصقيع وهو يمسك بعصاته السحرية مع حفيدته الشابة ، وهما يقودان عربة اسطورية، ابدع الفنانون في زخرفتها ، تقودها جياد مطهمة تطير في الفضاء . لقد انتشرت امزجة الاعياد بين الناس ، وسادت مشاعر الود والتسامح والمصالحة . واضافت الطبيعة الى هذه اللوحة الاسطورية لمسات جمالية لا توصف . فعندما هبطت الحرارة الى ما دون العشرين درجة تحت الصفر، سطعت الشمس في سماء زرقاء صافية ، وتجمدت قطيرات الندى وهي تسبح برقة في الهواء ،وتتلالأ كغبار الماسي يغطي الاشجارالسامقة التي تدثرت اغصانها بالثلج ،وتدلت منها شموع جليدية شفافة، تحولت الى مرايا تعكس اشعة الشمس . راقب سالم هذه اللوحات الطبيعية الاخاذة وهو يتجول في احد الشوارع ، وانتابته احاسيس متدفقة من الحب والشوق لفتاته ،وداخلته رغبة في التحليق للوصول اليها .فموعد لقائه معها كان في الساعة الثانية بعد الظهر ،ثم انها اعلمته ان اخبارا مهمة تنتظره . اختار سالم مقعدا في وسط احد المقاهي الذي يعج بالزوار، وجلس ينتظر الفتاة ، فهو يلتزم الحيطة بعدما جرى معه ،ويطبق نصيحة ناتاشا. اقبلت الفتاة ، كانت جميلة مشرقة ، وسعيدة ، وهرعت اليه وقبلته وضمته . اعلمته بنتيجة الحديث مع سيرغي ، ودعته للاحتفال بليلة رأس السنة في بيتها .واضافت : - نريد ان نزين مائدة العيد ببعض المأكولات السورية ، وقد دعيت بعض اصدقائي للحضور ، وانت ستساعدنا في ذلك.ويجب ان تتذكر دائما : نحن في روسيا نستقبل الضيوف بمستوى هندامهم ، ونودعهم تبعا لعقولهم . فارتدي افضل ما عندك ، واتحفنا بطلاوة لسانك . سر سالم لانتهاء حالة الحذرالتي فرضتها العلاقة المتوترة مع سيرغي ، واشاد بجهود الفتاة وخاطبها بصوت متأثر : - انت صديق وفيٌ يعتمد عليه ، وانا افتخر بقوة ارادتك وحكمتك وقدرتك على معالجة المشكلات ،انت .... لكن الفتاة سارعت واغلقت فمه بيدها وقاطعته والابتسامة تعلو وجهها المحمر خجلا: - يكفي يكفي ،والا ساذوب الان من هذا اللطف الدمشقي الاثير عندي . - انت تستحقين ذلك وأكثر ،فانت بالنسبة،لي صديقة وحبيبة وأم ،وكل شيء . أنت اضفيت على حياتي معناها الحقيقي وجعلتيها حلوة وسهلة ، وانا اسعد انسان على الارض لانك موجودة الى جانبي . قال سالم بصوت خافت وضغط على يدها . شعرت ناتاشا بصدق كلماته ، واحست بموجة من الدفء والرقة تسري في كيانها كله، واطرقت رأسها خجلا .وساد صمت لذيذ وخفيف. - يكفينا رومانسيات – بادرت الفتاة- امامنا اعمال كثيرة علينا انجازها الليلة قبل حضور الضيوف . كان سالم يلم بفنون المطبخ السوري ، فهو قد عمل في العطلة الصيفية عدة مرات في مخبزمجاور للمعجنات غير بعيد عن بيتهم ، ثم ان الجيران كان يطلقون على والدته لقب "سيدة الطاهيات " ، فهي قد اجادت فنون المطبخ الدمشقي ، وكان سالم يساعدها في احيان كثيرة . ولذلك يمكن القول ، انه " تتلمذ " على يد سيدة المطبخ الدمشقي . وهذه ليست المرة الاولى التي يعد فيها بعض الاطعمة السورية لاسرة ناتاشا . فلما عاد من دمشق قبل نحو عام ،بادر وجهز مائدة افطار سورية فاخرة ، نالت الاعجاب، تضمنت الفول المدمس والمسبحة ، والفلافل وغيرها. وقد اشترت والدته مكونات هذه الاطعمة ، وكتبت على ورقة خاصة تعليمات الطبخ لكل صنف . عرج سالم مع ناتاشا على سوق الخضروات ، وابتاع هناك ما يلزم لسلطة التبولة الشهيرة ، ولفطائر اللحمة والجبنة . اخذت ناتاشا دور المساعدة في المطبخ ، وكان سالم يقود العمل بمهارة . بينما كان الشاب منهمكا في اعمال الطهي ، انسلت ناتاشا بهدوء الى غرفتها لترتيب لباسها ومظهرها ، استعدادا لحفل رأس السنة .وبعد نصف ساعة ، ظهرت بهالة ادهشت الضيوف بحسن مظهرها واناقتها . كانت تلبس ثوبا سماوي اللون ،صنع من قماش البروكار الدمشقي العريق ، ابتاعته خصيصا لها والدة سالم ، قُصبت ياقته العالية بخيوط مذهبة ، وطرزت اردانه برسوم دقيقة .ولفٌت الفتاة خصرها بوشاح من الحرير الاسود المهدب بخيوط حمراء ،وزينت جيدها بقلادة فضية رصعت فيها احجار الزمرد، ووضعت على شعرها الاشقر مشبكا اسودا مطعم بالفضه . دخل الشاب الى غرفة الضيوف وهو يحمل طبقا كبيرا من شطائر اللحم . أسره منظر الفتاة، وجمد في مكانه ومط عنقه الى الامام محدقا بها ، فهو يريد التأكد: هل هي حقا ناتاشا ؟. كانت فاتنة بجمالها ،آسرة في حركاتها المغناجة ، تشبه اميرة شرقية خرجت للتو من قصور الف ليلة وليلة . قبيل منتصف الليل ،عبقت روائح الاطعمة اللذيذة في ارجاء المنزل ،وتعالت صيحات الفرح عندما التصقت عقارب الساعة بالرقم 12، وتبادل الحضور التهاني بحلول العام الجديد ،وارتفعت كؤوس الشمبانيا في الايدي ، واقتربت ناتاشا من صديقها وقبلته ،وافتتحت حلقة الرقص ، ودعت الحضور . كان سالم في منتهى الانشراح ، فقد التهم الضيوف معظم الاطباق التي اعدها ، وتعالت الاصوات طالبة المزيد ،والاهم من ذلك كله ، انه عاش – اثناء اعداد الاطباق وتوزيعها على الطاولة ، جوا اسرويا مفعما بالود والتفاهم والتعاون، ثم ان غياب والد ناتاشا ،الذي اضطر للسفر خارج موسكو، أشعره انه بات لفترة وجيزة رب المنزل . في الساعات الاولى من الصباح ، بدأ الضيوف بالانصراف ، وهيأ سالم نفسه للمغادرة .لكن ناتاشا قالت له: - لقد تأخر الوقت ، وبات من الصعب في هذا الوقت العثور على وسيلة نقل ، لذلك يمكنك قضاء اللية هنا ، وامي وافقت على ذلك . رغم شعور سالم بالاحراج ، لكن احساسا طاغيا بالفرح داهمه . فهو اول مرة يبيت تحت سقف واحد مع الفتاة التي احبها . اعتاد الشاب الاستيقاظ مبكرا ، ودخل الى المطبخ لشرب كاس من الماء ، فوجد والدة ناتشا جالسة تحتسي القهوة ، هنأها بالعيد المنصرم ، وتمنى لها الصحة والعمر المديد. دعته للجلوس الى جانبها. - اشكرك على مائدة الامس ، فقد كانت رائعة ولذيذة- قالت المعلمة- وقد نالت اعجاب الضيوف ، وانعشت لدي ذكريات طيبة عن دمشق . - وانا سعيد لاني الطعام قد اعجبكم .أجاب سالم - اعجبنا جدا . سارعت نينا اندرييفنا  . صمت الاثنان للحظات ، وأصلحت المعلمة جلستها وملأت فنجانا آخر من القهوة ، والقت على الشاب نظرة متفحصة ، وخاطبته بنبرة جادة: - ناتاشا لا تزال نائمة ، وانا اريد التحدث اليك على انفراد .مرت سنوات اربع على صداقتك مع ابنتي ، ولم يبقى لك سوى عدة اشهر لانهاء دراستك ، احب ان اعرف بماذا تفكر ، والى اين ستمضي الامور بينك وبين ناتاشا . ابنتي اخبرتني ان العلاقة معك جدية للغاية ، وانك تحبها ،وهي كذلك , وانا كأم ، اود الاطمئنان منك هل الامور كذلك؟ - نعم هي كذلك ، فانا مغرم جدا بناتاشا ومعجب بشخصيتها القوية ، وأنا احترمك واقدرك كوالدتي تماما ، والفضل يعود لجهودك في تعليمي و نجاحي . ولن انسى ذلك ابدا . - اجاب سالم بصوت متأثر-. - اذن الى اين نسير ؟ وهل ستبقى في موسكو ام تعود الى دمشق  ؟- سألت الام -. - انا مضطر للعودة الى هناك - قال الشاب -، فأنا قد جئت للدراسة بمنحة من الدولة ، وعلى ان أودي الخدمة الالزامية العسكرية لثلاث سنوات. وصمت سالم واحس بمرارة في حلقه، وتفصٌد العرق من جبينه ،واحس برجفة في ركبتيه . فرغم معرفته السابقة بهذه الوقائع المؤلمة ، ، لكنه اول مرة يبوح بها .فمعرفة الواقع شيء ، ومواجهته شيء آخر، لانها اصعب . زمٌت الام شفتيها ، ونظرت الى الفضاء من خلال نافذة المطبخ ، وتنهدت طويلا ، ثم توجهت الى الشاب بالقول : - انت يا سالم شخص طيب وذكي ، وارجو ان تتفهم ما سأقوله لك . ناتاشا هي ابنتي الوحيدة التي كرست لها حياتي كلها . وانا لا اريد ان ابقى وحيدة وبعيدة عنها عندما يتقدم بي العمر. ثم انني لا استطيع ترك زوجي والسفر للاقامة معها في سورية. لذلك ، ارجوك افعل شيئا يُبقي ناتاشا الى جانبي . واقترح عليك ان تبقى انت هنا ،وسنجد لك عملا ، وسنساعد ك في الحصول على الجنسية الروسية .الا يروقك هذا ؟ لم يعثر سالم على ما يقوله ، فعقله بات عاجزا عن التفكير ، وشعر ان قواه كلها نضبت .وادركت المعلمة صعوبة الموقف ، وسارعت لنجدته قائلة : - فكر مليا باقتراحي ، والان اذهب وايقظ ناتاشا ، وسأعدٌ لكما طعام الافطار . اثناء الافطار ، لاحظت الفتاة تغيرا في ملامح سالم ، فهو قد بات مهموما،لا يبتسم الا ما ندر ،ولم يقرب طعام الافطار .ويتفادى النظر اليها . ونظرت الى امها التي اطرقت رأسها وتظاهرت بالانشغال بتقشير البيض المسلوق .ادركت ان أمرا ما حصل بينما كانت نائمة .وقفت ودعت سالم الى غرفتها . - ما خطبك؟ - سألته الفتاة بصوت قلق - لقد كنت الى ما قبل فترة وجيزة مرحا سعيد ا، تغرقني بالنكات والكلام الحلوالمعسول ، والان انت صامت كتمثال قدٌ من حجر ، وتتفادى النظر الي. هوى سالم على الكرسي ، وغطى وجهه بكفيه وتمتم: - لا شيء .. لا شيء . واقتربت منه وضمته بقوة ، وشعرت ان جسمه كله يهتز وهو ينشج .خافت الفتاة ، وابعدت يديه عن وجهه ونظرت في عينية المغرورقتين بالدموع ، وسألته باضطراب : - قل لي ماذا حدث؟ وروى لها مضمون حديثه مع امها .صمتت الفتاة ،وبادرته بالسؤال : - وانت كيف ترى الامور ؟ - انا اودك ان تبقين اللى جانبي ، لا أطيق فراقك. .اجاب سالم بصوت حزين . - وانا كذلك ، فاين المشكلة اذا ؟ قالت الفتاة . - المشكلة ان هناك انظمة وقوانين تصعٌب ذلك ، ولا أعرف كيف نتجاوزها.واخبرها بالتفصيلات . - لا ارى أن هناك مشكلة ، انا مستعدة لانتظارك ثلاث ..اربع سنوات ، الى ان ترتب امورك . اردفت ناتاشا مبتسمة . - ولكن هل يعقل ان نبقى خلال هذه الفترة بعيدين عن بعضنا ؟ لا يمكنني ان اتصور انك ستتعذبين وتعانين بسببي .تابع الشاب . - انت لا تعرف المرأة الروسية . ان هي أحبت ، تخلص لحبها وتجترع المعجزات للحفاظ عليه . هل سمع بزوجات الثوار الروس الديسمبيريين ، الذين ثاروا ضد القصر وعوقبوا بالنفي الى ىسهوب سيبيريا المتجمدة؟ لقد تخلت زوجاتهم ، ومن بينهن أميرات ،عن حياة القصوروالرفاهية ، ولحقن بازواجهن للعيش في ضنك المعتقلات ومآسيها وسط صقيع سيبيريا.وأظن ان حياتنا لن تكون بهذه القسوة ، فانت لن يزج بك في السجن.- واضافت مازحة – وسورية – حسبما اعلم -لا يوجد فيها سيبيريا . انفرجت اسارير الشاب ، وعادت الابتسامة تزين وجهه ،وأحس بجوع شديد . فقد قارب النهار منتصفه ، وهو لم يتناول شيئا في فمه .حتى ليلة أمس اثناء الحفلة ، اكتفى بتذوق الاطباق للتأكد من جودتها ، وقضى وقته وهو يراقب بلذة ، كيف يلتهم الضيوف الاطعمة التي أعدها . عادا الى المطبخ ، واطبق الشاب بشراهة على كل ما كان على الطاولة .وجلست ناتاشا تراقبه ،وهي تنظر اليه بسرور . وغادرتها مشاعر الحزن والقلق، لأن سالم استعاد حيويته وابتسامته وخفة دمه التي تعشقها . (يتبع)


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة