جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصقيع الملتهب- 5

المؤلف: محمد خير الوادي . بعد عدة اسابيع ، تسلمت ناتاشا بلاغا من قيادة منظمة الشبيبة ،يطلب منها حضور اجتماع لمناقشة مسألة هامة متعلقة بها . اضطربت الفتاة ، واجتاحها سؤال عذبها كثيرا: ماهو الامرالهام المتعلق بها، والذي استدعى عقد اجتماع خاص لقيادة الكومسمول ؟ وبدأت تخمن بينها وبين نفسها ، ايكون الامر متعلقا بانشطتها ؟ فهي لم تخطيء، ثم ان دراساتها على ما يرام .وفجأة تذكرت حديثها الاخير مع سيرغي ، الذي صار- على اثره - يعاملها بعدوانية اكثر ، وينتقد علنا سلوكها الشخصي وعلاقاتها مع الطلاب الاجانب . وافترضت ان سيرغي قد وشى بها ، فهذا السلوك ليس غريبا عليه . فهي تعرفه من خلال نشاطهما المشترك في الكومسمول لنحو سنة ونصف ، وقد اصطدمت به عدة مرات، بسبب فوقيته ولهجته الآمرة وتدخله الفظ في عملها . ثم ان سيرغي من النوع السافل ،الذي لا يتورع عن الاقدام على اي عمل قذر لسحق من يعارضه ويقف في طريقه .وهي قد رفضت الخروج معه، ولذلك يحاول الانتقام منها . خافت الفتاة ، وقررت في البداية ،اخبار ابيها المسؤول العسكري الكبير . لكن بعد تفكير وترو ، عدلت عن ذلك ، واختارت الا تزج ابيها في هذه القضية . فهو حتى الآن لايعرف شيئا عن علاقتها بسالم ، ولا تدري كيف سيكون موقفه ، وهي لم تخبر امها .كما آثرت ابعاد سالم عن الامر . تمالكت ناتاشا نفسها ، واستجمعت قواها النفسية والعقلية وهدأت قليلا ، واتخذت قرارا بمواجهة هذا التحدي منفردة . دخلت ناتاشا الى غرفة الكومسمول ، ورات اعضاء قيادته كلهم يجلسون خلف طاولة مستطيلة . القت عليهم التحية ، ودعاها رئيس المنظمة للجلوس على كرسي في وسط الغرفة .ادركت الفتاة القصد من ذلك ،ووجهت على الفور سؤالا لرئيس المنظمة بالقول : - هل انا متهمة حتى تجلسوني على كرسي الاعتراف ؟ يوجد مقعد هناك وسأجلس عليه . وجلست خلف الطاولة. ساد صمت ثقيل ، قطعه صوت الرئيس بقوله : - يا ناتاشا ، انت فتاة جيدة وطالبة مجتهدة وعضوة نشيطة في الكومسمول ، ونحن نقدر كثيرا جهودك ، ونسعى حقا للحفاظ عليك وحمايتك من الاخطاء والهفوات كلها ، ولا نريد لاحد ان يسئء اليك . - شكرا على هذا الاطراء – قاطعته ناتاشا -. - لقد وردتنا مؤخرا اخبار- واصل الرئيس - عن علاقة تربطك باحد الطلاب الاجانب في الجامعة . وهذا لا يليق باحدى مسؤولي الكومسمول . فالنظام الداخلي يحظر ذلك ، ثم كيف سننظر في عيون الاعضاء ،وماذا سنقول لهم ؟ - وهل ارتكبت فعلا مشينا يجعلكم تخجلون منه ؟ -سألت الفتاة بلهجة حادة . - ليس فعلا مشينا – اجاب الرئيس – بل مخالفة لانظمة الكمسمول الداخلية. - لقد قرأت بتمعن النظام الداخلي ، عند دخولي في المنظمة ، ولم اعثر على نص صريح يمنع اقامة علاقات صداقة مع زملاء دراسة في الجامعة من دول أخرى.وانتم تعرفون ان هناك عشرات الطلاب الاجانب لهم علاقات مع طالبات روسيات . ثم ان بعض فقرات النظام الداخلي الذي ذكرته ، يحثنا على اقامة افضل الروابط مع شبيبة العالم . -علقت الفتاة بصوت واثق ، ووجهت نظراتها الى وجوه الحاضرين ، ومنهم سيرغي الذي اطرق رأسه . - نحن هنا لا نناقش النظام الداخلي – قاطعها الرئيس -، وانما اردنا ابلاغك ،باعتبارك عضوة فعالة في الكومسمول ، بضرورة قطع العلاقة مع الطالب الاجنبي ، والالتفات اكثر الى دروسك وانشطتك. - يا رفيق الكسندر ،( وهو اسم الرئيس ) وهل يجبر النظام الداخلي طالبات الجامعة على اقامة علاقات لا يردنها مع رجال روس في قيادة الكومسمول ؟ علقت ناتاشا بصوت ساخرموجهة نظرات غاضبة الى سيرغي . - طبعا لا . اجاب الرئيس متبرما . - القضية ايها الرفاق- قالت الفتاة موجهة كلامها الى الحضور - ان السيد سيرغي ، وانا أربأ ان اسميه رفيقا ، لأنه لو كان كذلك فعلا، لما درج على كتابة تقارير كاذبة وتدبيج رسائل مغفلة التوقيع تسيء لرفاقه - قد طلب مني الخروج معه في مواعيد غرامية ، وانا رفضت . فهل أكون برفضي له قد ارتكبت جرما احاسب عليه ؟ ساد الصمت مرة أخرى ، وغادر سيرغي غرفة الاجتماع مسرعا ،وسط ذهول الجميع . - هل رأيتم ، لقد خرج من الاجتماع دون ان يطلب السماح من احد ، وهذه أكبر مخالفة لانظمة الاجتماع واهانة لرئيسه . .وانا لن أكون فظة مثله ، ولذلك انا استأذنكم بالذهاب . - هز رئيس المنظمة رأسه بالموافقة وغادرت ناتاشا . في اليوم التالي ، انتشرت اخبار ما جرى في منظمة الشبية في الجامعة كلها . واهتم الطلاب، خاصة ،بنبأ مغادرة سيرغي الاجتماع غاضبا ، واجمعت التفسيرات على ان فتاة جريئة اسمها ناتاشا قد تصدت له ، وفضحته امام قيادة الكومسمول ، واجبرته على الخروج . في الواقع ، فان تصرف الفتاة لم يحز على اعجاب الطلاب وحدهم ، بل دغدغ مشاعر قادة الكومسمول ،الذين ضاقوا ضرعا بتصرفات سيرغي الهوجاء ونذالته ،ونزعته السادية لاخضاع الآخرين لمشيئته. ارتفعت اسهم ناتاشا في اعين الطلاب ، وحصدت احترام زميلاتها وتقديرهن . لكن سيرغي لم يستسلم للاهانات وللهزيمة التي الحقتها به الفتاة ، وقرر نقل المعركة معها الى مستوى آخر . عرف سالم بالحادثة من اصدقاء له في الجامعة .وانتظر مزيدا من التفصيلات من ناتاشا خلال لقاءاتهما المتواصلة ، لكنها لم تتحدث بالامر ، وآثر هو عدم احراج صديقته باسئلة قد لا تروق لها.ورغم ان ما جرى عزز مكانة ناتاشا في قلبه ، وضاعف من حبه وتقديره لها ، لكن احساسا مبهما بالذنب لم يفارقه ، ، وآلمه ان تتحول علاقتها به الى مصدر ازعاج لها . ذات مرة ،جلسا على مقعد خشبي في طريق تظلله اشجار التفاح .ورفعت ناتاشا بصرها الى الاعلى ، وصرخت بفرحة طفولية : - هناك تفاحتان ذهبيتان معلقتان عى ذلك الغصن،هلى تقطف لي واحدة منهما ؟ مد سالم ذراعه ولكنه عجز عن الوصول الى التفاحتين .فقد كانت الثمار عالية .واراد تسلق الشجرة ، لكنها كانت كثيفة الاغصان .فكر قليلا ، وفجأة تقدم من الفتاة ورفعها الى اعلى ، واجلسها على كتفيه ، وقال لها : - مدي يدك وخذي ما تشائين . تناولت الفتاة تفاحة وسط ضحكاتها الموسيقية الرنانة وقضمتها. وفجأة ،صمتت الفتاة ، ووضعت كفها على راس سالم ،وبدأت تداعب خصلات شعره الاسود الكثيف ،بحنان ولطف، وتمسح خديه وشفتيه باصابعها الغضة الناعمة . وقف سالم مدهوشا ، وانعقد لسانه ، وتواترت دقات قلبه الى حد انه صار يسمعها ، وفار الدم في رأسه . فهذه أول مرة يلتحم بجسمها ، ويشعر بدفئه وطراوته.هبطت ناتاشا وطوقت عنق الشاب بذراعيها ، وضمته الى صدرها طويلا وهي تهمس في اذنيه : - انت أعز انسان عندي لدي ، ولن اسمح لاحد- كائنا من كان - بمس شعرة منك . اجتاحت الشاب عاصفة عاتية من الفرح الغامر . وشعر بنفسه يطير في الفضاء ويذوب من السعادة ، ويحلق متنقلا بين الغيوم البيضاء .نعم انه الآن اسعد انسان على الارض ، لانه فاز بحب اجمل فتاة وقعت عيناه عليها ، وهو محظوظ لانه لم يعد وحيدا يعاني من قساوة الغربة . اغمض عينيه وأحتضنها، لا بل عصرها بين ذراعيه القويتن .وصدح صوته العذب يردد اغنية فيروز " انا حبيتك ". نعم ، لقد اخترقت سهام الحب تحفظات الفتاة وجديتها ، ونفذت الى قلبها . اما هو ، الذي وعد ناتاشا بالتقيد بعادات سورية ، والتزم بذلك ،فقد كان ينتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر . وغطس الشابان في لجة بحر الحب العميق ، ونهلا من ينابيعه العذبة والحلوة . اخبرته ناتاشا ، بان يوم السبت القادم سيصادف عيد ميلاد والدتها ، و وستقام بهذه المناسبة حفلة صغيرة في البيت ،يحضرها بعض اصدقائها ، وانه من بين المدعوين . سال سالم : - هل امك موافقة عل حضوري ؟ - نعم لانني طلبت ذلك ، ثم انها تحترمك كثيرا ، وتستفسر دائما عن دراستك ،ولا تنسى انك كنت طالبها المفضل .- اجابت ناتاشا بصوت مرح-. صمت الشاب قليلا ، ثم اردف: - ناتاشا ، قولي بصراحة ، هل يمكن ان يحرجك وجودي في الحفل ؟ - يا لك من مغفل - اجابت الشابة بدلع واقتربت منه وقبلته –على النقيض ، سأكون فرحة بذلك . - وماذا يمكن ان اهدي والدتك - معلمتي ؟- استفسر الطالب -. - اظن ، ان احسن هدية منك ، ان تقرأ لها قصيدة من شعر يسينين .فانت تجيد ذلك ، وهي تحب هذا الشاعر. – ردت ناتاشا-. انشغل سالم باختيار القصيد ، وساعدته الفتاة بذلك ، وصرف معظم اوقاته وهو يحفظها . كانت الفتاة ترمي من وراء هذه الدعوة ،اتاحة الفرصة لسالم كي يتعرف اكثر على ابيها ، وان يلتقي والدتها في جو أسروي .فسالم يعجبها ، بل هي تحبه، وهي باتت مقتنعة بان العلاقة معه لن تكون عابرة . في الحفل ، رحبت المعلمة بطالبها السابق ، وسألته عن دراسته في الجامعة .وسرت كثيرا للقصيدة الى تلاها سالم .وقادت ناتاشا صديقها الى حيث يجلس والدها ، وقدمته له .كانت علامات عدم الارتياح بادية على وجه الوالد، ومع ذلك فقد رحب بجفاء بالضيف السوري ودعاه لتناول كأس من الفودكا . اعتذر سالم ، فعلق الاب : - اعرف انكم لا تشربون الكحول كثيرا في سورية ، ولكننا الان في روسيا ، فالفودكا تكشف معدن الرجال . شعر سالم ببعض التحدي في لهجة الضابط ، ولذلك ، تناول زجاجة الفودكا وملأ كاسا وافرغه دفعة واحدة في جوفه . علق الاب : - اثبت ان معدنك صلب ، ولكن لا تكثر من هذا الاختبار . واتبع ذلك بضحكة عالية وانصرف للحديث مع رجل يجلس الى جانبه. بعد الاحتفال ، اصرٌت ناتاشا على توصيل سالم الى محطة الحافلة . في الطريق قالت له : - لقد سرت امي بالقصيدة وبطاقة الورد التي قدمتها لها ،وأشادت بك امام صديقاتها واخبرتهن عن مشاركتك في احتفال الجامعة ، وعن جديتك في تعلم اللغة الروسية . وصمتت قليلا ، واضافت : - والدي ضابط ،وهو بحكم عمله صارم في علاقاته مع الناس ، ولذلك لا تستغرب لهجته الجافة معك , فهو طيب للغاية ، ويحبني الى حد ،انه لا يرفض لي طلبا . تذكر سالم والده ،وهو ايضا صارم ، وطيب ولكنه عادل في تعامله مع الآخرين . - يبدو ان الآباء كلهم على هذه الشاكلة . فكر سالم ، وودع ناتاشا وقفز الى الحافلة . في الطريق أخذه خياله بعيدا الى دمشق والى حيه وازقته الضيقة واصوات الباعة الجوالين فيه . وشعر بحنين حارق لوالدته وابيه واخيه وشقيقاته . فهو لم يرهم منذ سنتين ونصف . ولا تغني الرسائل التي يتلقاها من ابيه ، عن رؤية والدته .لا سيما ان الده قد أخبره في آخر رسالة قبل اسبوعين ، ان أمه قد اصيبت بوعكة صحية ، وانها لا تنفك تردد اسمه دائما ، حتى اثناء الطعام ، تفاجأ الجميع بكلماتها : - حبيبي سالم ، ماذا يأكل الآن ، وكيف يعيش؟ افقتده كثيرا . سالت دموع لا ارادية من عيني الطالب ، وتناول من جيبه منديل مطرز اهدته ناتاشا ، ومسح به وجنتيه . وفاح عبق عطرها الآسر . فهي عادة تسكب قطرات من عطرها على المنديل ، وتبتسم بغنج وتردد بعد ان تدسه بلطف في جيبه : - كي تتذكررائحتي باستمرار . حسٌن طيف الفتاة حالته النفسية ، لكن لم ينتشله من بحر الحنين ، ولم يغادره وجه امه الحزين . وفكر : - ولماذا لا اسافر هذا الصيف الى دمشق لرؤية امي والجميع ؟ كانت السنة الدراسية على وشك الانتهاء ، وكان يخطط للذهاب مع ناتاشا الى معسكر عمل تقيمه سنويا ادارة الجامعة منتصف الصيف للطلاب . اخلتطت الامور في رأسه ، وتزاحمت الاسئلة : - هل يسافر الى دمشق ، ام يذهب الى المعسكر ؟ كلا الخيارين محبب الى نفسه ، فهو يتوق للبقاء مع حبيبته ، ولكن ذكرى امه اوقدت فيه رغبة جامحة لرؤيتها . فهو قد اشتاق كثيرا لصوتها وهي توقظه صباحا ، وللفائف الزيت والزعتر التي كانت تعدها له للمدرسة ،ولأدعيتها بعد الصلاة ،بان يوفق الله اولادها ويحميهم من كل مكروه . في مساء اليوم التالي ، اخبر سالم ناتشا بقراره السفر الى سورية . صمتت الفتاة طويلا . فقد فاجأها الخبر.سألته : - وهل ستطيل الاقامة هناك ؟ - نحو شهر ونصف. اجاب الشاب بتردد. - وددت ان أكون معك ، فقد اشتقت كذلك لدمشق . علٌقت ناتاشا ،ووضعت يدها على كتفه .واضافت : - لا بأس ، رؤية اهلك ايضا واجب .- واضافت مازحة - ارجو ان تجلب معك بعض الاكلات السورية . - بكل طيبة خاطر ، سأجرٌلك مطاعم دمشق كلها الى موسكو . اجاب سالم مبتسما وهو يضمها الى صدرها . (البقية تتبع)


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة