جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصقيع الملتهب-4

المؤلف : محمد خير الوادي . حضر سالم في الموعد المحدد ، ولم يصدق عينيه عندما رأى ناتاشا وهى تعتلي المنصة مع بنات اخريات . اسرع نحوها ، وكاد ان يقع على الارض عندما اصطدم باحد الكراسي . التفتت الفتاة نحو الضجة التي اثارها سقوط الكرسي ، فرات سالم .اقتربت منه ومدت يدها مصافحة وقالت : - انت هنا ؟ هل اختاروك ايضا ضمن مجموعة الكورس ؟ - نعم ، لقد اخبرني أمس السيد اليكسي بذلك.اجاب سالم - هذا رائع ، سنتدرب سوية وننشد الاغنية مع بعضنا . قالت الفتاة . - وهل انتِ عضو في الكورس ؟ سألها الطالب . - نعم منذ عدة سنوات وكنت في فرقة المدرسة للغناء ، وقد احينا عدة حفلات اجابت ناتاشا . تواصل التدريب يوميا اعتبارا من الساعة السادسة مساء، وشعر سالم بسعادة غامرة لانه يرى ناتاشا كل يوم ،ويتحدث معها واحيانا يوصلها الى محطة قطار الانفاق. وفي اليوم الرابع وبينما كانا يسيران على رصيف شارع عريض تضلله الاشجار العارية ، سأل سالم : - لم تجيبي على اقتراحي باللقاء . - ها نحن نلتقي يوميا ، اليس هذا ما تريده ؟ اجابت الفتاة مبتسمة . - نعم , ولكني اريد اكثر ، هل ادعوك الى مقهى للعشاء؟ - انت ترى اننا مشغولون بالتدريب يوميا في المساء ، ولا وقت لدينا ، علقت الفتاة بغنج، واحتضنت ذراعه . طار سالم من الفرح ، فهو قد شعر بدفء جسمها الذي التصق به أول مرة ،وحاول ان يطوقها بذراعه ، لكنها تملصت قائلة : - الافضل ان نبقى هكذا الان .فانت تدرس ، وانا على وشك الدخول الى جامعة موسكو .وأي تصرف آخر سيفسد كل خططنا .وأمامنا مستقبل طويل . صمت سالم ولم يدر ما يقول ، فقد شعر بالاحراج لأنه تسرع بخطوته هذه . فهو يريد من صميم قلبه ان يبقى مع الفتاة ، ولا يريد ازعاجها . ولذلك رفع ذراعه عنها واعتذر عما بدر منه . ساد صمت طويل وهما يسيران ببطيء،وكانت تمر بهما مجموعات من الشباب والشابات ، وقد تشابكت ايديهم او تعانقت اجسادهم، لا بل ان بعضهم كان يتبادل القبلات . اخفض سالم بصره حياء ، ورمقته الفتاة بنظرة خفيه متفهمة ،وشدت على ذراعه معقبة : - لا تبتئس ، انا لم اقصد ازعاجك ، فانت شاب طيب وذكي ، وامي تشيد بك دائما ، وانت تعجبني ،ولكنني اريد ان اعرفك اكثر ، فانت لم تتحدث معي عن حياتك وأسرتك . ثم لا تنسى انني عشت في دمشق واعرف العادات هناك ،لا سيما بين الفتيات والشبان . وانا اود ان نلتزم - ولو جزئيا – بهذه العادات هنا في موسكو . فهل تمانع في ذلك ؟ سالت الفتاة وهي تحدق به بجدية . - انا ارحب بذلك ، وسعيد لانني التقيت بك ، وانت ايضا تعجبينني ، فانت مرحة وجميلة ، ثم - انك تجسدين لي جزءا من دمشق . واراد الاسترسال اكثر بالتغني بجمالها وذكائها ، لكن اللغة لم تسعفه ،وشعر باحراج شديد ، وادرك انه ليس جاهزا بعد لعلاقة كاملة مع الفتاة . وهي محقة فيما قالت . فهي لا تعرف عنه شيئا . ثم انه لا يريد تكرار سلوك زملائه المشين ،والذين يتباهون علنا ودونما حياء، بمغامراتهم مع الفتيات ،لا بل ان احدهم قد فاخر بانه تعرف في يوم واحد على عدة فتيات . رسمت ناتاشا بحديثها اليوم اطار العلاقة مع سالم ، الذي بات مقتنعا من انها ليست من الفتيات الخفيفات والرخيصات اللواتي يمكن اقتناصهن بسهولة . لا بل ان تمنُعها وحديثها الجاد ، جعلها اكبر بعينيه ، وزاد من ولعه بها . في يوم الاحتفال ،صعد سالم على المسرح ، واعلن عريف الحفل : - والان سيلقي الطالب السوري سالم ، قصيدة للشاعر الروسي العظيم الكسندر بوشكين . كانت المعلمة تجلس في الصف الاول ، وقد بدت عليها علامات القلق والاضطراب ،وثبتت عينيها على الطالب ، وهي تفرك اصابعها بعصبية ، وتتابع باهتمام كل حركة تنم عنه .كانت قلقة جدا ، فسمعتها التربوية باتت الآن على المحك ، لأنها هي التي اختارت سالم وعلمته ودربته لالقاء القصيدة. حيا سالم الجمهور بانحنائة خفيفية ، واخذ نفسا عميقا ، وبدأ يتلو القصيدة .كان صوته صافيا رخيما، و نطقه لكلمات القصيدة واضحا وسليما، لم يتلعثم ولم يرتبك ولم يخطيء، وتفاعل مع القصيدة ، فكان يرفع طبقات صوته ويخفضها وفقا لمعاني الكلمات ، ويلونها بشحنات من الانفعالات وحركات اليدين والرأس . لقد نجح حقا ، والدليل هو التصفيق الحاد الذي حصده من الجمهور ، وطاقات الورود التي انهالت عليه عند نهاية الفقرة . فاجأ سالم الجميع ، بالتوجه مباشرة نحو المعلمة، حيث اخذ بيدها وقادها نحو المنصة ، وامام الجميع ، قدم لها طاقات الزهوركلها تعبيرا عن امتنانه لها .لم يدر الطالب كيف فعل ذلك ،ولم يخطط له ، بل شعر ان قوة خفية دفعته نحو لذلك . بدت المعلمة محرجة ومضطربة ،ولكن ترحيب الجمهور وتصفيقه المستمر ، جعلها تتمالك نفسها .وخاطبت الحضور وقد طفرت دموع التأثر من عينيها : - ما قدمه سالم اليوم هو دليل جديد على قوة اللغة الروسية ، التي تعبرُ بسحرها ، الحدود ، وتجذب بغنائيتها وجمالها الناس كلهم في كرتنا الارضية ، بغض النظر عن انتمائهم الاتني والقومي . لقد احب سالم- وهو طالبي - اللغة الروسية ،التي بدأ تعلمها منذ سبعة اشهرفقط ، و اجاد اليوم في القاء قصيدة بوشكين ، وانا اشكره على جهوده . طبعا لم تغب ناتاشا عن المشهد ، فهي كانت تراقب أداء سالم ،من خلف كواليس المنصة، حيث كانت تستعد للمشاركة في الفقرة التالية ، و صفقت له بحرارة لافتة عندما انتهى.وكان للمبادرة التي أقدم عليها بتكريم والدتها ، تأثيرا عاصفا عليها .فقد سرت في روحها موجة من النشوة والفرح ،و بات الشاب محط اهتمامها . فهو احد اصدقائها، وجاء من بلد تربطها به ذكريات جميلة ،وهو يشاركها في انشطة ثقافية .والاهم من ذلك كله ، انه عبٌر - أمام الناس – عن تقديره لأمها ولجهودها .ما جرى اليوم ،ولٌد لدى الفتاة مزيدا من احاسيس الود والالفة وحتى القرابة الروحية ، ازاءالشاب .فهو لم يعد غريبا بالنسبة لها . بعد الانتهاء من تقديم اغنية "انهضي ايتها البلاد الكبيرة " ،اصر سالم على مرافقة الفتاة وأمها الى محطة قطار الانفاق .في الطريق ، قالت المعلمة : - لقد كنتما اليوم رائعين في اداء الاغنية . وخاطبت الطالب : - افرحني كثيرا اليوم أداؤك الجيد في قراءة القصيدة ، وكانت هذه اكبر مكافأة لي ، وقد اثنى عليك مسؤولو وزارة التعليم ،وأبلغوني خبرا جيدا بالنسبة لك ، وهو انهم - تقديرا لتميزك في دراسة اللغة الروسية- قرروا فرزك لمتابعة دراستك السنة القادمة في جامعة لومانوسوف في موسكو ، وهي الافضل في الاتحاد السوفياتي ، وهم يتمنون ان تكون متفوقا في بقية المواد . كان الطالب يعرف ، انه بعد شهر، سيبدأ فرز الطلاب الاجانب لاكمال دراستهم في معاهد مختلفة في موسكو او في مدن أخرى . وكان قلقا ويخشى من فقدان ناتاشا ، ان تم ارساله الى مدينة أخرى. ولذلك ، فان الخبر الذي نقلته المعلمة ،اثلج صدره ، واشاع الراحة والسعادة في نفسه ، لا سيما وأن ناتاشا ستدرس في الجامعة نفسها . وهكذا لعبت الصدفة دورا حاسما في تقرير مصير سالم . فبقاؤه في موسكو أحيا آماله بان يبقى قريبا من الفتاة التي اغرم بها، واضفى جدية على علاقته بها . في الجامعة ، كان سالم يدرس هندسة الطاقة المتجددة ، بينما قُبلت ناتاشا في كلية التاريخ. وقد انتسبت الفتاة – مثل كل الطلاب السوفييت - ، الى صفوف الكومسمول ( منظمة الشبيبة ) في الجامعة ، وتميزت بأنشطتها ومبادراتها الخلاقة . فهي قد اسهمت في تنظيم الفعاليات الطلابية المختلفة الفنية منها والادبية ، ونالت رضى قيادة الكومسول، وحصلت على ثناءات اثر ذلك . وقد لفتت بجماهلها وحماسها وحيويتها وشخصيتها المرحة ،انتباه كثير من شبان الجامعة ،ومنهم سيرغي ، احد قادة منظمة الشبيبة الذي سعى للفوز بصداقة الفتاة . حاول سيرغي عدة مرات ،دعوتها للخروج بعد الدروس لتناول العشاء، او للخروج معا الى أي مكان تريده ، ، لكنها كانت تعتذر دائما ، و تتذرع بعدم وجود الوقت الكافي لديها . وكاد سيرغي ان يستسلم لادعاءات ناتاشا ويتركها لشأنها ، لولا ما ما شاهده في احدى حدائق الجامعة . كانت الفتاة تسير ملتصقة بسالم ، وقد ارخت رأسها على كتفه وطوق ذراعه خصرها . لم يصدق سيرغي ما رأى ، واعاد التحديق بالشابين ، وتأكد ان هذه ناتاشا فعلا . واليكم كيف حدث ذلك.بعد يوم شاق من الدروس ، دعا سالم ناتاشا للتنزه في ربوع الحدائق الغناء المحيطة بمبنى الجامعة . وافقت الفتاة. كان الطقس دافئا ، وكانت الطبيعة كلها تحتفي بقدوم الربيع ، فاشجار الصنوبر والبتولا السامقة ملأت الافق باوراقها الخضراء الغضة ، ونهضت شجيرات الورد ، بعد ان نفضت عن كاهلها آثار الصقيع ، وتحررت مروج العشب الاخضر الواسعة التواقة لدفء الشمس من طبقات الثلج السميك. لقد استيقظت الطبيعة بعد السبات الشتوي الطويل . هذا الانبعاث العظيم، لم يبعث الاشجار والنباتات فحسب ، بل احيا النفوس البشرية ، وفجر طاقات التجدد والألفة بين الافراد ،لا سيما الشباب منهم.استسلمت الفتاة لهذا الجمال الأخاذ ، المترع بخمرة الحب والعشق ، وتخلت عن حذرها المعهود ، وتأبطت ذراع سالم وأغمضت عينيها، غير آبهة بنظرات المارة، ومن بينهم سيرغي ، الذي صعق لهذا المنظر ، وبات يدرك سبب رفض ناتاشا الدائم لعروضه كلها . ومع ذلك لم يفقد الأمل . بعد فترة ، واثناء احد الانشطة ، تقدم سيرغي من الفتاة وقال لها : - انا ادعوكِ اليوم للذهاب الى السينما ، ما قولك ؟ - سيرغي ، اعذرني ، لا وقت لدي.اجابت الفتاة وقد احمر خداها من الارتباك . - ولكنك تجدين الوقت الكافي للخروج مع الطلاب الاجانب ، وملاطفتهم وتشبيك ايديهم – اجاب سيرغي بفظاظة وعدوانية . - هذا ليس من شأنك ، فانا أختار من اريد . وغادرت مسرعة دون ان تنظر اليه . كان سيرغي شخصا نافذا في الجامعة ، وكان الجميع هناك، طلابا واساتذة ، يهابونه ويتفادون شره بسبب ارتباطاته الامنية. وقد اعتاد على خضوع الناس والحصول منهم على ما يريد . وقد أعتبر سيرغي رفض ناتاشا الدائم لعروضه اهانة شخصية له ، لم يسبق لاحد أن تجرأ وفعلها معه . واجتاحته رغبة جامحة بالانتقام من الفتاة ، التي شقت عصا الطاعة عليه . (البقية تتبع)


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة