جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصقيع الملتهب -3

المؤلف : محمد خير الوادي - اثر تلك الحادثة عانت نينا اندرييفنا من غم وتبكيت ضمير شديدين، واعتبرت نفسها مسؤولة الى حد ما. فهي التي بادرت لتنظيم هذه الرحلة المشؤومة للترويح عن طلابها ، وهي التي سمحت لسالم بالوقوف - مجرد الوقوف - والسير على سطح ماء النهر المتجمد. ولم تدرك المعلمة خلفيات اقدام الطالب على التزلج . ببساطة ،هو اعتبرذلك فرصة ليكون الى جانب ابنتها. رقد سالم في المشفى بموسكو وقد لفوا قدمه باربطة ضاغطة ،ومنعوه من الوقوف عليها ، واخبرته الممرضة انه سيبقى اسبوعا على الاقل . تعافى الطالب سريعا ، فالاصابة لم تكن بليغة ، وعاد الى دروسه في المعهد ، ولكن فى ظروف جديدة . فالمعلمة التي اقنعت نفسها بالمسؤولية عما حدث لسالم في المنتجع ، سعت للتعويض عن ذلك ،بمزيد من الاهتمام به ومساعدته في دراسته .فكانت تستبقيه في الصف لتقديم مزيد من الشرح ، وتشجعه على القاء الشعر الروسي وترديد الاغاني الشعبية . وقد استجاب الطالب بحماس لذلك، وحقق تقدما كبيرا، لا سيما في حفظ الشعر ، وبات يلقي قصائد لبوشكين ويسينين امام زملائه في الصف.وقد اسعفه في ذلك صوته الجميل المعبر ، وقدرته على تغيير طبقاته ،وذاكرته الحادة . وتولدت لدى سالم رغبة جامحة بالتقرب اكثر من المعلمة ،على امل ان ينسج علاقة مع ابنتها ،التي كان يراها لماما،عندما تأتي برفقة والدها بالسيارة لاصطحاب والدتها بعد الدوام . وكانت ناتاشا تسرع لمصافحته وسؤاله عن أحواله ،وتتمنى له النجاح .وفي كل لقاء كان يزداد اعجابا وشغفا بها . وذات مرة ، وبينما كانت الفتاة تهم بالمغادرة ،تجرأ وسألها وقد احمر وجهه وتلعثم صوته : - ناتاشا ،هل يمكن ان نلتقي ؟ صمتت الفتاة قليلا وأجابت : - سأخبرك . وهرولت ،مخفية رأسها بين كتفيها ، الى السيارة التي غادرت على الفور ،دون ان تلتفت اليه . ازداد سالم ارتباكا ، فهو لا يدري ، كيف سيكون جواب ناتاشا على اقتراحه . وثار في رأسه اعصار من الاسئلة : هل يمكن ان تستجيب الفتاة لاقتراحه ؟ وهل ستخبر والديها ؟ وكيف سيكون رد فعلهما ؟ وماذا لو رفضا ؟ وهل ستغضب المعلمة منه وتعتبر تصرفه نكرانا للجميل ؟ وكيف سينعكس ذلك على دراسته ومستقبله ؟. طاردته هذه الهواجس طيلة الليل. واخفقت محاولاته كلها لاشغال نفسه بمسائل كان يحبها في خياله ويرتاح لها ، مثل التفكير بوالديه واخواته ،واستعراض مغامراته الصبيانية المضحكة في المدرسة . حتى ذكرياته مع منى، والتي كانت – الى وقت قصير – توقد فيه جذوة الحب وتمده بمتعة غامرة ، بردت وخفُت بريقها. وكان كلما ولج في خياله طريقا يصرفه عن هذه الامور الشائكة ، يرى نفسه مشدودة بقوة أكبر للعودة الى تداعيات ما حدث معه اليوم . استمرت هذه الاسئلة الشائكة تلاحقه بعناد ، وتقض مضجعه .وتمنى لو انه لم يعرض على ناتاشا اللقاء . لكن الرغبة في رؤيتها كانت جامحة لديه . ويبدو ، ان صاحبنا قد وقع في شراك الحب ،و بات مستعدا للتضحيات كلها من أجل الفوز بقلب تلك الفتاة . في اليوم التالي ، دخلت نينا اندرييفنا غرفة الصف ، والقت – كعادتها – التحية على الجميع ، وطلبت منهم الاستعداد للدرس .لم يلحظ سالم الذي تفحصها بنظره طويلا، اي تغيير في تصرفها . فقد كانت هادئة ومرحة ، وهى قد القت عليه نظرة ودودة ، اشاعت الراحة والهدوء في نفسه .وفكر سالم : -هذا مؤشر طيب ، فهي لا تبدو منزعجة مني . بعد انتهاء الدروس ، طلبت المعلمة منه البقاء . امتقع وجه سالم ونشف ريقه ، وخشي ان تأنبه على تصرفه مع ابنتها . قالت المعلمة : - بعد اسبوعين ، ستنظم الجامعة حفلا فنيا كبيرابمناسبة ذكرى الانتصار على الفاشية . وقد اقترحت اسمك لتكون في عداد الكورس الذي سينشد اغنية : انهضي ايتها البلادالكبيرة، وسيخبرونني بالنتيجة. كما اقترحتك كذلك، لالقاء احدى قصائد بوشكين في الاحتفال . وقد اخترناك لأنك الافضل بين زملائك في تعلم اللغة الروسية ، ولانك تملك خامة صوتية جيدة .فهل انت موافق ؟ - تنفس سالم الصعداء ، وارتسمت ابتسامة خاطفه على خديه ،وحمد ربه لان توقعاته السيئة لم تتحقق، وأجاب بانشراح : - بكل سرور ، ومتى سيبدأ التدريب ؟ - قريبا ، وسأختار لك قصيدة من شعر بوشكين ، وسأدربك على القائها بشكل صحيح وجذاب . ختمت المعلمة حديثها . خرج سالم ، وكان بانتظاره زملاؤه ،الذين امطروه بوابل من الاسئلة ، عما جرى معه . اخبرهم بالامر .وانقسم الحشد بين محبذ ومحتج ،وخاطبه بعضهم بغضب ظاهر : لماذا تم اختيارك انت فقط ؟ ولمَ لم تعط المعلمة فرصة لآخرين ؟ - اسألوا ادارة المعهد – اجاب سالم بامتعاظ وغادر بعصبية . اختارت المعلمة قصيدة بوشكين الشهيرة بعنوان " ك ***" والتي يحفظها كل روسي عن ظهر قلب ، وتولت تلقين سالم طريقة القائها . وقد وزعت العمل على عدة مراحل، بدأت بحفظ القصيدة ، وتلاها اتقان النطق السليم للكلمات ، و فهم معانيها . عقب ذلك ، جاءت مرحلة تعلم ما يسمى بفن الالقاء الشعري ، فقد جزأت المعلمة بيوت القصيدة الى مقاطع قائمة على التلوين الصوتي ، وتمازج الصوت مع حركات اليدين والعيون والرأس ، اعقبتها مرحلة شحن الصوت بانفعالات مختلفة ،كالحزن والفرح ،الغضب والاحتجاج ،التسامح و الحب والاشمئزاز ، وغيرها . ورغم الحجم المتوسط للقصيدة ، الا ان سالم والمعلمة أمضيا اسبوعا كاملا من التدريب المكثف ، الذي كان يجري عقب الدروس ويستمر ساعات وساعات . وخلال هذه الفترة ، اكتشفت نينا اندرييفنا موهبة سالم في الالقاء والغناء .كانت المعلمة دقيقة في توزيع برنامج التدريب اليومي ، وكانت صارمة في الالتزام به .وشعر سالم ان المعلمة كانت تنظر الى صوته كمادة خام ،تعيد صقلها بما يتناسب مع فن الالقاء .في اليوم الاخير ، طلبت منه ان يقف على مسرح الجامعة الخالي ، ويلقي القصيد كاملة . عندما انتهى من ذلك ،صفقت المعلمة فرحة ، وصرخت : - برافو .لقد انجزت المهمة ، وانت الان جاهز لتقديم بوشكين بما يليق بمقامه أمام الجمهور الروسي . في هذه الاثناء ، تقدم رجل اشيب في الستين من عمره نحو منصة المسرح ، وتحدث على انفراد مع نينا اندرييفنا. اشارت المعلمة لىسالم بالاقتراب ، وقالت له : هذا السيد اليكسي ، وهو قائد الكورس الذي سيلقي الاغنية في الاحتفال . هو سيخبرك بالتفصيلات اللازمة . - لقد اصغيت الى القائك الشعري – قال اليكسي- انت تملك خامة جيدة من الصوت ، ونفسك طويل ونطقك سليم للحروف والكلمات، وانا موافق على ضمك الى فرقة الغناء . غدا في الساعة الخامسة نبدأ العمل على منصة هذا المسرح . (البقية تتبع)


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة