جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصقيع الملتهب -2

المؤلف: محمد خير الوادي
صمت سالم ولم يدر ما يقول . فتدخلت المعلمة وقالت لابنتها : - سالم من سورية ،ومن خيرة طلابي . علقت ناتاشا : انت من دمشق ، انا احب طعامها ، واسواقها وخاصة سوق .. سوق ، لقد نسيت اسمه . - الحميدية – تدخلت الامم مصححة -. نعم ..نعم الحميدية ، هل كنت هناك ؟ اذكر اننا تناولنا بوظة طيبة مع المكسرات في مطعم في السوق . - انه مطعم بكداش الشهير بمثلجاته ، وانا اسكن غير بعيد من هناك، جانب الجامع الاموي – أوضح سالم . - حقا ؟ سارعت الفتاة مبدية اعجابها – لقد كنت في ذلك الجامع ، واذكر انهم البسوني عباءة طويلة كنت أجرجر اطرافها على الارض . انه مكان جميل ، ولدي صور هناك . شعرت نينا اندرييفنا ، ان حديث الذكريات هذا سيطول ، ولذلك قالت مخاطبة سالم : - انا وابنتي سنذهب الى مكان قريب من هنا للمبيت عند صديقة لنا ، وغدا سنحضر ونراك .وستمشي على الجليد – كما وعدتك . غادرت المعلمة وابنتها ، وشيعهما سالم بنظرات ملؤها الحسرة لذهابهما . فهو كان يتمنى ان يطول اللقاء مع ناتاشا ، وان يواصلا حديثهما عن دمشق . فقد اثارت الامكنة التي ذكرتها الفتاة شجونا عميقة في نفسه. فهو قد تربى هناك وهو يعرف كل زاوية وكل تفصيل ، ثم انه قد التقى منى مرتين في مطعم بكداش في سوق الحميدية . آه منى، تذٌكر سالم، واستغرب كيف حصل ان غابت الفتاة التي احبها عن ذاكرته طيلة الأشهرالاربعة الماضية . وشعر بتبكيت خفيف للضمير ولكنه لم يتألم او يعاني كثيرا. لم يعرف سالم سبب ذلك ، قد يكون بعده عن منى ادخلها عالم النسيان، فالبُعد عن العين يُغلق القلب – كما يقول المثل الروسي الشهير ، اوربما لانشغاله بتفصيلات حياته الجديدة ، او انه كان حب المراهقة الذي يثورفجأة- كالبركان - ويخمد ،تاركا خلفه بعض الرماد والدخان . على اي حال ، يبدو ان سالم قد طوى بسهولة ادهشته هو نفسه ،صفحة منى ، فهناك قوة اكبر شدته اليها ، انها ناتاشا . لم يغمض سالم جفنا ، وادرك ان النوم قد هجره ، حتى انه لم يلق بالا لشخير زملائه في الغرفة ،الشبيه بهدير محركات ضخمة . سبح خياله باتجاه واحد فقط : هو ناتاشا ، فقد فتنته الفتاة ، وهو مشغول الان في الاستعداد ليوم غد عندما ستأتي مع أمها . وفجأة ، تسللت الى وعيه فكرة افسدت مزاجه وهزت كيانه كله : - وماذا ان لم تحضر ناتاشا ؟ حاول جاهدا طرد هذا الاحتمال اللعين ، وهدأ قليلا عندما تذكر كلمات المعلمة : سنحضر ونراك ، وهذا يعني تأكيدا من الام ان ابنتها ستأتي معها ، ولو كان غير ذلك لقالت : ساحضر . ثم ان ابيها قد غادر ،واحتمال سفرها لوحدها ضئيل . تمسك سالم بقوة بهذه النتيجة ،ورفض كل احتمال آخر ، وشرع يعد نفسه للقاء غدا . كان عليه ان يحفظ كلمات روسية جديدة استعدادا للقاء ، فلا يجوز ان يبقى صامتا كالصنم عندما تأتي الفتاة . لذلك استل من حقيبته قاموسا صغيرا ، وبدأ يبحث عن الكلمات المناسبة التي يمكن ان تروق لناتاشا .بقي صاحيا حتى وقت متأخر من الليل ، وفي النهاية استسلم لسلطان النوم العميق . احس سالم بان شيئا املسا وباردا يتحرك على وجه ، وقفز مذعورا ،وفتح عينيه على وقع ضحكات زملائه ،الذين ملأوا كاسا بالماء البارد ومرروه على وجه من اجل ايقاظه ، بعد ان اعيتهم الوسائل الاخرى . تذكر فورا بان احداثا هامة تنتظره اليوم ، ولذلك "بلع" هذه المزحة الثقيلة ،وبدأ التهيؤ للقاء ناتاشا . في الساعة العاشرة صباحا ، حضرت المعلمة لوحدها وهى ترتدي بدلة رياضية بيضاء ،واجتمع الطلبة حولها مرحبين بها . اكفهر وجه سالم وانهارت آماله وهم بمغادرة المكان ، لكن صوت نينا اندرييفنا اوقفه: - ارجو ان ننتظر قليلا حتى تأتي ابنتي ، وبعد ذلك سأذهب معكم الى ادارة المنتجع ، حيث سيختار كل منكم وسيلة الترفيه التي يحب . فهناك صيد السمك او الركوب على الدراجات ذات الجنازير والتجول عليها في الامكنة القريبة ، وهناك اللعب بالشطرنج ،ولمحبي الرياضة ، يوجد مسبح وملاعب لكرة السلة والطائرة ، وهناك التزلج على الثلج . في هذه الاثناء ، حضرت ناتاشا وهي تحمل على كتفها زوجا من زلاجات الثلج . وكان من الطبيعي ان يختار سالم التزلج على الثلج ، رغم انه لم يمارس هذه الرياضة ابدا .ولحسن حظه ، فقد كان الوحيد بين الطلبة الذي فعل ذلك . وقف سالم على الزلاجة في نهر الفولغا ،وهمٌ بالتحرك ، لكنه سرعان ما فقد توازنه ووقع على جانبه الايمن .شعر بخوف شديد واصفر وجهه عندما سمع صريرا تحته . فقد ظن ان الجليد قد تحطم ، وانه سيهوى الان في الماء المتجلد . حاول الوقوف ، لكنه عجز عن ذلك . وسرعان ما رأى يدا ممدودة نحوه ، رفع بصره ، كانت يد ناتشا . عندها داخله شعور بالخجل والغبطة والأمان، الخجل لانه بدا خائفا مرتبكا ضعيفا لا حول له في اول لقاء مع الفتاة ، والغبطة لانها كانت هي ، وليس شخصا آخرا، من مكنه من الوقوف، والأمان لأنه شعر بقربه الروحي منها، وبدفء يدها الناعمة التي انقذته. تولت ناتاشا ارشاده بكيفية استخدام الزلاجتين، و طريقة السيرعليهما واستخدام العصاتين، واعلمته بان سماكة الجليد اكثر من متر وانه آمن .وأمسكت بيده وساعدته على قطع الخطوات الاولى .وبدا له ان الامر ليس صعبا جدا . تركته الفتاة وانزلقت بسهولة وحرفية على الثلج الناعم ، ولوحت له بيدها ،واسرعت تخطو بعيدا عنه الى ان غابت في الافق . استمر سالم في التحرك بخطوات بطيئة وثقيلة ، وتذكر قصة سباق السلحفاة مع الارانب ، فضحك بسره ، فهو الان مثل السلحفاة .ومع ذلك واصل السير على الخطين اللذين رسمتهما زلاجتا ناتاشا على الثلج .بعد نحو ساعة ، تمكن سالم من قطع النهر ، وأكتشف تفرعات كثيرة للخطوط المرسومة على الثلج ، وقرر ان يسير في الخطين اللذين قاداه الى الغابة ، معتقدا ان الفتاة تنتظره هناك . لم تكن الارض في الغابة الكثيفة مستوية مثل النهر ، وشكلت اغصان الاشجار المتدلية عقبة حقيقية . فهو قد ارتطم بها عدة مرات ،ولم يكن ماهرا في التزلج لتفاديها . ثم ان ضبابا خفيفا ممتزجا بظلمة ،بدأ ينتشر بين الاشجار .شعرسالم باعياء شديد ، وداخَله الخوف، وبدأ العرق البارد يتفصد من وجهه ،رغم البردالشديد .ومع ان هناك متزلجون يمرون بسرعة من جانبه ، لكن ناتاشا لم تكن بينهم . تعمق قلقه أكثر ، وأحس ان قدرته على الحركة بدأت تتضاءل وشل الذعر تفكيره . تدهور وضعه عندما علق بين غصنين سميكن لشجرة صنوبر عملاقة ، وسعى جاهدا للافلات منهما ، وكانت النتيجة انه وقع على الارض . حاول التخلص من الزلاجات ، وبعد جهد تمكن من فك قفل الحذاء الايمن ، ووقف على قدم واحدة ، لكن سرعان ما غاصت رجله في الثلج ، وعلق هناك ولم يتمكن من الخروج . وادرك ،انه كلما تحرك اكثر كلما هوى اعمق . ولحسن طالعه ،ان فردة الزلاجة اليسرى التي لم يتمكن من فك قفلها ، انقذنه من الغوص اكثر في الثلج . عادت ناتاشا الى المنتجع ، وجلست الى جانب امها على مقعد مطل على النهر ، وحدثتها كيف ساعدت الطالب السوري في الوقوف . وفجأ’ انتفضت الام وسالت ابنتها : - اين هو لم اره منذ فترة ؟ - كيف ؟ الم يعد بعد - اضافت الفتاة -، لقد تركته في النهر وتزلجت بعيدا على طول ضفاف نهر الفولغا . انتاب القلق المعلمة ، وهبت واقفة وخرجت تبحث عن سالم . بعد نحو ساعة ونصف وصل سالم وهو يسير على قدم واحدة ويجرٌ الاخرى وراءه ،وقد اتكأ على كتف رجل ساعده في الخروج من الثلج واحضره الى المنتجع .في المستوصف قال الطبيب : - لقد اصيبت قدمه اليمنى بتجلد جزئي ، وانه يحتاج الى عدة ايام للمكوث في مشفى بالعاصمة من اجل العلاج . وختم كلامه بالقول: - لا يوجد خطر على قدمه ، ولكنها بحاجة الى تدليك وتمارين خاصة وراحة مع بعض المراهم .(البقية تتبع).


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة