جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
الصقيع الملتهب

تأليف : محمد خير الوادي -1- في أواسط ثمانينات القرن الماضي ، غادرت طائرة مدنية مطار دمشق ، متوجهة الى موسكو . كان بين الركاب شاب في نهاية العقد الثاني من عمره ، طويل القامة ذو شعر اسود كث ،يرتدي بذلة سوداء اشتراها للتو ، ويحمل حقيبة صغيرة ،دست فيها امه بعض الشطائر كي لا يجوع ابنها في الطريق . تهاوى سالم – وهو اسم الشاب – على المقعد المقابل للنافذة ، وقد ارتسمت على محياه علامات الحزن والقلق العميقين.فهو أول مرة ،يفارق ابيه غسان وأمه نسرين وأخيه الاصغر عاطف وشقيقتيه حنان ونرجس،اللذين حضروا جميعهم لوداعه ،وأول مرة يجد نفسه وحيدا دونما سند ،معلقا بين السماء والارض. لكن اشد ما آلمه ،كان فراق منى ، وهي الفتاة التي اغرم بها واحبها ونسج الاحلام والخطط للبقاء معها ، وكان يهرب من المدرسة للقاء معها .وهو الآن يشعربغصة حارقة ، لانه لم تتح له حتى فرصة وداعها , فأبوه قد تمكن – بعلاقاته – من ترتيب سفره على عجل للدراسة في موسكو على نفقة الدولة. وسفر سالم الى روسيا كان محظ مصادفة . فحين رجا والده موظفا كبيرا في وزارة التعليم لارسال ابنه للدراسة في الخارج ، اجابه ذاك: - لقد جئت في الوقت المناسب ، هناك وفد رسمي روسي الان في دمشق، نناقش معه عدد السوريين الذين سيتم قبولهم للدرلسة هناك ، وسنطلب اضافة اسم ابنك الى قائمة المبعوثين وفرزه الى جامعة جيدة . وبعد نحو شهر علم ابو سالم ، ان الروس قد وافقوا ،وان على ابنه ان يستعد للسفر نهاية شهر ايلول . فكر سالم : - قد يكون والده قد فعل ذلك كله عن قصد لابعاده عن منى ،فهو- اي الاب – كان يكره هذه الفتاة لانها - كما قال : - لن تجلب معها سوى سوء الطالع ،ومزيدا من الهمٌ والغم . كان الشاب يخاف ابيه ، ولذلك لم يكن يملك الجرأة على معارضته .وقد همٌ ذات مرة بمناقشته حول منى ، ولكنه تراجع،لعلمه ان النتيجة لن تكون ،الا التوبيخ وتقليص مصروفه الشخصي . و كان سالم يؤثر السلامة عبر تفادي الاصطدام بوالده . وهذه المرة لم تكن استثناء . فهو قد ارتعب - وهوفي السماء وعلى ارتفاع آلاف الامتار – حتى من مجرد التفكير في ادانة موقف ابيه الذي فرقه عن حبيبته . وسالم كان من طينة الاشخاص الذين يقبلون كل مُتاح، ولا يعترضون على ما يُعرض عليهم. هدأ الشاب ، وسرح بنظره عبر نافذة الطائرة ، بين الغيوم البيضاء السابحة في الفضاء ، كجبال جليدية هائلة تطفو على سطح البحار ، وقرر ان يطوي صفحة الماضي ، وينصرف الى التفكير بما ينتظره في موسكو . فهو لايعرف الكثير عن روسيا ، سوى ما قرأه في بعض المجلات ،وما سمعه من ابيه ، من انها بلاد الثلج والصقيع ، وان شعبها ودود وطيب ، ويكن الصداقة للغرباء ،وانه سيدرس هندسة الطاقة هناك.وفي الختام تذكر كلمات ابيه الذي عانقه مودعا في المطار ،والدموع تنهمرمن عينيه : - لقد انفقتَ عليك كثيرا ، وجندت كل امكاناتي لارسالك الى الخارج ، ولذلك يتوجب عليك ان ترفع رأسي ولا تسٌود وجهي أمام معارفي ، وان تعود بافضل النتائج ،فانا اعول عليك كثيرا ،لانك سندى الوحيد في المستقبل . اجتاحت سالم موجة رقيقة من الحنين الدافيء لاسرته ولوالده خاصة ، وقرر ان يغفر له صرامته وموقفه المتشدد من منى ، واغمض عينيه واستسلم لنوم عميق بعد يوم حافل بالاحداث المرهقة . والآن ، سأدع بطلنا يغط في النوم بين النجوم ، لأحدثكم قليلا عن عائلته . كان والده موظفا في هيئة التفتيش ، وقد اشتهر بصرامته واستقامته.وكان يشيع الرعب الممزوج بالاحترام بين الموظفين ، فهو لم يتهاون قط في تطبيق القانون ، و يرفض بعناد، الاغراءات التي تعرض عليه ، لانها كما وصفها : " تلويث للشرف ، وحماية للفاسدين واعتداء على المصلحة العامة ". و قليلة هي المرات التي شذ فيها عن هذه القاعدة وطلب شيئا لنفسه ولعائلته . جرى هذا ذات مرة ، عندما كانت زوجته بحاجة ماسة لاجراء عملية جراحية باهظة التكاليف .وقد اضطر لطلب المساعدة من وزارة الصحة التي استجابت له . والمرة الثانية عندما لجأ الى موظف رفيع في وزارة التعليم للمساعدة في ايفاد ابنه للدراسة على نفقة الدولة الى روسيا . كانت الاسرة تقطن في بيت قديم ورثه الاب، يقع في احد احياء دمشق العريقة ، حيث الابنية االقديمة ، ذات النوافذ الخشبية المزخرفة و المتواجهة على طرفي ازقة ضيقة ،لاتعبرها سوى الدراجات وعربات الباعة الجوالين، الذين تفننوا في المناداة على بضائعهم باصوات لاينقصها النغم .ومنذ صغره ، كان يحلو لسالم تقليد هذه الاصوات ، وقد أتقن ذلك . وكانت الام تتبادل الاحاديث بسهولة عبر نافذة بيتها ،مع جاراتها في الطرف الآخر من الشارع ، وتناقشهن في شؤون الاسرة واحداث الحي ، وتوصي على الحاجات الضروية للبيت من دكان ابي عبدو ، الذي يوفر خدمة ايصال المطلوب الى بيوت الزبائن.أما المدرسة الذي انهاها سالم ، فلم تكن بعيدة ، يجاورها مسجد يصدح ألاذان من مئذنته خمس مرات في اليوم عبر مكبرات الصوت ، ولم يكن المستوصف الحكومي بعيدا . ولذلك ، فان معظم سكان الحي - باستثناء الموظفين وطلبة الجامعات وبعض التجار - لا يشعربالحاجة الى مغادرة الحي ، الا في الاعياد ، لشراء ملابس جديدة او لزيارة الاقرباء في احياء دمشقية اخرى . وقد اعتاد سكان الحي على هذا النمط شبه المغلق من الحياة ، والتي كانت تسيل بهدوء ورتابة . وصل سالم – مع عدد من الطلاب الآخرين – الى مطار موسكو ، وكانت في استقبالهم ممثلة وزارة التعليم ، وهي امراة شقراء في الاربعين من عمرها تجيد العربية ، نادت بصوت جهوري على اسماء الطلبة الذين تحلقوا حولها ، مع صعوبة بارزة في نطق حروف القاف والواو والحاء والهاء وطبعا الضاد. خرج سالم وزملاؤه من المطار الى الحافلة التي ستقلهم الى بيت الطلبة . كان الجو في الشارع عاصفا . فالغيوم السوداء تلامس رؤوس الابنية ، والمطر الممزوج بالثلج ينهمر بغزارة ، والرياح الباردة اللاسعة كالعقارب ، تصفع الوجوه . - يا له من استقبال حار جدا يليق بفخامتنا. علق احد الطلبة مازحا . - احمد ربك ان هذه الحفاوة لم تحدث في الجو اثناء وجودنا هناك ، والا لكنا الان في خبر كان ، اضاف طالب آخرمقهقها . انتشرت الضحكات بين الحضور ، لكن سالم بقي صامتا . فقد تكدر مزاجه وانقبض قلبه ، واجتاحته عاصفة من الحزن ،.واراد الانزواء جانبا ، لكن صوت المرافقة التي طلبت من الجميع الدخول الى الحافلة ،منعه من ذلك . داهم سالم جوع شديد ، وتذكر ان والدته زودته ببعض شطائر اللحم مع الصنوبر والسبانخ مع الرمان . .تناول واحدة منها ، وبسرعة البرق عبقت رائحة لذيذة ، شدت الجميع ،واججت شهيتهم . شعر سالم بالاحراج ، ووزع الشطائر كلها على زملائه ، ولم ينس ان يقدم واحدة منها للمرأة الشقراء التي ادهشته باناقتها ،وللسائق ايضا. - انها اطيب وجبة تناولتها بحياتي – قال احد الطلاب وهو يلتهم بشراهة ما تبقى من الشطيرة .واضاف : - تسلم يدا الطباخ الماهرالذي اعدها . انفرجت اسارير سالم ، وشعر بنشوة غير عادية ، حتى انه وقف وسط الحافلة واطلق العنان لصوته الجميل الرخيم وصدح مغنيا : " يا مال الشام ". وسرعان ما دب الحماس بالجميع ، وتعالت اصوات الطلبة مرددة كلمات الاغنية ، وترافق ذلك مع نقر بالاصابع على النوافذ والمقاعد ، وبلغ حماس بعض الطلاب حدا ، انهم تحلقوا في ممر الحافلة مشكلين كورسا عفويا يتمايل مع انغام الاغنية . وسادت حالة من الفرح والانشراح ، انست الجميع عناءهم وحزنهم . كانت نينا اندرييفنا مدرسة اللغة الروسية في المعهد التحضيري ، من النساء ذوات الاجسام الممتلئة ، في الخمسين من عمرها ، لا تخلو من جمال وطيبة ، وتحمل نظارات طبية سميكة . وقد تخصصت بتعليم اللغة الروسية للطلاب العرب ، لأنها عاشت في سورية مع زوجها الضابط الروسي عدة سنوات . وكانت تكن الود للعرب عامة ،و للسوريين خاصة .وقد اغرمت بالطعام السوري ، حتى باتت تتذكر اسماء عدد من الأكلات السورية الشهيرة، كالتبولة وشيخ المحشي والمسبحة وغيرها، وطبعت في ذاكرتها صور اسواق دمشق القديمة وحمامات النساء فيها .وكانت تفرض على طلابها ان يقدم كل واحد، باللغة الروسية ،عرضا شفهيا عن البيئة التي عاش فيها وعن أسرته ،والكتب التي قرأها . وهذه الطريقة ارغمت الجميع على التحضير المسبق ، والغوص في كلمات القاموس الروسي - العربي .وأضطر سالم لبذل جهود اضافية لتنفيذ هذه المهمة . فكان يقضي ساعات طويلة في المكتبة بين القواميس ، باحثا عن الكلمات المناسبة .وقد اهتدى الى طريقة خاصة به في استظهار الكلمات ، تجلت في حفظ فصول كاملة من القاموس حسب توزعها على الحروف الابجدية . وقد أبدع في ذلك الى حد، ان زملاءه اطلقوا عليه لقب " القاموس الناطق". لفتت مثابرة سالم ودقته في انجاز الوظائف التعليمية ، اهتمام نينا اندرييفنا ، وتضاعف هذا الاهتمام لما عرفت انه من دمشق ، لا بل انها كانت تبقيه بعد انتهاء الدروس لسؤاله عن عاصمة سورية والحياة فيها .وكان هذا الامر يثير حسد زملائه. وقد أشادت به عدة مرات ، لكنها نصحته في الوقت نفسه ، ان الاقتصار على حفظ الكلمات من القاموس فقط لا يعلم اللغة ، واضافت : - لا بد من الانطلاق الى الشارع والاختلاط بالمواطنين الروس ، فلا يمكن اتقان اللغة الا عبر الممارسة . حاول سالم التقيد بنصيحة معلمته ، وصار يتجول يوميا بعد الدروس في الشوارع الملاصقة للمعهد ، ويشاهد الافلام في دور السينما ، ويدخل الى المحلات التجارية الكبرى ويدون ، في دفتر صغير يحمله معه ، الاسماء الروسية للمواد والسلع .انقضت اسابيع كثيرة ، لكن سالم لم يتمكن من العثور على صديقة أو صديق يشاركه الكلام .اصيب سالم بغم شديد وتكدر مزاجه ، وآثر الانطواء على نفسه ، فصار يلازم الغرفة وقل وجوده في المكتبة .لاحظت المعلمة التبدل الحاد الذي طرأ على مستوى سالم الدراسي ، وطلبته للحديث على انفراد . - ما الذي حصل معك ؟ هل انت مريض ؟ سالت المعلمة . - لا, ولكنني لست مرتاحا ووضعي النفسي ليس على ما يرام . اجاب الطالب. - افهم ذلك ، فانت تشتاق لأهلك ولأصدقائك ولبلدك ،اليس كذلك ؟ سالت المعلمة. - نعم نعم . اجاب سالم بصوت متهدج ، وقد طفرت الدموع من عينيه . تأثرت نينا اندرييفنا كثيرا ، لأن افضل طلابها قد اصيب بحالة من الاحباط والانكسار المعنوي ، فضلا عن انه ليس الطالب الوحيد الذي يعاني آثار الغربة ، وادركت انه لا بد من عمل شيء للترفيه عن طلابها . في اليوم التالي ابلغت المعلمة الطلاب ، ان ادارة المعهد ستنظم لهم رحلة ترفيهية الى منتجع سياحي جميل بالقرب من موسكو يومي السبت والاحد القادمين ، وستكون هي هناك ، وانهم سيتمتعون بجمال الشتاء الروسي . مساء الجمعة ، وبعد رحلة بالحافلة من موسكو استمرت نحو الساعة ونصف ، وجد سالم نفسه في منتجع زافيدوفا الساحر ، الذي يقبع على ضفة نهر الفولغا الشهير ،وسط غابات كثيفة من اشجار الصنوبر المعمرة والبتولا الضخمة . لم يسبق لسالم ان رأى مثل هذا المنظر المهيب ،الذي يسحرالألباب بجماله.فقد تجمدت مياه النهر مكونة سطحا مستويا من الجليد السميك المكسو بطبقة من الثلج الابيض الناعم الناصع . واشد ما ادهش الطالب ، ان سطح النهر لم يكن مقفرا رغم انخفاض درجة الحرارة الى نحو العشرين تحت الصفر ، بل كان يغص باعداد كبيرة من المتنزهين .فهناك مجموعة تجلس في النهر على كراسي صغيرة ، تصطاد الاسماك عبر فوهات صغيرة حفرت في الجليد ، وكان أخرون يتسابقون فيما بينهم في قيادة دراجات نارية ذات جنازير مطاطية ، تاركين خلفهم عواصف من غبار الثلج الناعم ، وهناك آخرون انتعلوا زلاجات ثلجية ، يتزحلقون عليها مسرعين باتجاه الغابات المترامية على طول الطرف الاخرمن النهر . كان سالم منغمسا في التلذذ بهذا المنظر الساحر من نافذة المطعم الواسعة ، ولم يشعر بوجود المعلمة بجانبه .بادرته بالقول : - هل يعجبك ذلك ؟ - جدا ، - أجاب سالم - وأود ان امشي على سطح النهر ، هل هذا ممكن ؟ - ممكن –اجابت المعلمة – ولكن ليس اليوم ،لان الحرارة منخفضة جدا ، غدا سترتفع قليلاوتستطيع التجول هناك. واردفت : - والآن تعال معي لاعرٌفك على ابنتي وزوجي الذي احضرنا بسيارته الى هنا ، فهو سيغادر بعد قليل . سار سالم وراء المعلمة الى قاعة الاستقبال في المنتجع ، وهناك رأى رجلا طويلا عريض الكتفين ذوشاربين خفيفين شقراوين ، ووجه صارم ورأس حليق . مد الرجل يده لمصافحة سالم وبادره بالقول والابتسامة العريضة تكسو وجهه: - فالوديا، لقد عملت في بلادكم ، ولدي ذكريات طيبة عنها . انت من شعب صديق لنا ، وقد حدثتني زوجتي عنك . ارجو ان تستمتع بوجودك في روسيا ، وتحقق ما تصبو اليه .اعذرني ، فانا مشغول جدا وعلى الذهاب فورا . لم ينتظر الرجل جواب الطالب ، الذي اصيب بارتباك شديد ، وغادر في الحال . بعد لحظات حضرت فتاة كانت آية في الجمال ، عرفت نفسها بغنج : - ناتاشا . ارتبك سالم اكثر ، فقد سحرته الفتاة بشعرها الاشقر السابل والمتدلي عل كتفيها كشلال ذهب ، وبعينيها الخضراوين الشبيهتين بقطعتي زمرد،وبتقاطيع وجهها الناعمة والدقيقة ، والتي تشعر الناظر، ان الله عز وجل قد ابدع كثيرا في خلقها .


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة