جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
" ذو الارواح السبعة "

كتب محمد خير الوادي : بين الفينة والاخرى ، اشعر بالحاحة للتوقف هنيهة عن السباحة في تيار الاحداث السياسية الصاخب والجارف ، وولوج طريق آخر ، ارحب وأوسع وأكثر هدوءا و التصاقا بطبيعة النفس البشرية والمجتمع ، و التعبير عما يجري فيه بصيغ فنية وادبية ، اكثر مرونة وطراوة وسخونة ، من التعليق والتحليل السياسيين ، بضوابطهما الصارمة والباردة . واليوم اقدم لكم حصيلة احدى هذه المحطات التأملية ، وهي عبارة عن الجزء الاول من قصة ادبية كتبتها بعنوان "ذو الارواح السبعة . *************
-1-
 سار واصل في الاروقة الطويلة للجامعة وعلامات الفرح بادية على محياه. كان يلقي على المارة نظرات ، لا تخلو من الغرور والخيلاء .فهو للتو، قد انهى دراسته في كلية العلوم الاجتماعية باختصاص "علم النفس الاجتماعي ". ازدادت سعادته عندما شاهد والدته في نهاية الممر ، مسرعة نحوه . اطلقت والدته عندما اقتربت منه زغرودة أثارت فضول المارة ، و خاطبت ابنها بعد ان ضمته الى صدرها : - مبروك ،منها للاعلى يا بني ،الله يرزقك بالوظيفة التي تتمناها و يفتح امامك الابواب المغلقة كلها . جمُدت تعابير الفرح على وجه واصل . فكلمات والدته ذكرته، ان شوطا طويلا لا يزال بانتظاره للعثور على الوظيفة . كان واصل – مثل اترابه من الشباب – يحلم بمستقبل وردي، ولكنه كان يختلف عنهم بحبه للظهور وميله للتميٌز.كان يهتم بمظهره كثيرا ،ويحسد ابناء الاثرياء على حياتهم المترفة .وقد افضى تكرار امه المتواصل عن فرادته، الى تأصيل هذه النزعة في نفسه ، وأوقد في وعيه قناعة تامة ، انه خُلق ليتسنم منصبا لائقا . فضلا عن ذلك ، فقد كان واصل حسودا . فهو ، منذ نعومة اظفاره ، كان يمقت امتلاك آخرين اشياء يفتقدها هو ، سواء كانت لباسا او تفوقا أو مالا وجاها، وتعتمل نار الحسد في نفسه ولا تخبو الا بزوال تلك الاشياء . عندما رجعا الى البيت بادر واصل للسؤال : - من اين سنبدأ رحلة البحث عن الوظيفة ؟ فكرت الام قليلا وأجابت : - انا أعرف جارتنا أم حمزة، وهي قريبة لزوجة مسؤول كبير في وزارة الزراعة . سأزورها واعرض الامر عليها واطلب النجدة منها. - وزارة الزاعة – علٌق واصل بازدراء – وماذا سأزرع هناك؟ لو كانت وزارة الخارجية او الاعلام ، لكان الامر يستأهل جهدا. - انا- أجابت الام بانزعاج - لا أعرف جارة مقربة من مسؤولين غير ام حمزة . كانت أم حمزة هذه امرأة معروفة في الحيٌ بنفوذها ، وصلاتها الوثيقة مع مسؤولين ورجال اعمال كبار . وكان بيتها لا يخلو من الزوار ،وكان الجيران يستدلون على ذلك ، من انواع السيارت الفخمة الرابضة في الساحة الملاصقة لمنزلها . بعد صمت طويل ،عاودت الام الحديث مهدئة من روع ابنها : - ساحدث جارتنا .وانت، من جانبك، ابحث ايضا. حصلت الوالدة من أم حمزة على وعد بالمساعدة . طرق واصل ابواب الجهات الرسمية كلها بحثا عن عمل . وكان الجواب ياتيه: - انتظر الاعلان عن مسابقة لاختيار موظفين جدد . كان يعرف ان سنوات كثيرة انقضت دون اجراء مسابقات جديدة ، فهناك تخمة في عدد الموظفين في مؤسسات الدولة . ثم ان شهادته لا تثير اهتمام الشركات الخاصة . استمر الشاب شهرا في البحث دون جدوى . اصيب واصل باحباط شديد ، وبدأت احلامه تتبخر ، ولازم البيت وبقي حبيسا هناك اياما كثيرة . ذات يوم رن جرس الهاتف ، وكانت ام حمزة على الخط . وقد طلبت من أم واصل مراجعة الوزارة ، واخبرتها ان الامور هناك "مُرتبٌة" . ارتفعت معنويات واصل ،وتناول – اول مرة – افطاره بشهية غير معتادة ، وارتدى افضل ما لديه من ملابس انيقة خلٌفها له المرحوم والده . في مديرية الموظفين ، قابل واصل موظفا اصفرٌت اصابعه من فرط التدخين، .قال الموظف دون ان ينظر الى الزائر: - لقد اتصلوا بنا بخصوصك من هناك - واشار بيده الى الاعلى – وقد بحثنا لك عن شاغر ، ووجدنا مكانا في قسم التربية الحيوانية . صعق واصل ، فهو مختص في علم اجتماع وتربية البشر لا الحيوانات . فماذا عساه ان يفعل هناك ؟ لم يعر الموظف اهتماما لاعتراض واصل الذي احمرٌ وجهه، وتابع : - هذه قائمة بالاوراق المطلوبة ، جهزٌها ، وبامكانك ان تبدأ العمل بعد غد. نهض الموظف من وراء طاولته في اشارة الى انتهاء المقابلة ، صمت واصل على مضض ، وخرج وهو يحاول اقناع نفسه ان وظيفته بين الحيوانات مؤقتة . بدأ الشاب عمله مراقبا في مزارع الابقار المنتشرة خارج المدن . وكانت اول مرة يختلط فيها مع الابقار .كان يجزع عندما تمد بقرة لسانها الطويل نحوه ، أو تلامسه اخرى بشفاهها الغليظة الرطبة . لم تعجبه الوظيفة ،وبث شكواه لوالدته التي نقلتها لأم حمزة .بعد شهرين صدر قرار بنقله الى عمل مكتبي في الادارة المركزية ، اعقبه بعد شهر قرار آخرحسٌن وضعه .وتوالت قرارات الترفيع . ولاحظ الموظفون ،ان واصل لم يكن يصعد خطوة خطوة في السلم الوظيفي ، بل يقفز اميالا . فخلال سنة ونصف تمكن من الوصول الى مقعد نائب المدير ، وبعد فترة ازاح المدير نفسه وشغل منصبه .وقد اثارت سرعة صعوده حيرة زملائه ودهشتهم ،وباتو ا يتندرون عليه قائلين : - واصل ، اسم على مسمى ، فهو يملك مظلة سحرية يهبط بها بأمان الى "الكراسي الدافئة"، وليست أمامه ابواب مغلقة !. حصل واصل - بحكم منصبه الجديد- على سيارة وسائق خاص به ، ومكتب وأمانة سر (سكرتارية ).وأول خطوة اقدم عليها كانت توسيع مكتبه الضيٌق وتجديد اثاثه القديم . لكنه اصطدم بعقبة غير متوقعة ، فجميع الغرف الملاصقة لمكتبه ، كان يشغلها موظفون يحملون درجة الدكتوراه في العلوم الحيوانية . كانت العلاقات ، أصلا- غير ودية بين الطرفين . فهؤلاء يعتبرون ان واصل لا يملك المؤهلات المناسبة والمعرفة الكافية ، وانهم – او احدهم على الاقل- احق منه في تسنم الادارة .وعلى هذا الاساس ، فقد اعتبر الدكاترة خطط واصل لتوسيع مكتبه بمثابة اعلان حرب عليهم . نفذ المدير الجديد ما يريد وارغم الدكاترة على الانتقال الى غرف أو اماكن أخرى . بعد فترة ،جاء اليه وفد من هؤلاء واخبروه : - بتنا لاجئين دون أمكنة عمل لائقة بنا ، ونأمل ان تهتم بنا وتحل هذه المشكلة . لم يعر واصل هذه الاحتجاجات ادنى اهتمام . وكان في قرارة نفسه، يكن لهم الاحتقار الممزوج بنوع من الحسد .فهم اعلى مرتبة منه ،وقد تناءت لسمعه تعليقاتهم الجارحة عن المدير الجديد ،" الذي لا يميز بين العلف والطعام ". لقد اعتبرهم واصل خصوما منافسين له . وكان مقتنعا ، ان رأسين لا يجتمعان في جسد واحد وفي ادارة واحدة .حاول نقلهم الى خارج مديريته ، لكنه عجز عن تحقيق ما يريد . عندها اهتدى الى فكرة اعجبته: - ، لماذا لا أحصل على لقب دكتور وانهي تفوقهم العلمي " بالضربة لقاضية " . استفسر واصل ، وعرف ان تحقيق هذا الامر ممكن عبر شراء الشهادة . نعم .. نعم شراء الشهادة ومعها اللقب ، وبذلك يلجم السنة هؤلاءالسامة ، ،ويحطم ما اسماه "غرورهم العلمي ". و تذكرواصل ان مسؤولين كثيرين سبقوه الى ذلك ، فلماذا لا يفعل هو الشيء ذاته ؟ اتصل واصل باحد هؤلاء واسمه حسن ، وكان يعمل مديرا في مجال المطاحن ،ودعاه الى الغداء في احدى المطاعم الفخمة . بعد تناول وجبة دسمة ، سأل واصل: - اريد اكمال دراستي العليا والحصول على شهادة الدكتوراه ، فهل تدلني كيف افعل ذلك ؟ -بسيطة ،اجاب حسن ، تعلن وزارة التعليم عن مسابقات دورية لارسال طلاب الى دول اخرى لدراسة الدكتوراه ، بامكانك التقدم الى تلك المسابقات . استاء واصل من جواب جليسه ، وعدٌل من جلسته ووجه اليه نظرة صارمة وأضاف : - انا لا استطيع ترك عملي ، ألا توجد وسيلة اخرى للحصول على الدكتوراه دون الخروج من الوظيفة ؟ واستأنف مستفسرا : - انت مثلا ،كيف فعلت ذلك ؟ على حد علمي انك لم تسافرولم تدرس ،وبقيت في عملك وحصلت على هذا اللقب العلمي . أُحرج حسن ، وادرك ان واصل يعرف عنه كل شيء ، ولذلك لا مجال امامه للتهرب واللف والدوران .تنهد بعمق وتناول برتقالة وقشرها واعطى نصفها لواصل وقال : - انا سلكت دربا مختصرا . هناك مكتب خدمات ساعدني في ذلك ،اسمه " عالم الغد للابحاث العلمية " ، مختص بهذه الامور .اتصل به ، وهو سيخبرك بالتفصيلات كلها . اراد حسن ان يدفع فاتورة المطعم ، لكن واصل امسك يده ، وغمز صاحب المطعم الذي اعتاد ارسال الفواتير، الى مكتب واصل مرفقة بجملة ، " هذه المأدبة اقيمت على شرف وفد رسمي" . حضر واصل الى مكتب "عالم الغد للابحاث العلمية" واتفق مع صاحبه على اتمام " العملية "لقاء مبلغ مالي يُدفع على قسطين ، الاول فورا والثاني – وهو الاكبر –عند استلام الشهادة .وحذره صاحب المكتب : - هذا الامر يبقى بيننا ، ثم ان اعداد الشهادة يحتاج الى وقت . والان اخبرني متى انهيت الجامعة ؟ - منذ سنتين تقريبا ، قطب صاحب المكتب حاجبيه واضاف بجدية وثقة بالنفس : - اذن بعد سنة تستلم شهادة الدكتوراة ، لان الزمن الفاصل بين انهاء الجامعة والحصول على الدكتوراه ينبغي ألا يقل عن ثلاث سنوات.وغير ذلك ، فان الشهادة ستكون موضع شك.ثم اننا سنسجلك في الجامعة بتاريخ سابق، اي قبل سنتين . اعتبر واصل انه انهى عملا كبيرا . وقرر الان الالتفات الى تعزيز علاقاته مع بقية المسؤولين وتحسين وضعه المالي .فهو اصبح بحاجة ماسة الى دخل اضافي كي يغطي نفقاته المتصاعدة . عاد واصل الى بيته ، ووجد هناك ام حمزة ، في زيارة نادرة وغير متوقعة .قالت له : - اريد ان اتكلم معك على انفراد بعد ان اشرب فنجان القهوة . توجس واصل ، وسرت القشعريرة في كيانه ،وداخَله شعور من القلق الممزوج بالخوف .وبدأ يقلب اسباب هذا " الاجتماع على انفراد".وتزاحمت الاجوبة في رأسه ، وكلها ثقيلة الوطأة : - قد يكون الدكاترة الذين ضيقتُ عليهم في العمل ، قد اشتكوا علي وكتبوا عريضة ضدي. - لا..لا.. انه بالتأكيد حسن من شركة المطاحن الذي دلني على مكتب شراء لقب الدكتوراه .لقد فعلها السافل وسرب الخبر . اللعنة عليه وعلى الساعة التي تعرفت فيها عليه . وتابع واصل استعراض الاجوبة الممكنة الثقيلة ، وقد شعر بصداع شديد في رأسه وتذكر فجأة المحاسب الذي لا يكن له الود: انه هو ولا أحد غيره ، كيف غاب عني ؟ لا بد انه اخبر المسؤول العالي بقصة فواتير المطاعم وبالنفقات المرتفعة لتجديد المكتب . لا بد من التخلص من هذا " الخائن" . ظهرت علامات التعب والانهاك على وجهه ، وتصبب العرق البارد من جبينه . سألته ام حمزة : - ما بك ؟ هل اصابك مكروه؟ تبدو شاحبا ووجهك اصفر كالليمون. تلعثم واصل ، واطلق كلمات غير مفهومة ،وتظاهر بنوبة سعال حاد، وتناول كأسا من الماء أفرغه دفعة واحدة في جوفه .ومسح العرق من وجهه.هرعت اليه والدته وأجلسته على كرسي ، والتفتت الى ام حمزة قائلة : - انه الارهاق. المسكين لم ينم أمس ،وظل يعمل حتى ساعة متأخرة من الليل بين اوراق الوظيفة . - سلامتك يا واصل ، نحن نريدك قويا معافى ،امامك مشوار طويل وعمل كبير، ونحن نعلق عليك آمالا كبيرة عقبت أم حمزة . هدأ واصل ، فقد كانت كلمات أم حمزة كالبلسم الشافي . تمالك نفسه ، واطلق ابتسامة وخاطب ضيفته ام حمزة : - اهلا وسهلا ، قدومك شرف كبير لنا . وطلب من أمه الخروج ليبقى وحده مع الضيفة ويعرف منها الخبر اليقين . بدأت ام حمزة الحديث واختارت كلمات واضحة ومحددة: - نحن يا واصل ، نكن لك الود والتقدير ، وانت تعرف مقدار الدعم الذي قدمناه لك والذي ساعدك على الصعود بسرعة ، ووفرنا لك شبكة قوية من الامان والسلامة .وقد اثبتَ كفاءة جيدة وحضورا فاعلا في العمل . انت محط ثقة كبيرة لنا .ونريد ان نبدأ مرحلة جديدة من التعاون والفائدة المشتركة . صمتت أم حمزة وثبتت نظرة متفحصة عليه لتعرف رد فعله . هز واصل رأسه كناية عن الموافقة ، مضيفا : - اشكرك على جهودك كلها وانت اياديك بيضاء عليٌ ، وانا رهن اشارتك لأية مهمة أو عمل لرد الجميل لك. - جيد- ردت أم حمزة – . هناك اشخاص كبار ومهمون جدا اريد ان اعرفٌك بهم ، سيلتقون بك وسيناقشون معك مسائل كبيرة وحساسة . رغبتي هي ان تكون ايجابيا تجاههم ، وان تتعاون معهم في كل الامور التى سيطرحونها ، وان يبقى التعاون بينك وبينهم في الخفاء . لا اريد لأحد ان يعرف مضمون عملكم المشترك . هم سيزودونك بالتفصيلات كلها . وارجو ان تمنحهم ثقتك المطلقة . شعر واصل انه وُلد من جديد . فهو سيلتقي اشخاصا كبارا ، وسيُكلف بمهمة حساسة وسرية .كما اعجبه جدا الاطراء الذي سمعه من أم حمزة ،والذي لامس نزعة الغرور وحب الظهور المتأصلة في اعماق نفسه . طغى عليه احساس جارف بالاطمئنات ، والثقة بالنفس لانه بات محميا ، وأدرك ان المخاوف والهواجس التي راودته ، كانت مبالغا فيها وفي غير محلها ، وانه بات قويا وقادرا على اجتراع المعجزات. بعد عدة أيام رن هاتف واصل ، وكان على الجانب الآخر صوت رجالي خشن، قدم نفسه على انه من طرف المدام أم حمزة ، واقترح ان يلتقوا في احدى المقاهي في ضاحية المدينة بعيدا عن اعين الناس . في الموعد المحدد ، دخل واصل الى المقهى المتفق عليه ، وكان بانتظاره شخصان قدما نفسيهما :وائل وسليم . كان وائل رجلا مربوع القامة اصلعا ويرتدي نظارات طبية ، ذو وجه املس لماع ، ونظرة نفاذة، اعتقد واصل انها تستطيع اختراق الحجر . وكان هذا الشخص يعمل في استيراد اعلاف الابقار.اما سليم ، فكان على النقيض ، طويل القامة كث الشعر ذو كتفين عريضين وصدر بارز يشير، الى انه يمارس التمارين الرياضية القاسية . وقدم نفسه تاجرا في استيراد الادوية البيطرية .بدأ وائل الحديث: - استاذ واصل ، نحن سعداء بلقائك ، مدام أم حمزة تحدثت بكل خير عنك ،واخبرتنا انك محط ثقة مطلقة .جئنا الى هنا من اجل الاتفاق على طريقة عمل مشترك مفيدة لنا جميعا .سأكون واضحا وصريحا . بايجاز شديد، انت تساعدنا في التوقيع على العقود ، ولقاء ذلك نتعهد باعطائك اثنين بالمائة من قيمة العقود . اضطرب واصل وبدت عليه علامات الخوف، والتفت ميمنة وميسرة كي يتأكد من عدم وجود اشخاص غرباء "يتطفلون "عليه " ، جال بنظره ، وبعد ان اطمئن من خلو المقهى اجاب : - انتم تعرفون ان العقود تمر في مراحل كثيرة ، وان لجانا فنية مختصة تدرسها في البداية وتقترح المناسب ، وبعده تاتي محاضر هذه اللجان الى مكتبي كي أوافق عليها أو أرفضها . ثم تذهب مشروعات العقود الى جهات عليا من أجل التصديق عليا وتخصيص القطع الاجنبي لها . اريد ان أقول ، ان العقود ليست متعلقة بي وحدي فقط . - قاطعه سليم: نفهم ذلك كله ونعرفه . نحن نود ان تمر العقود بيسر من مكتبك . بقية الحلقات نحن نتكفل بها . - اضاف وائل : من أجل سلاسة العمل وتذليل العقبات ، سنقترح عليك اسماء اللجان الفنية ،وانت تصدر القرارات اللازمة لتشكيلها. سادت فتيرة من الصمت قطعها واصل قائلا: - الا ترون ان اثنين بالمائة قليل ؟ - اجابه وائل : قد تبدو النسبة ضئيلة ، ولكن عندما تترجمها الى واقع ، فانك ستحصل على مبالغ كبيرة . لا نستطيع أكثر من ذلك ، لدينا التزامات كثيرة "لتزييت" مفاصل اخرى من اجل دفع شغلنا الى النهايات التي نريدها . كان صوت وائل حاسما ولا يقبل الجدل ، وادرك واصل انه لن يحصل على شيء اذا استمر في المساومة ، لا بل ان عناده هذا يمكن ان يجر عليه عواقب وخيمة .وشعر ان النسبة المشار عليها متفق عليها مسبقا ، وانه لا مجال ابدا للخوض فيها . وبات عليه التسليم بهذه الوقائع . بذل جهدا كي يبدو مرتاحا ، لا بل انه اطلق ضحكة واسعة وربت بودٌ على كتفي الرجلين متبعا ذلك بالقول : انا موافق. كل ما يأتي منكما خير ، وانا مستعد للمساعدة دون اي مقابل ،كرمى لعيون المدام أم حمزة . لم يًقنع كلامه الشخصين , ومع ذلك فقد نهض الثلاثة وتصافحوا وأعلنوا: - منذ الآن ، نحن الثلاثة بتنا فريق عمل واحد. في ظهر اليوم التالي وجد واصل على مكتبه مشروع قرار يتضمن اسماء اللجان الفنية للعقود. لم يسأل –كعادته – ولم يناقش،ووقع القرار . توالت العقود باسماء الشركات التابعة لكل من وائل وسليم .وقد اندهش واصل من سهولة سير العملية .كانت الجهات المشرفة على انجازهذه العقود كلها، تعمل بانتظام ودقة وتنسيق ،كالساعة .لم تحدث اية مشكلة ، سواء في الحلقات الدنيا أو العليا .وتوسعت صلاحيات واصل . فقد صدر قرار خول مديريتة استيراد وتوزيع الاعلاف على مربي الابقار في القطاعين العام والخاص . وتبعه قرار مماثل بشأن الادوية البيطرية . وهكذا ، تضاعفت العقود التي يبرمها واصل . و انهالت عليه مغلفات الاموال لقاء "خدماته". في البداية ، كاد واصل ان يفقد عقله لدى رؤية هذه المبالغ الضخمة ، فهو الفقير الذي نشأ في ظروف الجوع و الفاقة ، وجد نفسه يعوم على بحر من الذهب .اختل توازنه النفسي الى حد ،انه دخل ، ذات مرة ،على والدته في البيت ،وألقى عليها عدة مغلفات مليئة بالنقود وقال لها: - لقد ودعنا الفقر الى الابد ،اصرفي كما تشائين واشتري ما تريدين .ثم نثر في الهواء محتويات المغلفات . صعقت الأم لرؤية ارواق النقود تتساقط عليها من السماء .لم تتمالك نفسها ، وتهالكت على الارض . كانت سعيدة، لان ابنها الوحيد الذي ربته بعد وفاة زوجها ،بات رجلا ثريا ، ينثر عليها نقودا كانت تحلم برؤيتها .اجهشت بالبكاء ، وانفجرت في عينيها الدموع . كانت دموع الفرح ، فهي – كما ردد ابنها – تستطيع الان ان تعيش كما تشاء . لكن شيئا ما اقلقها . خاطبت ابنها : - هل النقود نظيفة ؟ اجابها بسرعة : - نعم ، نعم ،وهي حصيلة عمل ابنك . - ضمته الى صدرها وهي تلهج له بالدعاء : - الله يوفقك يا ابني وييسر أمورك . لو كان والدك حيا الان لفاخر بك . اذهب ، الله يفتح كل الابواب المغلقة أمامك . مع مرور الزمن اعتاد واصل على رؤية مغلفات النقود ، لا بل انه كان يتساءل في سره – اذا تناقص عدد المغلفات – لماذا حدث ذلك؟ . وبرزت امامه مشكلة غير متوقعة .فقد تكدس لديه عدد ضخم من المغلفات ، ولم يعد صندوق الخزنة يتسع لها . فكر طويلا وخاطب نفسه: -لا بد من البحث عن مجالات لاستثمار هذه المبالغ الضخمة . بقاؤها في الخزنة أمر خطير ، لانها قد تتعرض للسرقة أو للحريق .الافضل ان اشتري منزلا لائقا . بعد عدة اشهر ، انتقل واصل مع والدته الى منزل فسيح فخم في ارقى احياء المدينة .

يتبع


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة