جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
آسيا الوسطى والهوية الجديدة-3

تسعى واشنطن لتحقيق هدفين رئيسيين، هما: استثمار طاقة حوض بحر قزوين واستخدامها كبديل لإمدادات الخليج العربي، وضمان وصول النفط والغاز إلى أسواق الغرب بدون المرور عبر روسيا وإيران. ومارست روسيا ضغطًا على أذربيجان وكازاخستان لكي ترسلا حصة كبيرة من صادراتهما النفطية عبر جنوب روسيا على البحر الأسود، وربما للسبب نفسه فإن روسيا شجعت حالة عدم الاستقرار في جورجيا لمنع مد خط أنابيب يمر عبرها إلى تركيا. وانخرطت روسيا والولايات المتحدة في جهود منظمة لتقوية موقعهما العسكري في حوض بحر قزوين دون أن تلفتا كثيرًا من الانتباه (قبل 11 سبتمبر/أيلول 2001) من العالم الخارجي، وقد نجحتا معًا في تأسيس وجود مهم في المنطقة. وكان لروسيا عام 1999 أكثر من ثلاثة آلاف جندي في أرمينيا تغطيهم 22 طائرة ميغ 29، وسرب دفاع جوي وبطاريات صواريخ دفاع جوي. ويشغل الروس محطة رادار مضاد للصواريخ البالستية في أذربيجان. كما يتمركز 3000 جندي في جورجيا مع فوج جوي وطائرات شحن وطائرات مروحية، ويشغل الروس محطة رادار مضاد للصواريخ البالستية وميدان اختبار لصواريخ الدفاع الجوي في كازاخستان، ويقود الضباط الروس قوات حرس الحدود في قرغيزستان، ويوجد 8200 جندي في طاجيكستان، كما يقود الضباط الروس قوات الحدود الطاجيكية البالغ عددها 14500 جندي. وقدمت الولايات المتحدة في السنوات (1998-2000) أكثر من مليار دولار مساعدات لدول المنطقة، وبعد 11 سبتمبر/أيلول تغير الوضع تمامًا حيث حشدت واشنطن قوات ضخمة جدًا في أفغانستان وأوزبكستان وباكستان والخليج والمحيط الهندي، وكانت قوات تفوق كثيرًا مهماتها المعلنة في أفغانستان بل إنها تكفي لتغطية جميع دول المنطقة وتهديد ومواجهة روسيا والصين. وحتى بدون تورط مباشر لروسيا والولايات المتحدة في الصراع فإن حوض بحر قزوين مرشح ليكون ميدانًا لصراعات بالوكالة، ومن الواضح أن كلاً من واشنطن وموسكو لا تستطيع التحكم بالتطورات الاجتماعية والسياسية، وقد تجدان نفسيهما في وضع تبدو فيه مصالحهما الحيوية في خطر تركيا الحاضرة الغائبة تمثل آسيا الوسطى عمقًا جغرافيًا وتاريخيًا لتركيا؛ فالأمة التركية هي العرق السائد في هذه الجمهوريات (عدا طاجيكستان الفارسية)، ولم توقف تركيا علاقتها وارتباطها بآسيا الوسطى، ورغم أن تركيا كانت تخضع للفكر العلماني وقت مصطفى كمال أتاتورك إلا أنها كانت تقوم بدور كبير في تجديد الإسلام فى دول آسيا الوسطى من خلال بناء المساجد، وإرسال الوعاظ، والعمل الإغاثي، وواصلت الحكومة بعد وفاة أتاتورك مسؤوليتها عن المساجد، وتدريب الأئمة والتعليم الديني، وتراود تركيا أحلام العالم التركي الطوراني، أو الجامعة التركية على غرار الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي؛ فأنشأت في 1992 مؤسسة تيكا، ومؤسسة تورك صوي، والاتحاد الاقتصادي للبحر الأسود عام 1992. وعقدت في العام نفسه قمة الدول الناطقة بالتركية، وأطلق مشروع (عشرة آلاف طالب) الذي لا يزال مستمرًا حتى الآن دعمًا للتعليم في تلك الدول، وأُنشئت جامعة خوجه أحمد التركية-الكازاخية الدولية، ولكنها مشروعات لم تُوفَّر لها الموارد المالية الكافية، كما أنها سياسات زادت من قلق روسيا وريبتها، ثم زاد النفط من تعقيدات هذه العلاقات وأدخلها في لعبة دولية معقدة. ولكن الاتجاهات الجديدة لتركيا في ظل حزب العدالة والتنمية والقائمة على تصفير المشاكل والتعاون الدولي والإقليمي، جعلت تركيا تطور علاقاتها الاقتصادية والثقافية، واستأنفت تركيا المساعدات في مجالات مختلفة مثل البنية التحتية والمساعدات المالية والمواصلات والتعليم، بعدما تراجعت، ثم توقفت بين عامي 2000 - 2003. وفي المقابل، فإن قادة دول آسيا الوسطى وبخاصة نزار باييف رئيس كازاخستان يبدون تخوفًا وحذرًا من أن تركيا تريد العودة إلى النموذج السوفيتي وقاعدة الأخ الكبير. وتسعى إيران إلى إقامة سوق مشتركة مع هذه الجمهوريات، وإلى تنشيط دورها في منطقة بحر قزوين التي تضم بالإضافة إليها كلاً من روسيا وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان، وقد افتتحت في 1996 خطًّا للسكك الحديدية يربطها بآسيا الوسطى (خط الحرير) يهدف إلى تسهيل نقل البضائع والتجارة، وأنشأت منظومة تعاون ثقافية مع طاجيكستان، وتخشى إيران من التأثير التركي على مواطنيها الأذريين الذين يقدر عددهم بـ 12 مليونًا. ورغم هذه العوامل المحددة للتنافس الإيراني-التركي في آسيا الوسطى؛ فإن مسار التنافس بينهما بدأ يأخذ في السنوات الأخيرة طابع التعاون في مجال إقامة مشاريع البنية التحتية، لاسيما في مجال النفط والغاز والاتصالات والمواصلات؛ فالمصلحة المشتركة تقتضي التعاون وليس المجابهة.(2) ملحمة القطن تعود زراعة القطن في آسيا الوسطى إلى آلاف السنين، وبدأت تلعب دورًا اقتصاديًا مهمًا للإمبراطورية الروسية، وكان ذلك أحد أسباب احتلالها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما كان القطن ضروريًا لصناعة الملابس في روسيا، وتحول القطن إلى خاصية آسيوية، توصف أحيانًا باللعنة؛ فقد تحول الاقتصاد الزراعي إلى اقتصاد أحادي، كما أن أساليب الري التي تحتاجها زراعة القطن أدت إلى نزف مائي وتدهور بيئي وصحي ونزاعات داخلية وخارجية. ويشير تقرير لجنة الأزمات الدولية (2005) إلى أن صناعة القطن في آسيا الوسطى تسهم في القمع السياسي والركود الاقتصادي والفقر المنتشر بشكل واسع والانحطاط البيئي. وبدون القيام بإصلاح هيكلي في الصناعة، فإنه من الصعب جدًا تحسين التنمية الاقتصادية ومعالجة الفقر والحرمان الاجتماعي وتعزيز الحرية السياسية في المنطقة. ويقول التقرير: إن اقتصاد القطن في آسيا الوسطى بسيط واستغلالي؛ فملايين الفقراء القرويين يعملون لقاء أجر ضئيل أو بلا مقابل في زراعة وجني المحصول، وهناك حافز ضعيف بالنسبة للمصالح الخاصة النافذة للانخراط في إصلاح اقتصادي هيكلي جدي يمكن أن يقوض عملهم المربح ويهدد قوتهم السياسية بالمحصلة. إن هذا النظام قابل للاستمرارية فقط في ظروف القمع السياسي، التي يمكن أن تُستخدم لحشد العمال بسعر أقل من سعر السوق، كما أن عدم وجود وسائل إعلامية حرة يؤدي إلى عدم الإبلاغ عن العديد من الإساءات. وتشترك الحكومات المحلية غير المنتخبة في هذه الإساءات عادة، نظرًا للمسؤولية الضعيفة أو لانعدام المسؤولية اتجاه السكان. ولمنتجي القطن مصلحة في استمرار هذا الفساد وهذه النظم غير الديمقراطية، وأدى ذلك أيضًا إلى أزمة مائية وبيئية وصحية كبرى، كما أن النزاع على استخدام الماء تسبب في توتر العلاقة بين دول المنطقة هل كانت مصادفة أن الدول الإسلامية ظل يحكمها رؤساء الجمهوريات في أثناء الفترة الشيوعية بطريقة استبدادية وفردية مطلقة؟ بطبيعة الحال لا يمكن أن يستمر حكم هؤلاء إلى الأبد؛ فالزمن أقوى من جبروت أي إنسان مهما كانت قوته وثروته ونفوذه، وها هو الحاكم الأوتوقراطي التركماني نيازوف رحل عن الحياة تاركًا وراءه تماثيله التي تُعد بالآلاف ومن بينها تماثيل صُنعت من الذهب الخالص وصوره وأمواله التي تقدر بالمليارات، كما أن الربيع العربي -كما يقول المؤلف ليبوفسكي- جعل هذه الأنظمة السياسية في أضعف حالاتها، ولن تستطيع الاعتماد إلى الأبد في معركتها مع معارضيها على أجهزتها القمعية، ولا مفر من إصلاحات اقتصادية سياسية اجتماعية..


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة