جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
خيار الصين الآسيوي وتحدي امريكا 2

الوجود الأمريكي في آسيا يشير الكاتب في الفصل الثاني بعنوان «أمريكا في آسيا» إلى أن آسيا شهدت منذ 1972، تطوراً سياسياً استثنائياً، وتنمية اجتماعية واقتصادية، إضافة إلى تلاحم إقليمي، كان من شأنه أن يضع الأسس للقرن الآسيوي. وقد كان التفوق الأمريكي يشكل عاملاً مركزياً لهذا بشكل أو آخر، فقد أخمدت الصراع في شرقي آسيا، خاصة حول جزر سبراتلي، ولم تلجأ أي من القوى الكبرى إلى الأسلوب العسكري منذ أن هاجمت الصين الفيتنام 1979. كما أن الولايات المتحدة قضت على التنافس بين القوى الكبرى لفرض نفوذها على القوى الأصغر، ولذلك بدلاً من ظهور كتل متنافسة، ظهرت منطقة منفتحة وشاملة، شكلت الأساس للإصلاح السياسي وتطور الأنظمة الديمقراطية. كما أنها سمحت لآسيا بالانضمام إلى النظام الاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة، لركوب موجة العولمة التي قدمت الكثير لدفع حركة النمو والتنمية الاجتماعية إلى الأمام. يجد الكاتب أن عدم منافسة أمريكا في تفوقها في آسيا ساعد على تحقيق النجاح لها، وما كان لكل هذا أن يحدث في آسيا من دون القيادة الأمريكية، وأن نجاح آسيا الحالي يصنف من بين أهم إنجازات القرن الأمريكي. كما يرى أنه ليس فقط نمو الاقتصاد الآسيوي دعم الاقتصاد الأمريكي، بل تفوقها في آسيا ساعد على تغيير الموازين في الحرب الباردة، ما أدت بدورها إلى انهيار الاتحاد السوفييتي بشكل نهائي. ومن المثير للغرابة أن هذا تبع الفشل الأمريكي في الفيتنام، بالتالي - في رأي الكاتب - الفشل العسكري الأمريكي الأكبر قاد إلى أحد أكبر النجاحات الإستراتيجية، ويفسّر هذا بعاملين: الأول: على الرغم من أن أمريكا فشلت في الاحتفاظ بجنوبي الفيتنام، إلا أن الصراع الطويل فرض حماية على بقية الدول الآسيوية من نفوذ الصين في فترة حساسة، وكان أمام الدول الحديثة الفرصة في تثبيت أقدامها على الأرض، ورفض النموذج الصيني والشيوعي، التوجه يتروٍ نحو الأنظمة السياسية المنفتحة واقتصاد السوق، وهو ما أكده حينها نيكسون حول أن حرب الفيتنام خلقت متنفساً لباقي آسيا. الثاني: دفع الفشل الأمريكي إلى الانفتاح على الصين، ذلك أن عقد اتفاق مع الصين كان يشكل أهمية كبيرة، فخروج أمريكا من الفيتنام مر عبر الصين، وكانت واشنطن قد وجدت أن الفيتنام هي رقعة إستراتيجية للتنافس مع الصين، كما وجدت أنه إذا ماتم إلغاء هذا التنافس، فإن الفيتنام يمكن أن تذهب من يدها وهو ما حدث بالفعل، لذلك كانت الحاجة للخروج من الفيتنام إلى جانب الأمل بالدعم الصيني في وجه الاتحاد السوفييتي، وهو كان السبب الرئيس الذي دفع نيكسون وكيسنجر لعرض اتفاق على الصين لإلغاء التنافس بينهما. وكان التوقيت في الحقيقة بالنسبة للصين جيداً، حيث كانت تشهد اضطرابات داخلية، وركوداً اقتصادياً، وعزلة دولية، وهذا ما دفعها على الرغبة في عقد اتفاق تركت بموجبه أمريكا تقود آسيا من دون أية منافسة، على الرغم من سقوط سايغون. إعلان شنغهاي يشير الكاتب إلى أن الاتفاق الصيني - الأمريكي المنعقد في شنغهاي عام 1972، حمل الولايات المتحدة تكاليف حقيقية وفوائد هائلة في ذات الوقت، بالنسبة للتكاليف كانت واضحة بما فيه الكفاية، حيث ذهاب نيكسون وكيسنجر إلى بكين فرض تغيير سياسة ربع قرن من الزمن، والاعتراف بالشيوعيين الصينيين كحكومة شرعية للصين. خاصة أنها جاءت بعد قرنين من الشجب المرير وحربين مكلفتين في كوريا والفيتنام معترضين بشكل رئيس على النفوذ الصيني. كما أن سجل نيكسون المعادي للشيوعية أفرغ من مضمونه مع الاتفاق. علاوة على ذلك، توجب على الأمريكيين أن يقفوا بعيداً عن الالتزام الاستراتيجي للتايوان، والتي كانت تحتل المركز بالنسبة للسياسة الأمريكية في آسيا منذ 1949، إضافة إلى التسوية على التايوان مع بكين. لكن بالنسبة لكل هذه التكاليف، كانت الفوائد الأمريكية من اتفاق 1972 هائلة أيضاً. فاتفاق نيكسون مع اليابان والصين لم يقد أمريكا خارج الفيتنام، بل إنها انحازت إلى الصين مع أمريكا ضد الاتحاد السوفييتي، وتركت التفوق الأمريكي في آسيا من غير منافس. كما أنها تركت آسيا تتبع الاقتصاد الغربي ومنهجه السياسي، وأصبحت تحت القيادة الأمريكية من أكثر المناطق الحيوية في العالم. أما بعد عام 1975، لم يحقق السوفييت أو يحاولوا الحصول على أية مكاسب في آسيا، تحديداً شرق أفغانستان. ويرى الكاتب أن نمو الاقتصاد الصيني دفع الاتحاد السوفييتي إلى حافة الانهيار في الحقيقة من خلال إظهار ما تمكن الحزب الذي يقوده الفكر اللينيني من تحقيقه، وبالتالي أظهر الأداء البائس للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي. وفي رأي الكاتب، الرئيس الصيني دينغ كسيو بينغ عمل أكثر مما عمله رونالد ريغان على تدمير الشيوعية السوفييتية. بعد الحرب الباردة يشير الكاتب إلى أن استجابة الصين لاحتجاجات ساحة تاينانمين عام 1989 فرضت اختباراً حقيقياً لعلاقتها مع دول العالم ما بعد 1975. فقد ذكرت إلى حد بعيد أن الصين، على الرغم من انفتاحها المتزايد، إلا أنها بقيت بيد حكومة شيوعية قمعية بصرامة. كما أن سقوط جدار برلين في السنة نفسها أظهر التناقض بين الصين وباقي العالم بشكل صارخ، وبالنسبة للعديد كان من غير الواضح إذا ما كان النظام الصيني سينجو، أو أن العلاقات مع الغرب يمكن أن تمضي نحو التطور. ويشير الكاتب إلى أن العلاقة الاقتصادية حينها لم تقدم للصين ذلك الثقل الكبير، حيث بعد عقد من الزمن على التحول الاقتصادي في الصين المبدوء عام 1979، كان اقتصادها لا يزال صغيراً بشكل نسبي، والقليل رأى فيه آمالاً طويلة المدى. وبقيت الصين مكاناً صعباً للاستثمار فيه، على الرغم من أنه كانت تبدأ لتصبح سوقاً جذابة للشركات الأمريكية، إلا أنه لم يظهر أنها تشكل عاملاً مركزياً للاقتصاد الأمريكي في المستقبل. بعد انتهاء الحرب الباردة، بدا مستقبل أمريكا في آسيا يعتريه الشك، فقد توضح للكثير أنه من غير الواضح أن تستمر أمريكا في حمل عبء القيادة في آسيا، ولم تكن كل من الصين أو الاتحاد السوفييتي قادرتين على قيادتها في تلك المرحلة. ولكن بعد انتخاب بيل كلينتون بدا واضحاً أن الولايات المتحدة حسمت قرارها بالبقاء في آسيا، والسبب في ذلك أن أمريكا خرجت من الحرب الباردة في شكل أقوى مما كانت تتوقعه، وشهد الاقتصاد الأمريكي ازدهاراً، كما زادت ثقة الأمريكيين بأنفسهم على تولي القيادة ليس فقط في آسيا بل في العالم كله، خصوصاً مع انهيار الاتحاد السوفييتي لم يكن التفوق الأمريكي ذا تكلفة كبيرة، طالما أنها من غير منافس. كما أن الدول الآسيوية كانت تشهد ازدهاراً كبيراً في اقتصاداتها، وحين توضح لأمريكا أن انتهاء الحرب الباردة قدمت فرصة فريدة من نوعها لتعزيز مكانتها على رأس النظام العالمي، وكان واضحاً أن القيادة في آسيا كانت مهمة بالنسبة لهذه الرؤية. على مدى سنوات التسعينيات، كان الاقتصاد الصيني ينمو، وبدأت تظهر الخطوط العامة للعلاقات الصينية - الأمريكية الحالية. وفي منتصف التسعينيات، بدأ بظهور ما يمكن أن يكون إجماعاً عريضاً ودائماً حول كيفية استجابة أمريكا لعواقب الصعود الصيني. واتبعت الولايات المتحدة سياسة تحمل تهديداً باطنياً يتجلى في خيار بسيط: إما أن تقبل الصين بالتفوق الأمريكي في آسيا وتنمو من دون أن تشكل تحالفات تؤثر في السيادة الأمريكية وإما أن تتحدى السيادة الأمريكية ويعاني اقتصادها الركود، خاصة أن الصين كانت ترغب بشدة في أن يندمج اقتصادها مع الاقتصاد العالمي لأجل الرأسمال، والتكنولوجيا والخبرات والأسواق. مع بداية القرن الواحد والعشرين، أصبح الاقتصاد الصيني ضخماً للغاية ومهماً بالنسبة للولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، وبات من الصعوبة إغلاق البوابة الاقتصادية في وجه الصين وعزلها عن العالم. وانفجار الأزمة الاقتصادية في 2008 - 2009 أكد، على نحو أكثر، أهمية الاقتصاد الصيني، وعدم نفع سياسة التهديد بفرض العزلة عليه من الجانب الأمريكي، وهذا دفع إلى ظهور فكرة الاحتواء الاستراتيجي، وجوهر القضية هي أن الصين تحتاج السلام والاستقرار للنمو، ولا يمكنها أن تتحمل الفوضى التي ستتبع محاولتها بمنافسة الهيمنة الأمريكية في آسيا على نحو استراتيجي. يؤكد الكاتب أن أمريكا اليوم تحتاج إلى الصين بقدر ما تحتاجها الصين، وستكون تكاليف أي صراع وفوضى باهظة وقاسية على بكين وواشنطن على حد سواء .المؤلف هوغ وايت


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة