جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
المجتمع الصيني- نظرة من الداخل-9

-9-
في عام 2006 ، حل عيد راس السنة الصينية( عيد الربيع)، وهو العيد الاساسي للشعب الصيني،علي في ظرف غير عادي .فقد اعلمني وفد سوري بانه سيمر ببكين في طريقه الى كوريا الشمالية بزيارة رسمية ، واخبرني الوفد بانه سيمكث في العاصمة الصينية عدة ايام بانتظار الطائرة المتوجهة الى العاصمة الكورية، وانه يرجو ترتيب بعض اللقاءات له مع مسؤولين صينيين . وضعني هذا الطلب في مشكلة حقيقية . فالفترة التي سيمكث فيها الوفد في بكين صادفت وقت احتفال الصينيين بعيد الربيع . ومعروف ان الصين كلها : الرسمية والشعبية تعطل على الاقل لمدة اسبوع ، وقد يمتد ذلك لاسبوعين . وخلال هذه الفترة تتجمد الحياة الرسمية بشكل كامل ، اضافة الى ان الصينيين يخصصون ايام العيد للقيام ببعض الطقوس والاحتفالات . اخبرت الوفد باستحالة ترتيب اي لقاء رسمي اثناء العطلة ، اجابو ا : مع ذلك سنحضرقبيل العيد بايام . وكان الامر ادهى . فالصينيون يكونون عادة منهمكين قبيل راس السنة اما بانهاء الامور التي لم تكتمل خلال العام المنصرم، او بوضع الخطط للعام الجديد .اضافة الى ان طقوس العيد تبدأ قبل ايام من حلوله. فهم سيكونون مشغولين في توفير حاجات العيد ،مثل الملابس والأحذية الجديدة والألعاب النارية والمفرقعات والشرائط الورقية المنقوشة بالأشعار، ولوحات رأس السنة الجديدة وصور الآلهة والشموع والفواكه المجففة واللحوم .وعادة يتوقف الصينييون عن طهي الطعام الجديد ا ثناء العيد ، ولذلك يقومون باعداد ما يكفي من الاطعمة لعدة ايام ، وهذا يتطلب وقتا طويلا .ومعظم الصينيين يؤمنون باسطورة تقول ، بان الآلهة المقيمة في الارض تغادر الدنيا قبيل العيد للقاء ربي الخير و الجحيم، لإخبارهما عما يفعله الإنسان من أعمال الخير والشر وعن حالة كل بيت . فيسارع الناس إلى تنظيف بيوتهم، وإلصاق المقصوصات الورقية على النوافذ، والشرائح الورقية المنقوشة بالأشعار على أعتاب الأبواب، وتقول الاسطورة بان كبير الآلهة يقوم كذلك– قبيل العيد – بجولة تفقدية على البيوت ، وهو يرضى عمن تكون بيوتهم نظيفة واعمالهم للخير كثيرة .واذا حصل صاحب المنزل على الرضى الآلهي ، فان امانيه ستتحقق في العام الجديد، لان كبير الالهة سيواصل الدفاع عن سلامة البيت النظيف بعد عودته الى السماء.
ويتداول الصينيون رواية اخرى عن مصدر هذه العادة. حيث يحكي ان أحد الأباطرة الصينيين في العهود القديمة كان له ولد نشيط في الأكل وكسول في العمل، وكان يلبس أزياء بالية وممزقة في الأيام العادية ويشرب حساء خفيفا جدا. وذات ليلة عند عشية رأس السنة الجديدة، كان جائعا وجمّده البرد حتى مات في ركن الغرفة. لذا، خلال آخر يوم من السنة القمرية، ينتهز الناس الفرصة للقيام بتنظيف شامل للمنزل واخراج الملابس البالية والممزقة ،وفضلات الطعام من البيوت ونبذها قبل حلول السنة الجديدة تعبيرا عن عزمهم عن منع الفقر من دخول بيوتهم.
وبعد التنظيف الشامل، يلصق الناس – كما اسلفنا - شعارات عيد الربيع على أبواب بيوتهم، ويعلقون الفوانيس فوقها مما يهيئ لمناظر العيد. وعندما تحل عشية رأس السنة الجديدة، يتناول عامة الناس عادة مشروبا يسمى توسو، وهو مصنوع من الخمر والماء. ويحكى أنه كان يسكن في كوخ شخص يدعى توسو ، وهو غريب الاطوار، وكان يركز أعماله على جمع الأعشاب الطبية من الغابات. وكلما تحل عشية رأس السنة الجديدة، يهدي الدواء التقليدي الصيني الذي يركبه بنفسه إلى أهل قريته، وينصحهم بأن يشرب جميع أفراد وأسرهم هذا الدواء في أول يوم من السنة المقبلة ،من أجل إزالة الأمراض والكوارث. كما كان يطلعهم بلا تحفظ على وصفته الطبية، فيسمي أهل قريته هذا الدواء توسو. ويتكون هذا الدواء – وفقا لللسجلات الطبية الصينية القديمة - من خليط من جذور نباتات مختلفة وخمسة أنواع أخرى من العقاقير التقليدية الصينية، وهو قادر على علاج بعض الأمراض والوقاية منها.
ويعتبر تناول الوجبة العائلية في عشية رأس السنة الجديدة عادة تتبعها جميع الأسر تقريبا. وفي هذا اليوم، يبادر كل أفراد الأسرة العاملين في مختلف الأماكن البعيدة والقريبة، بالعودة الى بيوتهم ما دام لديهم وقت كاف. حيث يتم لم شمل أفراد كل الأسر، ويجلسون حول مائدة زاخرة بأفخم الأطعمة الشهية ويتناولون وجبة سنوية في جو مفعم بالوئام والتلاحم.
وتختلف هذه الوجبة العائلية باختلاف مناطق الصين جنوبا وشمالا. ففي جنوبها، تشتمل هذه الوجبة على بضعة عشر طبقا عادة، ومن الضروري أن تتضمن جبن الصويا والسمك ،لأن ألفاظهما تشبه لفظ رغادة العيش في اللغة الصينية. أما في شمال الصين فمن الغالب تناول طعام الجياوتسي (العجين المحشو باللحم). ويشارك في إعداده جميع أفراد الأسر حيث يلفّون اللحم المفروم اللذيذ بشرائح رقيقة مستديرة مصنوعة من عجين الدقيق. وبعد تحضيره، يسلقونه في الماء المغلي حتى يصبح ناضجا، ويبهرونه بالتوابل. ثم يجلس جميع أفراد الأسرة حول المائدة ويأكلونه في جو مفعم بالنشاط والحيوية، الأمر الذي يرمز إلى لم الشمل.
وفي عشية رأس السنة الجديدة يرسل أصحاب العائلات أطفالهم الى بيوت أقربائهم وأصدقاءهم الأعزاء لتقديم الهدايا والمعايدة، ويسمى ذلك كوي سوي في اللغة الصينية، بمعنى إهداء العمر. او يدعون الآخرين الى بيوتهم لتناول وجبة ليلية سنوية معا، ويسمى ذلك بي سوي في اللغة الصينية ،بمعنى توديع العمر القديم. وبعد الانتهاء من تناول الوجبة، يقوم الجميع بتبادل التهانئ والشكر، ثم يتفرقون عائدين الى بيوتهم، ويسمى ذلك سان سوي.
.وعيد الربيع بالنسبة الى الصينيين هو موسم لوضع الخطة السنوية للعام الجديد ، لان الربيع هو الموسم الذي تستهل به السنة الجديدة، وخاصة بالنسبة للإنتاج الزراعي في الصين حيث أن الربيع هو موسم البذور. فيعلق الناس آمالهم على تحقيق الحصاد الوافر، والسلامة، والسعادة، والنجاح.
وعيد الربيع هو – للصينيين - عيد يجدد فيه كل ما هو قديم، وفسحة من الامل لانتهاء المشكلات مع العام المنصرم وبزوغ شمس التوفيق والصحة الجيدة مع فجر العام الجديد .
هذه التحضيرات تتم كلها قبل العيد .
لم تقنع ذرائعي هذه اعضاء الوفد بالغاء قدومهم. وقبل ايام من عيد الربيع الصيني وصل الوفد الى بكين . وظهرت مشكلة اخرى . فملايين الصينيين من المدن الاخرى يغتنمون فرصة العيد من اجل زيارة عاصمتهم والتعرف اليها . وهذا يعني انه من الصعب ايجاد امكنة فارغة في الفنادق.تم حل الامر بالعثور على فندق في احدى الضواحي القريبة من بكين لاقامة الوفد . كان علي تنظيم برنامج لمليء وقت الوفد المذكور اثناء عيد الربيع الصيني، لان جميع المحاولات لتأمين لقاءات رسمية لم تعط نتيجة . وكانت البداية من زيارة حديقة بيهاي الواقعة بالقرب من المدينة المحرمة ـ المقر الامبراطورى لاسرة تشينغ الملكية (1644 ـ 1911م)، وفيها بحيرة اصطناعية حفرت باوامر من الاباطرة ، مقسمة الى ثلاثة اجزاء هى: بيهاى وتشونغهاى ونانهاى.
وهذه الحديقة هى احدى اقدم واروع الحدائق الامبراطورية المحفوظة جيدا فى الصين. ولها تاريخ يعود الى 1000 سنة.
بُنيت هذه الحديقة خلال فترة امبراطوريات صينية عديدة. وبما ان الحديقة كانت حكرا على العائلة الملكية ، فقد تم منع العامة من الدخول اليها .وتم الغاء هذا المنع عام 1925، وبات بامكان عامة الناس الدخول الى الحديقة وقضاء يوم كامل من العطلة لقاء اجر زهيد . وتصل مساحتها الى 69 هكتارا، من ضمنها بحيرة مساحتها 39 هكتارا. وفى هذه الحديقة، تنتصب الاجنحة والجواسق والابراج متناغمة مع مناظر رائعة تشكلها البحيرة والتلال والاشجار والازهار والخضرة المنتشرة فى كل مكان .
تفخر الحديقة كذلك بالاحتفالاات التي تقام بمناسبة عيد الربيع- وهو عادة يأتي نهاية الشتاء- . فقد اقيم مهرجان للتزحلق على سطح البحيرة المتجمد، وتشجع عدد من الزوار للسير فوق الماء المتجمد ، وبرعت احدى الشركات في تأجير زوارق صغيرة تسير فوق الجليد .وتحت العرائش العديد المسقوفة بالقرميد الملون والمنتشرة على اطراف البحيرة ، اقيمت انشطة كثيرة ، منها العزف على الالات الموسيقية القديمة ، او الغناء الشعبي الصيني، او فقرات من اوبرا بكين الشهيرة . لكن اكثر ما يدهش ، كان العرض الذي قدمه مقاتلو الكونغ فو. فقد حضر هؤلاء خصيصا من معبد شاولين من اجل احياء بعض الحفلات خلال عيد الربيع في حدائق بكين .حول منصة العرض العالية تجمهر مئات الزوار وكل منهم يحمل بيده زجاجة ماء وبعض الاطعمة الخفيفة .ولم تمنع برودة الطقس الناس من القدوم والتمتع بما يقدمه رجال الكونغ فو. كان رياضيو الكونغ فو يرتدون البسة تقليدية فضفاضة تظهر منها سواعدهم القوية ، وكانو يلبسون نعالا قماشية مرنة . وبدت رؤوسهم الحليقة وكانها ثبتت بقوة على رقاب قصيرة ثخينة ، وهو امر يوحي بالصحة والقوة .
بدأ العرض بفقرة مثيرة ، حيث وضعت قطع من الطوب على رأس احد الرياضيين ، بينما امسك آخر بمطرقة حديدية ضخمة واخذ يهوي بهاعلى راس زميلة مكسرا قطع الطوب الى اجزاء صغيرة . كما اعتلى المنصة شخص ضخم الجثة اخذ مسمارا كبيرا من الحديد وادخله في عضده الى ان اخترق المسمار العضد وظهر من الطرف الآخر . ثم ثبت هذا الشخص على طرفي المسمار دلوا مليئا بالماء ، واخذ يدور بجسمه ويحرك ذراعه. وبعد ان انهى العرض، سحب المسمار من عضده، ودعا المتفرجين للتقدم نحوه للتاكد بانه لا يوجد اي اثر من دماء او جروح على ساعد ه. وهرع احد اعضاء الوفد وتلمس ساعد الرياضي من الجهات كلها ، ولما حضر الينا ، بادر بالقول وعلامات الدهشة والاعجاب تعلو وجهه: لقد فحصت عضد هذا الشخص ، ولمسته باصابعي ، تصوروا انه لا يوجد اي اثر للمكان الذي اخترق فيه المسمار العضد. كيف حدث هذا لا اعلم ! وتوالت العروض المدهشة على المنصة .
كان الجو باردا والحرارة قد هبطت الى عشر درجات تحت الصفر . وكان اعضاء الوفد ينتعلون احذية والبسة خفيفة ، وبدأوا بالتذمر من البرد . قلت لهم ، لا زلنا في البداية ، وعلينا السير ساعات وساعات من اجل الاستمتاع بما يعرض اليوم في الحديقة .لاقت جملتي هذه امتعاضا ، سرعان ما تحول الى غضب واستنكار . فقد اعلن احد اعضاء الوفد بان قدميه قد تجمدا ، وانه لم يعد يشعر بهما ، وانه بات يشعر كانه دخل في براد لتجميد اللحوم .( بالمناسبة كان عمل هذا الشخص في السابق في مؤسسة اللحوم ، واصبح الان يحتل مركزا وظيفيا كبيرا ).في اليوم التالي سافر اعضاء الوفد .الى كوريا الشمالية وهو يحملون معهم انطباعات لا تنسى عن عيد الربيع الصيني.
واحتفالات الصينيين لا تنتهي مع قدوم عيد الربيع في الشهر الثاني من كل عام ، بل هناك نشاطات احتفالية اثناء العيد تشمل- كما اشرنا-الوليمة العائلية التي يحضرها جميع أفراد الأسرة، وإذا كان بينهم غائب، فيجب أن يجهز له مقعد وأدوات أكل تعبيرا عن وجوده بين أفراد العائلة. وتفرش المائدة بأطيب المأكولات. والسمك طبق لا غنى عنه في مثل هذه الوليمة، ذلك أن نطق السمك بالصينية - " يوي" يشبه نطق كلمة" يويوى" التي تعنى الفيض والوفرة في كل شيء.
وفي الليلة المسماة باللغة الصينية" تشوشي " ،تحي كل الأسرسهرات خاصة ، حيث يضاء البيت كله بالمصابيح أو الشموع من داخله إلى الفناء، ويتجاذب أفراد الأسرة أطراف الحديث، وهم يتناولون المأكولات الخفيفة أوالفواكه أو يشربون الشاى أو يلعبون . أما الأطفال الذين يحملون معهم الفوانيس الملونة فيترددون بين الفناء والشوارع، وترتفع أصوات المفرقعات المدوية بين حين وآخر. وعندما يدق الجرس في تمام الساعة الثانية عشرة ليلا تدوي أصوات المفرقعات مع الألعاب النارية الباهرة تعبيرا عن قدوم السنة الجديدة.
في صباح يوم رأس السنة الجديدة، يقيم أفراد الأسرة بقيادة رب البيت مراسم تقديم القرابين للآلهة وأسلافهم، ثم يقف صغار الأسرة أمام كبارها، تعبيرا عن احترامهم لهم، أما الكبار فيردون عليهم بإهدائهم ظروفا بها نقود مع نصائح مشجعة لهم. ثم تبدأ الزيارات المتبادلة بين الأقارب والأصدقاء. وحسب العادات والتقليدية هناك ،أمران لابد من القيام بهما في ثاني أيام عيد الربيع. أولهما: يتحتم على العرسان الجدد زيارة الاهل ، والثاني هو استقبال إله المال، حيث تتم تحضيرات خاصة لترغيب دخول هذا الآله الى البيوت . وتقول الاسطورة التي يؤمن بها الصينيون ، ان من يتمكن من اغراء رب المال بزيارة بيته ، فان العام الجديد سيحمل له في طياته الثروة.ويقال ،حسب الصينيين القدماء،إن ثالث أيام العيد هو موعد زواج الفأر، فلا يسمح بالإضاءة في ليلة هذا اليوم، وينثر الأرز والملح تهنئة له.ورابع أيام العيد هو موعد استقبال الآلهة، تقام مراسم الاستقبال التي تشمل تقديم القرابين وإشعال البخور بعد الظهر.أما خامس أيام العيد، فبدءا منه تعود الأمور المحظورة خلال أيام عيد الربيع إلى مجراها الطبيعي ومنها مثلا: خروج المرأة من بيتها؛ واستئناف الطبخ؛ وحمل الفضلات إلى خارج البيت؛ وفتح المتاجر من جديد وغيرها.
طبعا لا يتقيد الصينيون كلهم بهذه التقاليد في الوقت الحاضر . ومع ذلك ، يبقى عيد الربيع -" تشونجه" ، الذي يحتفل فيه ني منذ عهد أسرة هان( عام 206 ق م- 220 م) ، هو الاهم بالنسبة لكل صيني ، سواء داخل الصين او خارجها .
في احد ايام الآحاد ،خرجت من مبنى السفارة سيرا على الاقدام قاصدا احد المحلات التجارية القريبة لابتياع بعض السلع الضرورية .نظرت من حولي ، لم اتبين شيئا . كانت السماء قاتمة مغبرة مكفهرة ، وكان الجو في بكين حارا ورطبا الى درجة الاختناق، يضاف الى ذلك وجود غمامة كثيفة من التلوث ، لفت المدينة بأكملها. في الشارع انعدمت الرؤية تقريبا ، واختفت البنايات العالية في الدخان الكثيف، وتوارت الاشجار ،واقفرت الشوارع الا من بعض المارة ،التي كانت اشباحهم تلوح كخيال باهت في خضم هذا الضباب السام ، وعندما يقترب هؤلاء ،لاتستطيع معرفة ملامحهم. فقد اخفوا وجوههم باقنعة من قماش القطن لتصفية الهواء.كان الوقت ظهرا ، وادركت ان الخروج الى الشارع في هذا الجو كان ضربا من المغامرة . اردت ان اعود ادراجي ، لكنني عدلت عن ذلك ، وواصلت السير الى المتجر. مكثت هناك نحو ساعة ، ولما هممت بالخروج ، اختلط الامر على : هل انا في وقت الظهيرة ام في الليل .فعندما دخلت كان ضوء النهار يملأ الشوارع،ولدى خروجي من المتجر ساد ظلام دامس كل شيء. لم افهم في البداية . ولاحظت احدى البائعات حيرتي ، فسارعت وشرحت : لقد تكدست السحب السوداء في سماء بكين ، وحجبت نور الشمس ،ولفت المدينة بالظلام . وهذا يحدث احيانا في هذا الوقت من السنة .وفي هذا الوقت تهب العواصف الشديدة من اجل تنظيف السماء واعدادها لقدوم عيد القمر .ونصحتني بعدم الخروج من المتجر الكبير والانتظارفيه .جلست في مقهى صغير داخل المتجر، يطل بجدرانه الزجاجية على الشارع . لم اكن وحدي، كان هناك عشرات من الناس الذين آ ثروا الانتظار هناك . وفجأة سمعت صوتا مألوفا لي جاءني من زاوية المقهى . التفت الى مكان الصوت ، كان هناك رجل يجلس خلف طاولة دائرية صغيرة ويتحدث بصوت مرتفع . لمحني الشخص ، فنهض وحياني بالعربية قائلا: اهلا يا استاذ، انها صدفة سعيدة ان اراك هنا ، لقد جئت انا وزوجتي من اجل شراء كعكعة القمر . فانت تعرف ان غدا هو عيد البدر، وكل عام وانتم بخير . تقدمت وصافحته ، وكنت قد تعرفت اليه من خلال وجوده في بعض الاجتماعات ، حيث كان يترجم من اللغة الصينية الى العربية . احضر لي كرسيا ودعاني الى الجلوس وطلب لي فنجانا من القهوة ، وهنأت زوجته بالعيد. غطت قعقعة الرعد على كل اصوات الحضور في المقهى . وشق برق ساطع الظلام الدامس حيث شطر السماء الى نصفين .وتوالى قصف الرعد ، وهبت رياح عاتية احنت الاشجار وحملت قطع الاوراق المتناثرة في الشارع . وفجأة بدأ ينهمر مطر غزير. امتلأت الشوارع بسيول من الماء النازل من السماء كحبال غليظة . لم ار في حياتي مطرا غزيرا كهذا مترافقا مع رعد شديد . كنت انظر عبر الزجاج الى هذا المنظر المدهش. قاطعني عبد الرحمن- وهو اسم الشخص- بقوله : هبوب هذه العاصفة كان ضروريا لتنظيف السماء من الغبار والتلوث، ولتمكين الصينيين من النظر ليلا الى القمر ومناجاته في عيده.و كان محدثي محقا ، فقد حمل المطر معه الى الارض الآف الاطنان من ذرات الغبار التي علقت به. وبعد ساعة ، توقف المطر وانحسر الظلام ، وظهرت الشمس مالئة الجو باشعتها الذهبية . وهذه من المرات القليلة في بكين التي تكون فيها السماء زرقاء والشمس ساطعة .هممت بالخروج ، لكن عبد الرحمن اوقفني محذرا: ينبغي ان تنتظر قليلا ، لان السير الان في الشوارع غير مريح. سألته لماذا؟ اجاب: ان انحسار الغيوم لا يعني انتهاء المطر.واضاف عبد الرحمن:
يحتفل الصينيون هذه الايام بعيد البدر او القمر ، ويرمز هذا العيد الى لقاء الاسرة ولم شملها . ويشبه الصينيون مشاعرهم من أتراح الفراق وأفراح اللقاء بالهلال والبدر، ويعلق الناس اشتياقهم إلى ذويهم وبلدهم بالبدر. ونظم الشعراء الكبار قصائد كثيرة للتعبيرعن الشوق إلى الوطن، ومنهم لي باي الذي قال: "أرفع الرأس نحو القمر، وأطأطأ الرأس شوقا لموطني".
وسألت محدثي : ولكن ما اصل هذا العيد؟ القى عبد الرحمن نظرة متفحصة ومتأنية على ساعة يده ، وصمت قليلا ثم قال ، هذا سؤال يحتاج الجواب عليه الى بعض التفصيل ، ونحن – انا وزوجتي في عجلة من امرنا، وهما بالمغادرة . في هذه الاثناء اكفهرت السماء من جديد، وخلال لحظات معدودة شقت سياط البرق النارية السحب السوداء التي تجمعت مجددا على عجل، واهتز زجاج الحائط الذي يفصلنا عن الشارع ،من جلجلة الرعد، وبدا المطر ينهمر . وكلمة ينهمر لا تعطي الصورة كاملة ، كان الماء يسيل من السماء وكانها فتحت بواباتها لتخرج ما احتجزته وراء سدها العظيم . كان واضحا انه يستحيل الخروج الى الشارع . عاد عبد الرحمن وجلس على الكرسي والضيق يعلو وجهه. طغت قعقة الرعد على كل الاصوات ، وفرضت على الجميع صمتا مطبقا، قطعته كلمات عبد الرحمن : لا بأس ، ما دام الجو يمنعنا من الخروج ، فلنتحدث. اعدت طرح السؤال عليه . صمت قليلا كأنه يبحث في ذاكرته عن الكلمات المناسبه وقال : كغيره من الأعياد الصينية، يرتبط عيد القمر بأسطورة مفادها ، إنه كانت هناك عشرة شموس تسطع فى السماء فى آن واحد، وتشع ضوءا مبهرا وحرارة شديدة كألسنة النيران. حتى أن مياه البحار والمحيطات كانت تغلي من شدة الحرارة ،والجبال تتصدع ،والأرض تتشقق والنباتات تحترق. ولم يجد الناس ملجأ يفرون إليه من ذلك الجحيم المستعر، سوى التفافهم حول ملكهم القوي و كان اسمه هو يى, وقد كان معروفا بمهارته فى رمي السهام ،وتمكن بقوته الخارقة من إسقاط تسعة من تلك الشموس فيما ترك الشمس العاشرة حتى لا تتحول الحياة على كوكب الأرض إلى ظلام دامس.
فرح القمر بهذا الانجاز العظيم الذى أعاد له هيبته فى السماء، كما فرح الشعب بأسره لنجاته من هلاك كان محدقا به. ولمكافأة هو يي منحته آلهة شي وانغ مو أكسير الحياة، ولكنها حذرته أنه يجب أن يستخدمه بطريقة تفيد الناس، ولكنه تجاهل هذا التحذير وألهاه المال والسلطة وأصبح طاغية. ولم تستطع زوجته تشانغ أه ان تقف موقف المتفرج من أعماله البشعة، لذلك سرقت أكسير الحياة لتخلص الشعب الصيني من هذا الطاغية ، ثم طارت الى القمر هربا من غضبة زوجها الذي قتل على يد احد اعوانه يوم الخامس عشر من الشهر الثامن حسب التقويم الصيني . وبذلك اصبح هناك ما يسمى بحورية القمر وأسطورة المرأة الجميلة تشانغ أه التى تعيش على سطح القمر.

ولم يبقى امام الصينيين سوى الدعاء للقمر لأن يحفظها سالمة آمنة حتى تعود ويلتئم الشمل من جديد. وتكريما لملكتهم المحبوبة تشانغ أه ، اطلق الصينيون اسمها على أول مسبار فضائي صينى فى رحلته التاريخية إلى القمر يوم 24 أكتوبر 2007 .
كان الماء المطري يسح على زجاج المقهى ، وتعالت اصوات الزبائن ضيقا من امتداد هذا الجو العاصف ،وتتالت نظرات عبد الرحمن الى ساعة يده . عندها قلت له : يبدو ان لديك عمل مهم . اجاب : ليس عملا ، بل ينبغي ان نذهب الى بيت والدتي لازورها ، . فعيد القمر يعني لم شمل الاسرة وتقدير المرأة، سواء كانت اما او زوجة او حبيبة . فالمرأة تحظى بمكانة فريدة فى هذا العيد ربما لا تحظى بمثلها طوال أيام السنة، ذلك أن الامبراطورة الخالدة التى تمتلك إكسير الخلود هى أنثى، والملكة تشانغ أ الغائبة الحاضرة- كما يلقبونها- هى ايضا أنثى، والقمر وفقا للعقيدة الصينية يعتبر رمزا للأنوثة فى أبهى صورها، بالنظر إلى أنه أصغر حجما من الشمس وأضعف ضوءا وأقل نصيبا من السماء، من حيث الفترة الزمنية التى يسطع فيها قياسا بالشمس- رمز الذكورة.والامر الاخر اللافت – قال عبد الرحمن -:ان كل شيء مستدير فى هذا اليوم يحظى باحترام خاص (تشبها بالبدر مكتمل الدائرة). فالموائد مستديرة، والفواكه الرئيسية هى البطيخ والرمان والبرتقال، وكذلك الكعكة الشهيرة (يويه بينغ) المحشوة بجوز الهند والبندق والعجوة والخضروات المتبلة المخلوطة بلحم الخنزير والمطهوة على البخار، لابد أن تكون مستديرة، ولابد من وضعها وسط المائدة.
واضاف عبد الرحمن ، وهو استاذ الادب العربي في احدى الجامعات الصينية :

في هذا العيد التقليدي الصيني القديم، كان الناس يصلٌون للقمر ويستمتعون بالبدر. واليوم اختلف الامر ، حيث حلت النشاطات الترفيهية محل طقوس الصلاة، فأصبح الاستمتاع بالقمر هو النشاط الرئيسي في عيد البدر .فعندما يتبوأ القمر مكانه في السماء ويشع بنوره، يضع أفراد الأسرة طاولة في ساحة ما وعليها أطعمة وفواكه، منها كعك عيد البدر وبذر البطيخ والرمان والعناب الخ، ثم يجلسون حولها، يستمتعون بالقمر ويتناولون الأطعمة وهم يتجاذبون أطراف الحديث، كما أن الصينيين ينظمون نشاطات ترفيهية في هذا اليوم. وسألته: لماذا يكثر الصينيون من شراء كعك القمر؟ اجاب:
في البداية، كان كعك عيد البدر من النذور في صلاة القمر، بعد ذلك أصبح هذا الكعك من الأطعمة الضرورية في عيد البدر. كان طعم الكعك حلوا في البداية، وكان يحشى بالجوز وبذر البطيخ والسكر، فيما بعد تنوع طعم كعك عيد البدر.ودعت عبد الرحمن ، وتمنيت له اجازة طيبة في العيد مع عائلته واقربائه ، وعدت الى السفارة .
في عيد البدر، صارت المحلات التجارية الكبرى في الصين تتبارى فيما بينها في عرض علب مليئة بكعك القمر،وابدع الطهاة في تنوع اشكالها وحشواتها . وتسود الان في المجتمع الصيني عادة اهداء علب كعك القمر . وقد خرجت هذه الممارسة عن كونها رمزا وهدية تقدم للاصدقاء بمناسبة العيد ، وصارت مادة للمباهاة وحتى للفساد الاداري. وقد اضطر هذا التوجه صحيفة الشعب الصينية الرسمية الى نشر مادة لنقد الانحراف الذي حدث في تقديم هدايا عيد البدر. قالت الصحيفة :
"مع اقتراب عيد منتصف الخريف، قامت احدى الشركات ببكين بترويج العديد من أصناف كعكة القمر المصنوعة من الذهب والفضة. مثلا طقم متكون من قطعتين من كعك القمر المصنوع من الذهب يبلغ سعره 9520 يوان(الدولار الواحد يساوي 6 يوانات)، وطقم متكون من6 قطع سعره 25740 يوان. ورغم هذه الأسعار العالية إلا أن هذا النوع من الكعك قد شهد مبيعات كبيرة. وخاصة العلبة المسماة "منتصف الخريف كنز وطني" الذي بلغ سعره 47620 يوان. ووفقا للمصادر المطلعة، فإن غالبية طواقم الكعك الذهبية والفضية، قد تم شرائها لإهدائها إلى الأجهزة الحكومية.
وتضيف الصحيفة :
طبعا "كعكة القمر الذهبية" هي ليست كعكة تؤكل، بل هي سلعة مصنوعة من الذهب الخالص. ويعود رواج "كعكة القمر الذهبية" إلى ما قبل 6 أو 7 سنوات، وتشهد ذروة مبيعاتها في عيد منتصف الخريف كل سنة. لكن هذا العام ظهرت كعكة القمر الذهبية في أصناف مختلفة وتم انتاجها بكميات أكبر، والسبب طبعا يعود إلى ازدياد عدد المشترين، وسعادة الغانمين.
كعكة القمر هي في الأصل هدية يتبادلها الصينيون في العيد، لكن بعد أن صبغت بالذهب، لم تعد تنتمي إلى الهدايا العادية. لأنها أصبحت ثقيلة جدا، وتجاوزت كثيرا المشاعر النقية الكامنة بين الأصدقاء والأقارب، وأصبحت جزءا من الصفقات الرمادية. إذ مالفرق بين إهداء "كعكة القمر الذهبية" تناهز قيمتها مئات آلاف اليوانات، وبين اهداء حزمة من الأموال النقدية؟ هذه كلها رشاوي مفضوحة وعارية".
لقد فقدت هدايا عيد البدر في الصين كثيرا من معناها الاولي .ففي الماضي، كانت ثقافة عيد منتصف الخريف تتمحور حول "جمع الشمل"، حيث يعود الأبناء الذين يعيشون بعيدا عن أهلهم الى البيت، ويجتمعون مع الأقارب والأصحاب، ويقوون الروابط بينهم وهم يأكلون ويشربون ويمرحون. أما في الوقت الحالي فقد أصبحت عادات العيد مبتذلة، حيث تحول تقديم الهدايا إلى "ضرب من الشؤون العامة"، والكثير من الناس أصبح يؤرقهم تقديم الهدايا للشخصيات المتنفذة، وفقدوا متعة الإستراحة والتمتع بالعيد.
وفي حقيقة الامر ، فان عيد البدر الخريفي لم يعد كما كان في السابق، فرصة لتعميق العلاقات الاسروية ، بل صار في احيان كثيرة وسيلة للتقرب من المدراء والمسؤولين طمعا في فوائد محددة.، كما صار يشتم من علب الحلويات الفاخرة رائحة الفساد، أما التقاليد التي توارثها الشعب الصيني لآلاف السينين، فقد فقدت كثيرا من طعمها".


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة