جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
تأثير التقاليد والاساطير في المجتمع الصيني-8-

-8-
اذا كانت الكنفوشية والطاوية هما مفتاحا الوعي في الصين ، فان التقاليد والتراث المستند الى الاديان القديمة هي الممر الاجباري لفهم المجتمع الصيني ، وهي التي تمييز الصينيين عن غيرهم من امم الارض. والشيء الذي لمسته خلال اقامتي الطويلة في الصين و معايشتي لشعبها ،ان التقاليد القديمة ، لاتزال تلعب دورا حاسما في صياغة العلاقات بين الافراد الصينيين حتى الان ، رغم التقدم الاقتصادي والعلمي الذي بلغه هذا البلد ، ورغم الهزات التاريخية التي ضربته.ولم يتمكن الاستعمار الغربي والاحتلال الياباني اللذان امتدا نحو مائة عام من اعادة صياغة العلاقات الاجتماعية في الصين ، كما عجزت التغيرات التي نتجت عن الثورة الشيوعية في الصين من اختراق جوهر المجتمع الصيني، وبقيت هذه التغييرات تلامس القشرة فحسب . صحيح ان النظام الشيوعي الحاكم في الصين قد سعى لعصرنة التقاليد الصينية والتراث القديم واضفاء الطابع الاشتراكي عليها ، لكن هذه المحاولات التي استمرت عشرات السنين ، لم تصمد وبدأت بالتآكل رويدا رويدا، مفسحة المجال لعودة التقاليد القديمة مرة اخرى . فقد وجدت الحكومة الصينية نفسها مضطرة الى الاعتراف - مثلا - بعدد كبير من الاعياد التراثية القديمة ، بعد ان حاربتها بشراسة في فترة الحكم الماوي . ففي عام 2008 ، اصدرت الحكومة الصينية،بعد جدل تواصل على مدار عام كامل، قرارا بتعديل التقويم السنوي للعطلات الرسمية في الأعياد والمناسبات الوطنية .وقد اضيفت ثلاثة اعياد قديمة الى التقويم السنوي للعطلات الرسمية وهي : عيد الموتى وعيد التنين ، وعيد القمر . ومن المفيد الاشارة الى ان معظم العطلات الرسمية في الصين هي لاعياد تستند الى التراث القديم .فقد حددت قرارت الحكومة الصينية ، مدة العطلات الرسميةعلى الشكل التالي: يو م واحد لعطلة عيد رأس السنة الميلادية الجديدة؛ 3 أيام لعيد الربيع(قديم) ، يوم واحد لعيد العمال في أول مايو، 3 أيام للعيد الوطني في أول أكتوبر، يوم واحد لكل من عيد دوانوو (الخمسة المزدوجة) وعيد تشونغتشيو (منتصف الخريف)،-وكلها اعياد تراثية دينية قديمة - اضافة الى الاعياد التي ذكرناها . وقد سوغت السلطات الرسمية الصينية قراراها هذا بالحفاظ على " العادات الشعبية والتراث الثقافي للأمة الصينية التي يعود تاريخها إلى أكثر من خمسة آلاف عام ".
مثال آخر: رغم كل موجات العصرنة والاوربة( نسبة الى اوربا)، فان المجتمع الصيني قد احتفظ بهويته الخاصة في الطعام وبوسيلة تناوله – العودان ، وهناك ميل قوي للعودة الى اطباق الطعام ونمط العمارة واللباس التي كانت سائدة ايام الاباطرة .ثم ان اثرياء الصين يتسابقون فيما بينهم من اجل العيش في مساكن تبنى على الطراز الصيني القديم ، وقد اشرنا الى ان اسعار الابنية القديمة في بعض احياء بكين قد وصلت الى ارقام فلكية .وأكثر الاعمال الدرامية السينمائية والتلفزيونية شعبية في الصين ، هي تلك التي تعيد انتاج العصور القديمة. يضاف الى ذلك عودة الصينيين الى الكونفوشية والطاوية والبوذية الصينية . ولابد من الاشارة الى ان دراسة التاريخ والفلسفة الصينية باتت من المواد الاجبارية االتي يمر بها قادة الصين . ويفاخر سياسيو الصين باقتباس بيوتا من الشعر الصيني القديم او مقولات من اقوال كونفوشيوس وغيره اثناء الاجتماعات الرسمية، خاصة مع الوفود الاجنبية ، ويعتبر ذلك في الصين دليلا على عمق ثقافة القائد السياسي .
هذه الامور وغيرها مكنت من الحفاظ على العادات والتقاليد القديمة ، ووفرت تواصلا عز نظيره مع الحضارة الصينية القديمة ، وغذت المشاعر الوطنية وكونت السمات الخاصة للمجتمع الصيني. وقلما نجد مجتمعا في العالم يتعايش فيه القديم جنبا الى جنب مع المعاصر مثل المجتمع الصيني .ومرد ذلك يعود الى طبيعة التراث والفكر الفلسفي الذي ساد في الصين على امتداد الاف السنين.وسأتحدث عن ذلك بالتفصيل .
ذات يوم اعلمني مكتبي في السفارة ، ان تشاو يونغ المدير العام لمجلس إدارة نادي تشانغآن يدعوني لحضور محاضرة عن تأثير الاديان والتراث الصيني القديم في حياة الصينيين المعاصرة .كان موضوع المحاضرة بحد ذاته مشوقا ، ومما زاد في التشويق انها ستتم في اهم نوادي الصين المخصصة للنخبة الثرية في المجتمع الصيني .
يطل النادي على شارع تشانغآن ببكين- وهو الشارع الرئيسي في العاصمة الصينية،و
يتكون مبنى النادي من 13 طابقا، وتبلغ مساحته 24 ألف متر مربع، وتعد الطوابق الثلاثة تحت الأرض مركزا للرياضة والتسلية، وتنتشر في الطوابق العشرة فوق الأرض المطعم وقاعات الاجتماعات والمطالعة والمكتبة والمكاتب الإدارية الخ. ولذلك يجمع النادي بين الشؤون التجارية والرياضة والتسلية والمعاملة الاجتماعية. ويضم النادي أكثر من 800 عضو،هم قادة الصناعة المصرفية وصناعة تكنولوجيا المعلومات والصناعة العقارية وغيرها، وهم ليسوا أرستقراطيين تقليديين، بل ناجحون في أعمالهم التي جمعوا منها ثروات كبيرة وباتو من قادة المجتمع الصيني.
عند المدخل ، كانت باستقبالي سيدة صينية انيقة المظهر ، صارمة القسمات، عرفت عن نفسها بانها رئيسة ادارة الانشطة في النادي . رافقتني الى قاعة المحاضرة ، وفي الطريق علمت منها ان النادي افتتح عام 1996،وان عددا من رؤوساء الشركات العالمية اعضاء فيه ، وان قيادة النادي قد استقدمت شركة بريطانية لادارته.وسألتها عن عضوية النادي، اجابت : هناك رسم اشتراك سنوي مرتفع جدا ، بالاضافة الى ان وضع الشخص ينبغي ان يكون مميزا جدا . واضافت قائلة :
"ينظم النادي نشاطات متنوعة تفوح منها رائحة العصر. كالمحاضرات حول انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية والصناعة المالية والعقارية، والنشاطات الرياضية كالتنس واليوجا،و مآدب تجارية، ورحلات عمل واستجمام الى الدول الاخرى ".
كانت قاعة المحاضرات في النادي تغص بالحضور، وهذا امر طبيعي ، فمن يريد العمل في الصين عليه ان يعرف كيف يتعامل مع الصينيين . ومنظومة الاديان القديمة تمثل احد اهم الوسائل لسبر كنه الشخصية الصينية المعاصرة. بدأ المحاضر،وهو من هونغ كونغ، كلامه بالقول ، ان علاقة الفرد الصيني بالاديان القديمة معقدة جدا . فالصيني لديه – منذ القدم – فهمه الخاص للدين . ولا بد من الاشارة الى ان الاديان في الصين ليست سماوية ، بمعنى انها لا تعالج العلاقة بين الفرد والاله ، بل هي ارضية تهتم بسعي الانسان نحو فهم الطبيعة المحيطة به ودرأ اخطارها وبناء العلاقة بين الناس انفسهم على اساس من الحكمة والعدل .والالهة في الصين قسمان : فهي اما آلهة تجسد قوى الطبيعة لدرء اخطارها ، واما آلهة من اصل بشري ، اي انهم كانوا بالاصل بشر و تحولوا الى آلهة بفضل اعمالهم الطيبة . ولذلك اصبحت قبور عدد كبير من القادة العسكريين والفلاسفة معابد يؤمها الصينيون . واضاف المحاضر: كانت الأرض والسماء في الاديان الصينية القديمة مرتبطتين إحداهما بالأخرى ، لأنهما شطران من وحدة كونية عظيمة ، وكانت صلة إحداهما بالأخرى أشبه ما تكون بصلة الرجل والمرأة، وصلة السيد بالتابع واليانج بالين. وكان نظام السموات ومسلك الآدميين الخلقي عمليتين متقاربتين متشابهتين، لأنهما شطران من نظام عالمي لا غنى عنه يسمى دو- أي الطريقة السماوية .وليست الأخلاق الطيبة في اعتقاد قدماء الصينيين ، إلا نتيجة للتعاون القائم بين أجزاء هذا الكل، شأنها في هذا شأن القوانين التي تسير نجوم السماء.
ومن هاتين البدايتين نشأ العنصران اللذان يتألف منهما دين الصين القومي وهما: عبادة الأسلاف المنتشرة بين جميع طبقات الأمة، وعبادة السماء وعظماء الرجال التي تدعو إليها الكنفوشية. وكان الصينيون يقدمون في كل يوم قرباناً متواضعاً- ويكون في العادة شيئاً من الطعام- للموتى ، ويرسلون الدعوات الصالحات إلى أرواحهم ؛ ذلك أن الزارع أو العامل الساذج، كان يعتقد أن آباءه أو أسلافه يعيشون بعد موتهم في مملكة غير محددة أو واضحة له ، وأن في مقدورهم أن يسعدوه أو يشقوه.
وكان الصيني المتعلم يقدم لأسلافه مثل هذا القربان ، ولكنه لم يكن ينظر إلى المراسم التي تصحبه على أنها عبادة، بل كان ينظر إليها على أنها نوع من إحياء ذكراهم. ولقد كان من الخير لأرواح الموتى وللشعب الصيني بوجه عام أن يعظم هؤلاء الأموات ، وأن تخلد ذكراهم ،لأن في تخليدها تعظيماً للطرق القديمة التي كانوا يسيرون عليها، وسداً لطريق البدع ،وإقرارا للسلام في أنحاء الإمبراطورية. وما من شك في أن هذا الدين كان يسبب للصينيين بعض المتاعب والمضايقات . من ذلك أنه ملأ البلاد بما لا يحصى من القبور الضخمة التي لا يمكن انتهاك حرمتها ، فعاقت هذه القبور إنشاء الطرق الحديدية وفلح الأرض للزراعة . ولكن هذه الصعاب كانت في نظر آباء الفلسفة الصينية ،صعاباً تافهة لا يقام لها وزن، أمام ما تسديه عبادة الأسلاف إلى المدنية الصينية من استقرار سياسي واطراد روحي. ذلك أن هذا النظام المتغلغل في كيان الأمة الصينية قد اضفى عليها وحدة روحية زمانية ،رغم ما فيها من عوامل التفرق والانفصال التي تحول دون وحدتها المكانية وأهمها المسافات الشاسعة ، ومن فقرها في وسائل النقل وسبل الاتصال. وبفضل هذه الوحدة الروحية ارتبطت الأجيال بعضها ببعض برباط قوي من وحدة التقاليد ، وبذلك كان للحياة الفردية نصيب مشرف موفور وعظيم في هذه العظمة التي لا يحدها وقت ،وفي ذلك المجال الممتد على مدى الزمان.
واضاف المحاضر : تاريخيا كانت ديانات الصين تميل إلى الحكمة واخذ العبر، أكثر من الميل إلى التحليل الفلسفي العميق الموجود في الديانات الهندية . وربما يرتبط هذا بالاتجاه إلى العالم والدنيا وتحقيق السعادة فيها من خلال الحكمة العملية التي تعين على فهم الحياة بدلا من التركيز على التحليل النظري لنشأة الكون . ثم ان الفكر الفلسفي في الصيني قد نحا ايضا باتجاه المجتمع والفرد اكثر من سعيه لشرح الكون والانشغال بمسائل الأخلاق والمنطق والميتافيزيقيا ومشاكل المعرفة. فلاسفة الصين احتلوا مراكز كبيرة في المجتمع- وصلت حد القداسة - لانهم طرحوا افكارا محددة وعملية لتنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع والطبيعة وبين الانسان والحاكم .ثم ان الفكر التراثي الصيني قد اظهر عموما، اهتماما كبيرا بالأسرة كمؤسسة اجتماعية أساسية ، وهو في هذا يشترك مع الفكر الشرقي عموما، لكنه يتجاوزه من خلال الاهتمام بجعل الأسرة مصدر دلالة وتوجهات القيم الاجتماعية الرئيسية . فالأسرة الصينية لا تقوم على الأساس الفردي- كما هو الحال في نظام الأسرة الغربية- ولكنه يعتمد على النظام الجماعي بمعنى العائلة الكبيرة المشتركة التي تجمع بين أحضانها عدة أجيال ما بين أبناء و آباء وأجداد مع زوجاتهم وأبنائهم وأقاربهم المعتمدين عليهم . وتقع المسؤولية على أكبر الذكور . وهناك وحدة اجتماعية أكبر من وحدة الأسرة بهذا المفهوم السابق وهي وحدة العشيرة التي تضم عددا من الأسر التي تعود إلى نسب واحد ، وتعكس الأخلاقيات الصينية نوعا من التدين أو التقوى الأسرية أو ما يمكن تجاوزا تسميته- كما اشرنا - بعبادة الأسرة وتأليه الاجداد.
واضاف المحاضر :اما بالنسبة للحاكم، فقد اكتسب في الديانة الصينية وضعا خاصا في الدين والأخلاق. فالحاكم ليس مجرد المدير لشؤون الدولة ،ولكنه ايضا بمثابة الأب للعائلة الكبيرة التي هي الدولة ، وهو ابن السماء ، أو النموذج الأول على الأرض للنظام الأخلاقي للعالم ، فإذا كان سلوكه مناسبا وأخلاقيا، فالدولة في أحسن أحوالها ، ولكن إذا فشل في أن يكون النموذج الأخلاقي، ففي هذا تهديد للنظام الاجتماعي واستدعاء الكوارث وتشويه لفيض القوى الكونية . وختم المحاضر بالقول:
وهكذا ، فان رقي الانسان وسعادته وتوفير العدالة له، كان-عموما- الهدف الاساسي لاديان الصين القديمة وفلسفتها.وهذا لا ينفي استغلال الفئات الحاكمة للتقاليد والفلسفة من اجل اطالة فترات حكمها ، ومع ذلك يتمسك الصينيون بتقاليدهم وبفلاسفتهم ، ويعتبرونها مكونا اساسيا لهويتهم الوطنية .ولذلك تعيش الطقوس المرتبطة بهذه التقاليد المستندة الى الاديان القديمة حتى يومنا هذ"ا.


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة