جديد المركز
كتب رئيس المركز
مقالات الصحف
شاركنا برأيك
ندوات و تقارير
المجتمع الصيني:مفاتيح العقل الصيني-7


-7-
الطاوية
أذا كانت الكونفوشية تعالج علاقة الفرد بالمجتمع والدولة ، وتعلم الفرد كيفية الالتزام بالنظام وتحدد المراتب الاجتماعية والحكومية ، فان الطاوية قد اختصت بالاهتمام بعلاقة الإنسان بالحياة والوجود بكامله، وبكيفية إيجاد التناغم داخل الإنسان نفسه وفي علاقاته مع المحيط الخارجي وانجاز الانسجام مع الطبيعة .
وكان الهدف الأساسي للطاوية هو بناء جسم للفرد، قوي و خال من الأمراض، و معرفة مواطن القوة لدى الإنسان والسعي إلى إطالة عمره .ولتحقيق ذلك وضعت الطاوية أنماطا فريدة من التمارين الرياضية القائمة أساسا على التنفس والحركات البطيئة لحفظ التوازن وضبط متانة الجهاز العصبي وترميم العضلات وشدها .ونظرة واحدة إلى حدائق بكين ، تظهر عمق تغلغل الطاوية في عقول الصينيين. ففي الصباح الباكر يمكن رؤية حشود هائلة من الصينيين في هذه الحدائق تمارس التمارين الطاوية ،والقائمة على الحركات البطيئة والتنفس العميق. وغالبا ما تجد أفرادا انزووا في أماكن منعزلة يحيون طقوسا هي مزيج من التأمل و الحركات الرياضية . وقد برع الطاويون في تركيب الادوية ، وهذا الأمر دفع أباطرة الصين الطامحين إلى إطالة عمرهم، للتوجه نحو الطاوية بحثا عن الصحة الجيدة والعمر المديد . لا بل إن بعض هؤلاء الأباطرة قد غالى إلى حد انه كلف بعض فلاسفة الطاوية بالعثور له على إكسير الخلود.وبهذا المعنى ، كانت الطاوية الحافز الاساسي الذي شجع على تطور الطب والعقاقير الصينية .
في صيف عام 2007،نظمت الجمعية الطاوية الصينية احتفالا بقاعة الشعب الكبرى وسط بكين بمناسبة تأسيسها قبل خمسين عاما.وكنت من بين المدعوين.واللافت ، ان عددا كبيرا من قادة الحزب الشيوعي الصيني والحكومة والمجلس الوطني( البرلمان ) حضروا هذه المناسبة . وهو أمر يشير إلى الأهمية التي توليها الأوساط الرسمية للطاوية في الصين.
ممثل الحزب الشيوعي أكد في كلمته أن الطاوية التى نبعت من الثقافة الصينية ، كان لها تأثير هام على التاريخ والمجتمع والثقافة بالبلاد،وان الجمعية الطاوية الصينية قد فعلت الكثير أيضا في مجالات أعمال الخير وحماية البيئة. وفي تنفيذ التبادلات والارتباطات مع الأوساط الطاوية في منطقتى هونغ كونغ وماكاو الإدارتين الخاصتين،وفي دفع توحيد الوطن وحماية السلام العالي.
رئيس الجمعية الطاوية القى كلمة ،شرح فيها الدور الذي قامت به من اجل تنظيم أنصار الطاوية، والقيام بكثير من الانشطة التي ساعدت الصينيين على العيش حياة صحية وسعيدة .وعقب الاحتفال ، نظم قادة الجمعية حفل عشاء للمدعوين . وقد جلس إلى جانبي على طاولة الطعام مسؤول العلاقات الخارجية في الجمعية . وكانت بالنسبة لى فرصة لا تعوض من اجل معرفة المزيد عن الطاوية من مصادرها الأولى.سألته عن مضمون الطاوية فأجاب:
ان الوجود كله- بما فيه الوجود الإنساني- يتكون، حسب الطاوية، من قوتين أو طاقتين متكاملتين: (ين ـ يان) ،اضافة الى ثنائية المؤنث ـ المذكر، البارد ـ الحار، المنفعل ـ الفعال ، السالب ـ الموجب. والشيء المهم أن هذه الثنائية تكاملية منسجمة وليست متصادمة ، بمعنى ان أي طرف منها لا يوجد إلا مع الطرف الآخر. فليس هنالك ليل دون نهار، وشهيق دون زفير، وذكر دون أنثى، وعالي دون واطي، وساخن دون بارد.. إلخ. والطاوية تعني الطريق للتوازن والتكامل والانسجام بين طاقتي الوجود الين واليان، وبين هذه الثنائية. او بمعنى آخر، التوازن بين القوى المطلقة والغاية القصوى لكل الوجود.
وتابع قائلا: والطاوية أسسها الفيلسوفان لاو تسي وتشوانغ تسي حوالي القرن الرابع قبل الميلاد. وسارسل لكم الكتب الاساسية لاباء الطاوية .
وسألته: ما هي تطبيقات الفكر الطاوي في الحياة الصينية ؟ فكر مليا ، وتحدث مع جاره عضو إدارة الجمعية ، ثم قال: الطاوية هي نمط حياة الصينيين . فلا يمكن تصور اي صيني بعيدا عن الطاوية.
فالطاوية هي أم الطب الصيني، الذي ينطلق في أساسه من النظرية القائلة ان جسم الإنسان يحتوي على طاقتي اليان الحارة، والين الباردة. والصحة هي التوازن بين هاتين الطاقتين، والمرض يعني الخلل في توازنهما. ونحن نعتبر ان الأمراض هي في واقع الأمر ، محاولة من جانب كيان الإنسان لإصلاح عدم توازن معين في بدنه ،ناتج عن خلخل حدث في سلوكه اليومي وتغذيته. وهذا يعني انه يجب ألاّ يُنظَر إلى الأمراض كعدوٍّ بل كصديق: فالمرض ليس دومًا عقابا أو علامة ضعف، بل هو رد فعل الجسم من اجل إجبار الإنسان على إعادة التوازن في سلوكه. ويعاد هذا التوازن من خلال تحسين نمط العيش و الأغذية والأدوية العشبية والوخز بالإبر، وذلك كله يعطي فرصة للطاقة للتحرك في أنحاء الجسم وتقليل الطاقة الزائدة، وزيادة الطاقة الناقصة. فمثلا لو كان المرض بسبب زيادة في طاقة اليان وقلة الين، فان على المريض أن يستهلك أغذية فيها طاقة الين (الباردة)، ويمتنع عن أغذية اليان (الحارة). وهنالك أيضا أدوية وتمارين رياضية معينة تساعد في عملية التوازن.
كذلك يطبق مبدأ (الين واليان) على الكثير من المجالات الأخرى ، مثل رياضة القتال الصينية (كونفو)، وتمارين التوازن (تايشی) والوشو.ونحن- والكلام لمسؤول الجمعية- نعتبر ان هذه التمارين تجدد الجسم الإنساني ، وتساعده على التخلص من الخلل الحاصل في الطاقة ، إضافة الى ذلك ، فان هذه التمارين لا تستنزف أعضاء الجسم - مثلما يحدث في الرياضة الاوربية-، بل هي تساعد على ترميم التالف منها وإطالة العمر.
وتابع مسؤول الجمعية قوله: لقد اثَرت الطاوية ايضا في تنظيم حياة الصينيين من خلال الفون شوي- (فن العيش)،حيث تبنى المدن والبيوت وتنظم من الداخل بصورة تحترم التوازن بين طاقتي الين واليان. فينصح مثلا أن يكون اتجاه الرأس عند النوم نحو الشمال والشرق، لأنه اتجاه (ين) الذي يمنح الهدوء والخدر، أما وضعنا في العمل فيحسن ان نتجه نحو الجنوب والغرب لأن اتجاه (يان) فعال ومنشط.
والطاوية لا تهدف الى تحقيق الانسجام بين الإنسان ونفسه من خلال الطب الصيني والرياضة والفون شوي فحسب، بل هي تسعى إلى انجاز الانسجام بين الإنسان والطبيعة. وعلى هذا الأساس كانت الطاوية المبادرة إلى فكرة ذهاب الإنسان إلى الطبيعة - ان استطاع - ، واذا لم يتمكن ،احضارالطبيعة إلى الإنسان من خلال الحدائق الاصطناعية .لقد أبدعت الطاوية في تصميمها انطلاقا من أسطورة الجبال الثلاثة المقدسة للبحر الشرقي ،و صممت العديد من الحدائق لتشتمل كل واحدة على ثلاث جزر داخل هيكل من الماء. وكان هذا التصميم يُعرف بأنه "مياه واحدة وثلاثة جبال". وعلى سبيل المثال فإن القصر الصيفي في بكين مبني حول بحيرة كونغمينغ وجزرها الثلاث، وترتفع ثلاث مقصورات تمثل جزر مياه حديقة تشوتشن في سوتشو. هذه الحدائق والمتنزهات العامة كان المقصود منها ليس فقط توفير بيئة طبيعية جميلة، وإنما أيضا الحصول على بيئة مناسبة للتنويرالروحي .
انتبه مسؤول الجمعية إلى أن حديثه قد ألهاني عن تناول الطعام الطاوي . فتوقف عن الكلام وأشار االى الأطباق التي تزين الطاولة ، وهي عبارة عن خضروات واجبان حبوب الصويا وحلويات من الأرز، إضافة إلى خبز الأرز المطهي على البخار.وعقب قائلا: أرجو أن يعجبك الطعام ، فهو سهل الهضم وميسر لمرور الطاقة ومطيل للعمر.
لم تكن هذه المرة الأولى التي أتناول فيها مثل هذه الأطعمة ،والتي تمثل فعليا جوهر المطبخ الصيني، وكنت اعرف فوائدها الصحية ، ولكن هذه أول مرة اسمع أن هذه الأطعمة تساعد على مرور الطاقة الصحية في الجسم . ويمكن ان يكون الامر قابلا للنقاش بالنسبة لي ، اما للصينيين، فهو الحقيقة بعينها . والشيء نفسه ينطبق على ما يسمى بفن العيش أو الفين شوي.
يقول الصينيون، ان الفين شوي يعالج العلاقة بين الإنسان والمكان، ويبدأ من حقيقة أن للمكان سلطة وسحراً خاصين به، فلكل مكان خصوصيته وقوته، سحره وأسراره الجمالية وخصائصه الفيزيائية. لذا لابد من الحفاظ على التوازن في العلاقة بين الانسان والمكان . و عرافو الفين شو هم الواسطة التي تساعد على تحقيق هذا التوازن.
لقد ازدهرت هذه الظاهرة بشكل واسع - لا سيما في السنوات الاخيرة في الصين .وبات عرافو الفين شوي مطلوبين في كل مكان . فالشركة التي تريد بناء معاملها تلجأ الى هؤلاء العرافين من اجل اختيار الموقع المناسب واتجاه المكاتب وتحديد يوم التدشين. والصناعي الذي يرغب في زيادة أرباحه يلجأ إلى الفون شوي من اجل تحديد شكل و طريقة تسويق منتجاته.والشركات الخاسرة أو تلك التي تعاني من مشكلات ، تجد في نصائح عرافي الفون شوي ضالتها .والمرأة الوحيدة تدفع للعراف من اجل تغيير حظها العاثر.وقد كنت شاهدا على القصة التالية . بنت إحدى الشركات الخاصة فندقا اسمته روزندال في بكين. وفي كل مرة كنت امر بجانب الفندق في المساء أصاب بالغم ،لان معظم نوافذ مبناه العملاق معتمه بسبب قلة النزلاء. واستمر هذا الوضع سنوات . وذات ليلة لفت انتباهي تحول الفندق إلى كتلة من الأضواء ، فجميع الغرف تقريبا مضاءة ، وأفواج من الناس تدخل وتخرج ، والسيارات لا تجد مكانا للوقوف. أثار الأمر فضولي ،وقررت الدخول إلى الفندق. كانت المطاعم عامرة والبهو يغص بالسياح . سألت ماذا جرى و كيف تبدلت أحوال الفندق. أجابني مسؤول الاستقبال، بان شخصا اشترى الفندق ، وأول شيء فعله، انه احضر عرافي الفين شوي الذين قدموا له نصائح حول طبيعة الادارة ووضع الاثاث وحملات الترويج وغيرها . وخلال نصف عام تغيرت أحوال الفندق لان المالك الجديد تمكن من طرد" شياطين النحس" التي استوطنت الغرف!وسألت كيف تم ذلك؟ فاجاب : لقد نظمنا حفل مفرقعات مهيب ،فقد اسودت الدنيا من الدخان وصمت الآذان من أصوات الانفجارات ، وبذلك تمكنا من طرد الارواح الشريرة ونظفنا المكان منها!
لا ادري ما أقول ، ولكن ممثل الفندق سرد علي هذه القصة عن قناعة تامة بان الفين شوي كان له الفضل الأول في ذلك!وبالمناسبة ، فان طرد الأرواح الشريرة عبر المفرقعات هي عادة متبعة في كل إنحاء الصين، لا سيما في الأعياد أو المناسبات الهامة ، كافتتاح معمل جديد او الانتقال الى مسكن حديث .
لقد اختلطت الفين شوي في أحيان كثيرة بالشعوذة ، خاصة في مسألة قراءة المستقبل ، ومع ذلك فان الفين شوي لم تبق محصورة في الصين ، بل انتشرت في دول كثيرة ، وبات لها أنصار وجمعيات ومجلات وحتى برامج في التلفزيون .ولا بد من القول ،ان عرافي الفين شون أصبحوا من الفئات الغنية والنافذة في المجتمع الصيني.
أما الطب الصيني – وهو واحد من انجازات الطاوية – فقد بات جزءا أساسيا من النظام الصحي في الصين . فقد اهتمت الحكومة الصينية به ووضعته على اسس علمية ، فافتتحت الكليات المتخصصة به وحددت مدة الدراسة فيها للراغبين باربعة سنوات ، كما أحدثت أكاديمية خاصة للطب الصيني. وفي كل أنحاء بكين أقيمت عيادات الطب الصيني في أبنية تراثية جميلة . وقد ذهبت الى إحدى تلك العيادات في حي سان ليتون في العاصمة الصينية . ما أدهشني هو كثرة المراجعين –رغم ارتفاع أسعار المعاينة الطبية. ولما حل دوري دخلت الى عيادة جلس فيها طبيب مسن وحوله ممرضتان ،وقد اكتسب الطبيب شهرته من حذاقته ومن كونه ابن الطبيب الخاص لشوان لاي – رئيس وزراء الصين الاسبق في عهد ماو . ولتأكيد ذلك ، علقت على الجدار صورة باللونيين الابيض والاسود يظهر فيها والد الطبيب وهو يعالج شو ان لاي . وبدأ الطبيب الفحص ولكن دون أجهزة . فقد وضع أصابعه على شرايين يدي لفترة عشرة دقائق. وخلال هذه المدة كان يتكلم معي ويسأل عن سورية وعن البلاد العربية . ولما انتهى أملى على إحدى الممرضات نتائج الفحص. ثم استدار باتجاه الممرضة الأخرى وأملى عليها قائمة طويلة من الأدوية . إعطاني القائمة وقال : لا تقلق كل شيء تحت السيطرة ، كل ما عليك هو التقيد بالتعليمات المدونة على الورقة . حملت الورق الى الطابق الأسفل حيث يوجد ما يشبه محل العطارة المليء بالادراج الخشبية حتى السقف . وهناك وضع الصيدلى كيسا ورقيا على الميزان وبدأ يملاْه بأنواع مختلفة من الأشياء منها الجامد والمطحون ، الأسود والبني والابيض، - طبعا بعد ان يزن كل نوع -وفق الوصفة - . وعندما انتهى أعطاني كيسا ورقيا فيه نحو كيلوغرام واحد من هذه الأشياء ، وأشار لي بالذهاب الى غرفة أخرى . وهناك أعلموني بان على العودة بعد ست ساعات من اجل الحصول على منقوع هذه المواد. وبالفعل في الوقت المحدد ، عدت واستلمت ثلاثين كيسا صغيرا من النايلو المختوم تحتوي على سائل دافيء غامق . وقيل لي بان على شرب كيسين كل يوم صباحا ومساء. الى حد هنا كانت الأمور مثيرة لا بل ممتعة . لكن المشكلة بدأت عندما تناولت الكيس الأول ، فطعمه كان مرا وكريها بشكل لا يطاق . ومع ذلك فقد أرغمت نفسي على شرب الدواء حتى انتهى . ولما زرت الطبيب مرة اخرى ، فحصني وقال لي مبتسما : انت من الأجانب القليلين الذين شربوا الدواء كاملا وعادوا الي . انتم الأجانب لا تؤمنون بالطب الصيني ، ونحن كذلك لا نثق بالطب الغربي .انتم لا تدركون ان الطب الصيني يقوم على فلسفة تغاير تماما الطب الغربي . نحن لا نسعي الى علاج الجزء المصاب مباشرة فقط ، بل ننشط الجسم ونقويه من اجل ان يبادر هو نفسه الى مكافحة المرض . بينما الطب الغربي يقوم على مداواة العضو المصاب دون النظر إلى تفاعلات هذا الامر على جسم المريض.وأضاف الطبيب: ان نتائج العلاج الصيني لا تظهر مباشرة ، بل هي بحاجة إلى الوقت ،وهو أمر لا يدركه المرضى الأجانب ، فهم يريدون نتائج فورية ولذلك لا يرجعون إلي .
يبدو أن الطبيب كان محقا بقوله أن الدواء الصيني بحاجة إلى وقت طويل لتظهر نتائجه،وأنا لم انتظر طويلا ، ولجأت إلى تناول حبوب الالتهاب الغربية .
بعد عدة أسابيع من احتفال الجمعية الطاوية الصينية الذي أشرت اليه سابقا،استلمت من مسؤول العلاقات الخارجية في الجمعية رزمة من الكتب والمطبوعات التي تتحدث عن الطاوية في الصين . ومما عرفته من تلك المطبوعات ،انه يوجد في الصين الان اكثر من 1500 معبد طاوي، وان هذه المعابد تحظى بدعم الحكومة ،إضافة إلى تبرعات من أنصار الطاوية . وجميع هذه المعابد تستقبل المصلين وتمارس أنشطة اجتماعية ودينية وثقافية ، كما علمت ان عدد المؤمنين من الصينين بمذهب الطاوية يصل الى نحو 400 مليون شخص ، مع الاعتراف بصعوبة الإحصاء نظرا الى طبيعة المجتمع الصيني الذي يتيح التحول بسهولة من دين إلى آخر ومن مذهب في الدين نفسه إلى مذهب آخر . ووفقا لهذه المراجع-فان مؤسس الطاوية الفعلي هو الفيلسوف الصيني : لاو تسي،( القرن الرابع قبل الميلاد) ،و الذي الف كتاب الـ ( طاو طي جنغ ) و هو الكتاب الذي تعتمد عليه الطاوية بشكل رئيسي ،و الذي يتضمن رموزا غامضة لا يمكن أن تُفهم إلا على ضوء الشروح الموضِّحة. و لقد اختلفت النظرة إلى لاو تسي بحسب اختلاف أتباعه، حيث تناسبت صورته مع توجهاتهم ومشاربهم .

• فصوّره الطامحون الى الخلود على أنه ساحر عظيم استطاع التوصل إلى الخلود بالحكمة وطرق إطالة العمر .
•أما النخبة الحاكمة والبلاط الإمبراطوري فقد جعلوه تجسيدا للـ ( طاو ) وقوة خارقة للطبيعة تدير الكون وتجلب السلام للإمبراطورية الصينية .
•وفي القرن الثاني الميلادي ، جعله الثوار المثاليون مخلصا للطبقات الدنيا من المجتمع الظالم واعتبروه المسيح الملهم ، وزعموا أنه كان يتجلى لقادتهم أثناء حالات النشوة فيوحي لهم ما يشاء.
والمؤسس الثاني للطاوية هو شوانغ تزي الذي ولد في ولاية سونغ عام 369 ق.م . وتقلد منصبا صغيرا في مدينة " خيان " لفترة قصيرة ، زار فيها القصور الملكية التي كان المفكرون ينتقلون فيما بينها في محاولات لإصلاح الأوضاع، غير أنه سرعان ما نبذ صخب العيش في المدينة ولجأ إلى العزلة والتنسك والتأمل في أسرار الكون والوجود .

وكلا الشخصين يؤكدان على ان الطاو هو الخلاص.
يشير لاو تسي الى أن الخلاص لا يمكن أن يتحقق بمحاولة إصلاح الأوضاع العامة عبر العمل الاجتماعي ، وإنما يكون بالابتعاد عن الحياة الاجتماعية، وان الخلاص هو خلاص فردي منبعث من داخل النفس الإنسانية المنصاعة لقيادة الـ(طاو ) الأبدي السرمدي ، ويتم بتوحُّد الـ ( طي ) الفردية مع الـ ( طاو ) الكلي المتحكم في الوجود .
وتقول فلسفة شوانغ تزي بمبدأ وحدة الإنسان مع الـ ( طاو ) حيث يرى فيها تحقيق الحرية الفردية المؤدية إلى التحرر الكامل من قيود الحياة المادية .
وتشمل الطاوية،-وفقا للمطبوعات التي قراتها- تيارين أو مدرستين متباينتين: مدرسة فلسفية، نشأت أثناء الفترة الكلاسيكية لحكم سلالة “تشو” في الصين، والمدرسة الثانية عبارة عن مجموعة من المعتقدات الدينية، طورت بعد خمسمائة سنة من تأسيس المدرسة الأولى.
ويطلق اليوم على هاتين المدرستين الطاوية الفلسفية والطاوية الدينية على التوالي. وقد ظهرت المدرسة الطاوية الفلسفية وتطورت أثناء الانتعاش الفكري الذي صاحب فترة حكم سلالة “تشو”، حيث تميزت تلك الفترة بظهور العديد من المدارس الفلسفية التي كانت تتنافس مع بعضها لتقديم النصائح للحكام في المقاطعات، حول السبل المثلى لحياة صحية ومديدة أفضل،
وعلى عكس الكونفشيوسية التي كانت تدعو الفرد إلى الانصياع إلى النظام التقليدي، كانت مبادئ الطاوية- كما اشرنا - تقوم على أنه يجب على الإنسان أن يهمل متطلبات المجتمع المحيط، وأن يبحث فقط عن الأشياء التي تمكنه من أن يتناغم مع المبادئ المؤسسِة للكون، أو “طاو” (الطريق).
وحتى يكون الإنسان في حالة تناغم مع الـ”طاو “، وجب عليه أن يمارس الـ”لافعل” (وو واي)، أو على الأقل اجتناب كل الأفعال الناتجة عن الغصب (الإجبار)، أو غير الخاضعة للطبيعية، وسلوك طريق التناغم التلقائي مع نزوات طبيعته الذاتية الأساسية. ان اتحاد الإنسان مع “الطاو” يقود الى ظهور قوة غامضة (دي). وبفضل هذه القوة يستطيع الإنسان –وفقا لهذه العقيدة- تجاوز كل المستحيلات على ذوي البشر العاديين، على غرار الموت والحياة.
على الصعيد السياسي، دعا أتباع الطاوية إلى العودة لنمط الحياة الفلاحية البدائي وطبقوا مبدأ الـ’لا فعل” على الحُكام أيضا على غرار محكومِيهم، فلا يترتب عليهم أي فعل حتى يضمنوا أنهم ورعيتهم مفيدون لبعضهم بعضا . لكن مؤسسي الطاوية لم يكونوا سلبيين إزاء عسف الحكام وظلمهم ، فهم قد اتخذوا مواقف نقدية بحق الحكام الذين "يعملون حتى تكون بطون الرعية ملآنة فيما تكون عقولهم خاوية"، ودان اباء الطاوية سعي حكام آخرين" لزرع الجهل لأنه يؤدي إلى نزع الرغبة في التفكير من نفوس الناس"، واستنكروا محاولة حكام اخرين "النظر الى الافراد على أنهم يشبهون كلاب القش التي تستعمل في مراسيم الأضاحي، حيث كانت تتم مراعاتها قبل موعد الطقوس، ثم يتم رميها والتخلص من هذه الكلاب بمجرد انتهاء هذه المراسيم". وحاول مؤسسو الطاوية تخيل نظام اجتماعي مثالي، وهو - في رأي لاو تسي- ذلك النظام الذي يقوده ملك- فيلسوف، أما الرعية فيجب أن تكون مسالمة ومطاوعة لأقصى درجة لهذا الحاكم.
لقد كانت الطاوية من ابرز تجليات الحضارة الصينية ، فهي في الواقع فلسفة وديانة صينية شعبية ،أسهمت في تكوين الفكر الصيني عبر التاريخ ،و لا تزال حتى الآن تساهم في صناعة الوعي الاجتماعي في الصين المعاصرة .


عودة إلى الأعلى

 طباعة طباعة   أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

جميع الحقوق محفوظة 2009
Powered by Platinum
أضف إلى المفضلة